السياسات والرهانات

آخر تحديث 2016-11-07 00:00:00 - المصدر: NEN عراق

الكاتب / علي حسن الفواز

يظلُّ السؤالُ النفطي مثارَ جدلٍ مفتوح، بوصفه سؤالا يرتبط بالاقتصاد والسياسة، وبالكثير من قيم الاجتماع الوطني، فحين تعرضت أسعار النفط للانخفاض الكبير تعرض العديد من الدول وسياساتها  الى مخاطر شتى، وتهددت تنمياتها واستقرارها وموازناتها العامة بعجزٍ خطير، لاسيما تلك الدول ذات الاقتصاد(النفط

ريعي)..مشكلة النفط وعلاقته بالأسعار سيظل عاملا معقدا بالنسبة للدولة المنتجة للنفط، فبقدر ارتباط الأسعار بالسياسات الدولية الحاكمة، فإنه يرتبط أيضا بمجموعة من الإجراءات التي تدخل هذه المشكلة في تعقيدات المنافسة، وفي مجال البحث عن البدائل، فضلا عن ماتتعرّض له  الدول المنتجة من الدول الكبرى، وعبر بدائل ما يسمى ب(انتاج النفط الصخري والرمل القارّي والنفوط في أعماق المحيطات) وهذه بطبيعة الحال مشكلات معقدة، ليس من السهل تجاوزها، أو التغاضي عن تأثيراتها بسبب انخفاض الأسعار، أو بسبب الابقاء على الاقتصادات الواحدية، والفاقدة  لشروط تطويرها وتغذيتها بمصادر أخرى لتوسيع مديات الثروة الوطنية. ولتأهيل العمل المؤسسي في تطوير(صناعات الطاقة المستدامة والطاقة النووية) وهي مصادر تدخل في إطار الاستثمار التكنولوجي لتنمية خدمات الطاقة

السلمية.. إنّ ارتفاع أسعار النفوط خلال الأيام الماضية بسبب قلة المعروض، أو بسبب تأثير الصراعات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط( تغذّي 20بالمئة من حاجة الاسواق العالمية) لايشكّل رهانا واقعيا وحقيقيا، وأنّ إلزام الموازنات الوطنية بتعهدات على وفق هذه الأسعار سيكون مكلفا، وخطيرا في حالة حدوث أية انتكاسة سعرية، وهو أمرٌ وارد في ظل هيمنة الدول الكبرى على المعروض النفطي وعلى أسعاره وسياساته..

السياسات النفطية والمراجعة

قد يكون مصطلح مايسمى ب(الاقتصاد النفطي) غير واضح، وأنّ الترويج له في الأدبيات الاقتصادية يحتاج الى جملةٍ من الاجراءات، والمراجعات، لكنه يبدو واقعيا في سياق الاعتماد عليه كمصدر مهم للثروات الوطنية، وأنّ الحاجة الى تأصيله القانوني والتسويقي تنطلق من توسيع مدياته المؤسسية، لاسيما ضرورات تحويل هذا القطاع الى قطاع صناعي، مثلما هو قطاع استخراجي واستثماري، أي ربطه بمنظومة من الفعاليات التي تعزز دور المؤسسة النفطية في التنمية، وفي مجال العمالة، وفي مجال سدّ الاحتجاجات الداخلية، وهو مايعني تقليل الكُلف الاستيرادية، ووضع النفط كمادة تصديرية في سياق اقتصادي تداولي، وعلى وفق ماهو معمول به في تصدير مواد أخرى كالتمور والفوسفات

وغيرها..إن الحديث الدائم عن سياسة نفطية يرتبط بوضع تحوّطات دائمة لمواجهة أزمة الأسعار، وتقليل كُلف استيراد الصناعات البتروكيميائية، وغيرها من المشتقات النفطية، وهي كُلف باهظة في أقيامها، وفي تأثيرها الاجتماعي والاقتصادي والخدماتي، فضلا عن أنّ غياب السياسات الراشدة في مجال الاستثمار النفطي قد تكون سببا مهما من أسباب تضخم الأزمات الاقتصادية، فضلا عن تضخم ظاهرة الفساد في مجال تهريب النفط أو في العقود، وأنّ أية معالجة لهذه الظواهر ستصطدم بمعوقات داخلية ومشكلات من الصعب السيطرة عليها، ومنها  رفع الدعم عن الأسعار، أو الدعوة الى ترشيد الاستهلاك، او الضغط على الحريات الشخصية في مجال استخدام وسائط النقل وغيرها.

ثقافة النفط وعصر النفط

النفط بقيمته المادية والرمزية لم يعدْ ثروة قومية لدول بعينها، بقدر ما تحوّل الى مصدر مرعب للصراعات السياسية الدولية والاقليمية، فالجميع يعرف أنّ الحرب في سوريا سببها الرئيس هو ممر الغاز من الخليج الى البحر، الذي يعني حصارا اقتصاديا على روسيا، وهو ما دعاها لأن تحضر بقوة ترسانتها العسكرية لإحباط هذا المشروع السري والعلني، كما أنّ التنافس بين العديد من الدول الاقليمية يرتبط هو الآخر بحصص النفط، وبدور بعض الدول في إيذاء دول أخرى يعتمد اقتصادها على النفط من خلال زيادة المعروض، وهو مايعني انخفاض أسعار بيعه..

ولعل البحث عن حلول واقعية لمعالجة هذه الأزمات الاقتصادية سيصطدم بأزمات السياسة، مثلما سيصطدم بالخصوصيات الاجتماعية الداخلية لكل دولة، وهو مايجعل الإتفاق على توجهات معينة أمرا  صعب التطبيق، وأحسب أنّ مؤتمر (الأوبك) الأخير، وبالرغم من بعض الاتفاقات المُعلَنة، إلّا واقع الأمر ظل حذرا، ورهينا بالمعطيات السياسية المضطربة في الشرق الأوسط، وموقف الولايات المتحدة الأميركية من مسار تلك السياسات وملفاتها المُعقدة..إنّ عصر النفط مازال حاضرا، ومازال فاعلا في تلبية حاجات أسواق الطاقة العالمية، مثلما هو حضوره في تغذية سياسات وصراعات شرسة في العالم، وربما مصدر تهديد للعديد منها، لكنه- عربيا- مازال خاضعا للكثير من العشوائيات، إذ لم تعش دول النفط عصر النفط الثقافي، فأغلب دوله مازالت فقيرة، وسياساتها غارقة في الرثاثة والهشاشة، وأنّ مظاهر العمران في بعضها لاتخفي العيوب النسقية الخطيرة في نظامها الاجتماعي والحقوقي والثقافي وحتى الاقتصادي..

فمازالت الثروة النفطية ثروة حكومية خالصة، ولم يُسمح للقطاع الأهلي الوطني المشاركة فيها لتوسيع حركة رأس المال وتنويعه، كما أن النظام النفطي لم يصطنع له حتى الآن نظاما مصرفيا خاصا به، يمكن القيام بفعاليات اقتصادية داعمة للاستثمار والتنمية وتنشيط القطّاع الخاص، وتأمين فرص عمل واسعة للعاطلين، أوحتى لانشاء المؤسسات الداعمة للقطاع النفطي، ومنها مايتعلق بالصناعات النفطية، أو مراكز البحوث والدراسات العليا وغيرها..

أزمات النفط والسياسة.

الحديث عن عصر النفط يرتبط أيضا بالحديث عن(عصر) السياسة، فهي التي تتحكم بالكثير من مفاصله، فأزمة الأسعار التي بدأت منذ عام 2014 لم تكن بعيدة عن أزمة إدارة التوحش السياسي، وأنّ ربط هذه الأزمة باجراءات انتاج النفط الصخري الأميركي بعد انتاج مايقارب 5 ملايين برميل نفط يوميا- كما تقول المصادر الاميركية- تعوزها الدقة والموضوعية، لأن هذه الكمية-إنْ ثبُتتْ صحتها- لاتساوي شيئا من حاجة السوق العالمية أولا، فضلا عن أنّ تكاليف انتاج هذه النفوط باهظة جدا ثانيا، وأنّ تكاليف تسويقها الى الاسواق ستكون صعبة ومعقدة ثالثا، وحتى الحديث عن مجالات تنافسية أخرى مثل تأمين أنواع اخرى من الطاقة المستدامة أو صديقة البيئة، أو حتى تطوير صناعة السيارات التي تستخدم الطاقة الكهربائية، فإنه سيصطدم بالقدرات الشرائية لهذه السلع، ولقدرة الشركات على صناعة طاقة رخيصة، أو صناعة تقانات رخيصة أيضا، لذا سيظل الموضوع في المدى المنظور رهينا بالأزمات، وبطبائع ادارتها، وبالقدرة على مواجهة مايتداعي من سياساتها، وهو مايتعلق بالسيطرة على الأسعار، أو الالتزام بإتفاقيات دولية تُبعد السوق النفطية عن أزمات الدول وتوظيفها لها  في حروبها وصراعاتها السياسية أو العسكرية.

المصدر /  الصباح