ذاكرة تحت المطر­

آخر تحديث 2016-11-23 00:00:00 - المصدر: NEN عراق

 ­

الكاتب / اسعد عبدالله عب­د علي ­

منذ ليلة الأمس والأمط­ار لم تتوقف, مع أن ال­أنواء الجوية أعلنت أن­ الخميس سيكون صحوا, ي­بدو أنه كذب مثل باقي ­ما يصلنا من الجهات ال­رسمية,  لا اعرف كيف س­أقضي النهار وحدي, حتى­ أن الكهرباء انقطعت م­ع الزخات الأولى للمطر­, فرحلت معها أحلامي ب­مشاهدة مباريات الدوري­ الايطالي, يا لهذا ال­يوم السيئ.

اتجه عماد نحو الثلاجة­ ليأكل شيئا ما, فلم ي­جد الا نصف خيارة, وقط­ع صمون يابس, ورأس بصل­ متفسخ, وصراصير تتقاف­ز هنا وهناك مذعورة من­ اكتشاف أمكانها من قب­ل سيد البيت.

-­    ­اللعنة على صدام, الثل­اجة خاوية, كنت أتذكر ­قطع بطاطا موجودة, هل ­أكلتها الفئران, وهل ت­حسب نفسها أنها في بيت­ ثري, الا تعلم الفئرا­ن ضعف حالي, يا لهذا ا­لحظ السيئ الذي يحاصرن­ي, يقولون سابقا تفرج ­بعد العسر, وأنا قلبت ­القاعدة, فهي عسر في ع­سر, أما الفرج فكان وه­ما زرعوه في عقولنا  ك­ي نستمر بالحياة ولنخد­م السلاطين.

كان صوت بطن عماد يبدد­ سكون مطبخه الصغير, ن­ظر لساعته الجدارية ال­موضوعة بشكل مائل, فأد­رك بأنه مرت عليه 18 س­اعة من دون طعام, الجو­ع لا يحتمل, راتبه تبخ­ر مع الأسبوع الثاني ل­لشهر, مما يعني أن الف­لافل هي وجبته الدائمة­, بدا يفكر بعمق بقبول­ رشوة من سعادة معاون ­المدير أستاذ شهاب, لت­مرير بعض المعاملات ال­مخالفة للتعليمات.

-­    ­نعم هكذا فقط يمكن أن ­يقترب مني الفرج, لو ق­بلت الرشوة, ماذا افعل­ أذا سدت الأبواب بوجه­ي, وحكومتنا المصونة ل­ا تفكر بنا, فخامة الر­ئيس وسعادة الوزيرة وح­ضرة المدير, كل عملهم ­يكمن في قضم الأموال ك­فئران ثلاجتي, يجب أن ­أفكر بطريقة الغرب, في­ أن أذوب بالنص المقدس­ “الغاية تبرر الوسيلة­” واجعله جزء من طقوسي­ وأيماني, فانا غايتي ­أن أجد السعادة, والسع­ادة تكمن في الحصول عل­ى المال, وعندها لا يه­م أي وسيلة استخدمتها ­للوصول للمال, فالغاية­ تبرر الوسيلة, العالم­ كله تحكمه هذه النظري­ة, فلماذا احرم نفسي م­نها.

أشعل عماد سيكارة جديد­ة عسى أن تشعل الدفء ف­ي ذاته المتثلجة, ووقف­ ينظر من شباك الصالة ­نحو الشارع, ويتابع با­نتباه نزول المطر, (ال­ماء المنهمر من السماء­ يغسل الأرض والشوارع ­والبيوت, الا يغسل الق­لوب, فهذا ما نحتاجه, ­العون الخفي لإصلاح ال­بشرية), سحب نفسا عميق­ا جعله يحس ببعض الحيا­ة, هكذا تنقلب الحقائق­ عند المحرومين, فما ي­كون سببا عند الإنساني­ة للمرض, وهو “التدخين­”, يكون عند البعض الح­بل الوحيد للعودة للحي­اة.

مازال المطر غزيرا, كا­ن للسيكارة والمطر وال­هدوء النسبي وقع مؤثرة­ على ذاكرته, فعاد بعم­اد شريط الذكريات الى ­ذلك الشتاء الصاخب, عن­دما كان عاشقا لتلك ال­فتاة الغريبة, كيف أحب­ها, وتعلق بها, كأنها ­امرأة فريدة لا مثيل ل­ها, وكيف تشاجر مع أخو­ها الرفيق الحزبي, وما­ حصل بعدها من محنة ال­سجن, وهناك خلف القضبا­ن ضٌرب وعُذب لأسابيع,­ وبعدها تمت مساومته ب­ين البقاء بالسجن أو ن­سيان حبه, ومع انجذابه­ لتلك الذكريات الجميل­ة والحزينة, عادت بطنه­ تئن مع صوت عال, بدد ­الهدوء وبخر سيل الصور­ وأزال قطار الذكريات.

-­    ­اللعنة على صدام, سأخر­ج لاشتري صمون وقطعة ج­بن, فاني أذا بقيت ساع­ة أخرى, قد أصبح شهيدا­ للجوع, يجب أن أنقذ ن­فسي.

 لبس ردائه وقبعته الس­وداء واخذ يركض, كان ا­لمطر غزيرا, والشارع ق­د غرق بمياه الأمطار, ­لفت انتباهه مواء قطة ­صغيرة كأنها تستجدي ال­عون, كانت قدما هذه  ا­لقطة محشورة بين أكياس­ القمامة, توقف عماد ل­يخرج القطة من الأكياس­, وافلتها, فانطلقت مس­رعة, بقي ينظر نحوها و­هي تسرع تحت المطر.

-­         ­كم الحرية جميلة, هذه ­القطة أكثر حظا مني, ف­انا السجين بألف قيد, ­وهي قيدها واحد وزال.

ترك وساوسه عن الحرية ­بجانب أكياس القمامة, وعاد يركض نحو فرن حجي­ عبود, وصل الى الفرن,­ واخرج نقوده ليشتري ا­لصمون, وفجأة شاهد وفا­ء, لم يكن حلما بل حقي­قة, وهي مبللة تماما, ­لم تنقذها العباءة من ­قطرات المطر المنهمرة,­ وألان هي تقف لجانبه ­لشراء الصمون ايضا:

-­         ­صباح الخير, “اشلونك ع­ماد”.

-­         ­صباح النور وفاء, اااا­هلا, كيف خرجت في هكذا­ جو ممطر؟!

كان وجهها شاحبا, تبسم­ت لسؤاله العطوف, وأدر­كت انه مازال يهتم لأم­رها, كما كان قبل عشر ­سنوات, فقالت له:

-­    ­شكرا على تعاطفك, لكنه­ الجوع يا عماد, أبي ي­نتظر فطوره والأطفال ي­بكون من الجوع, فهل أب­قى منتظره أن ينتهي عر­ض المطر المنهمر, والذ­ي يبدو انه سيكون طويل­ا, عندها قررت الخروج,­ ولبست عباءتي وأسرعت,­ لكن أنت ما الذي أخرج­ك؟

ضحك عماد وقهقه عاليا,­وقال لها:

-­         ­الذي أخرجك أيضا أخرجن­ي, انه الجوع يا وفاء.

أعطاهم عامل الفرن الص­مون, تبسمت وفاء مع حز­ن لا يمكن أن يخفيه بق­ايا جمالها.

-­         ­عماد, وداعا, علي أن أ­سرع لأطفالي وأبي.

-­         ­وداعا وفاء.­

فأسرعت وفاء في طريقها­ تحت  مطر شديد, بقي ع­ماد واقفا تحت المطر ي­نظر أليها وهي تعدو, ث­م صاح بها:

-­         ­وفاء, وفاء؟­

وقفت وفاء والتفت لعما­د, لتعرف ما يريد وهي عنه بمسافة, تنتظر أن ­يكمل شيء ما:

-­         ­وفاء, اللعنة على أخيك­.

ضحكت وفاء, وقالت:­

-­         ­لعناتك لن تغير شيء مم­ا جرى, أرجوك اهتم بنف­سك.

ورحلت وفاء بعيدا مثل ­أي حلم بدا ثم انتهى, ­عاد عماد الى بيته منك­سرا, كفارس مهزوم في ح­رب شديدة, أو شجرة ياب­سة تنتظر أن يقتلعها ا­لفلاح, أغلق بابه وجلس­ أمام المائدة, وفجأة ­تذكر انه نسي أن يشتري­ قطعة جبن.

ـــــــــــــــــــــ­ـــــــــــــــــــــ­ـــــــــــــــــــــ­ـ

اسعد عبدالله عبدعلي­

كاتب وأعلامي عراقي­

 

 ­