🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

مأزق حركة فتح

راي اليوم 2016/12/03 00:00


محمود عدس



يبتعد كثيراً عن الواقع من يظن أن علو صوت التصفيق في مؤتمر فتح الأخير يجسد مرحلة استقرار سياسي لهذه الحركة التي جسدت العمود الفقري للثورة الفلسطينية منذ نصف قرن.


فما اختبأ خلف هذا الضجيج المفتعل في قاعة المؤتمرات و ما رافقه من تزلف و نفاق مارسه أعضاء المؤتمر تصفيقاً لخطابات الرئيس التي لم تأتي بجديد و بدت خالية من أي مضمون. ما اختبأ يؤكد أزمة عميقة و مزمنة تعانيها حركة التحرر الوطني من متلازمات عديدة أهمها الفساد و الانفلات و غياب الرؤية و الرموز الوطنية عنها و حتى الغطاء الشعبي الجماهيري  الذي ظل سمة مرافقة للحركة طوال سنوات نضالها في مخيمات و قرى و مدن الوطن و الشتات و الذي  تم تغييبه ليحل مكانه مجموعة من الموظفين و الضباط و المنتفعين. الذين أخرجوا فتح من مضمونها الثوري الجماهيري لتبدو دون مواربة تكتل سلطوي منفعي يشبه حركات الأنظمة العربية الحاكمة التي جسدت حكم الفرد المتسلط المتحكم بالقرار دوناً عن غيره و البعيد عن المحاسبة و المسؤولية.


لم يخرج من المؤتمرين المتجاوز عددهم للألفين عضو أي صوت ينتقد ممارسات ابو مازن عبر العقد الذي قضاه في الحكم. أو يعترض على حالة الفساد المستشرية بين قيادات الحركة و عبر مؤسساتها المرتبطة بالسلطة. لم يطالب أحد مثلاً بمحاسبة أبو مازن على تراجع الملف الفلسطيني و عجز القيادة الحالية عن إخراج الفلسطينيين من مآسي الاحتلال و الحصار. أو حتى الفوضى التي مارستها تلك القيادة و أدت فيما أدت إلى خسارة قطاع غزة و تعميق الشرخ الوطني الفلسطيني أيضاً عبر تعطيل فاعلية منظمة التحرير و مجلسها الوطني الذي يفترض أن يكون جامعة وطنية لكل الفلسطينيين بفصائلهم السياسية المختلفة و نخبهم و كفاءاتهم الوطنية في كافة الأطر المجتمعية الفلسطينية بالوطن و الشتات. لم يعترض المصفقين على الطريقة التفاوضية البائسة التي أدارها أبو مازن عبر السنوات الماضية و لم تنتج للفلسطينيين سوى زيادة معاناتهم و تراجع ملفهم اقليميا و دوليا وسط تغول الاستيطان و تدني مستوى الفرد الفلسطيني اقتصادياً و اجتماعياً. لم يذكِّر احد ابو مازن ان الآلاف من أعضاء فتح لا زالوا قابعين في السجون مع باقي المناضلين من الفصائل الفلسطينية الأخرى و أنه متقاعس و عاجز عن مساندتهم في نيل حرية مستحقة.


لم يكن مؤتمر الحركة الأخير إلا على شاكلة ما قبله و المنعقد في بيت لحم قبل ٨ سنوات. و الذي فرض فردانية القرار بيد شخص أوحد قرر لوحده استراتيجية الحركة و اختار لوحده أيضاً قيادات المجلس الثوري و اللجنة المركزية للحركة. و له القرار وحده أيضاً في عزل من يريده لاحقاً في حال تعارضت المصالح و المنافع الشخصية كما حصل مع محمد دحلان و أنصاره. رغم أن ذلك الأخير لم يكن ليمثل حالة وطنية أو فكر إيجابي  في إطار التنظيم الفتحاوي بقدر ما كان حالة سلبية يرافقها الفساد و الأزمات أينما ذهبت. ولم يكن ذاك الخلاف الذي فجره دحلان مع ابي مازن ذي علاقة باستراتيجية الحركة و رؤيتها  الوطنية للأحداث السياسية بقدر ما هو صراع على النفوذ  و الامتيازات المالية في فتح و السلطة. فصراع من هذا النوع يخوضه دحلان مع أنصاره و محالفيه بدعم الرباعية العربية ضد عباس لن يصب في خدمة الصالح الحركي أو الوطني الفلسطيني. و هو تأكيداً يحقق حالة شرخ عميق تفتت الحركة و تدخلها في نفق سياسي مظلم.


لم تكن مؤتمرات فتح السابقة التي عقدت عبر عقود النضال الوطني الطويل على شاكلة مؤتمر المقاطعة. فتلك كانت تنشأ في رحم نضالي نقي و خضم عنف ثوري و كفاح مسلح يؤمن بنظرية “السياسة تنبع من فوهة البندقية”. مؤتمرات لا تصفق للقائد و لا تعط لعرفات بكل ما حمله من رمزية و كاريزما شيكاً على بياض. تختلف معه و ترفع الصوت بناء على مقتضيات المصلحة الوطنية الفلسطينية لا لامتيازات سلطوية و تقاسم نفوذ. مؤتمرات يحضرها رموز و قادة مؤثرين و مفكرين عظام أمثال ماجد أبو شرار و سعد صايل و خليل الوزير و خالد الحسن و صلاح خلف. لا بارونات سلطة و متسلقين و أشباه قادة. مؤتمرات يسندها زخم جماهيري  منطلق من أزقة المخيمات و معسكرات الفدائيين و حقول الكادحين الفلسطينيين و أشبال الثورة الفلسطينية.


كان ذاك هو الزمن الجميل الذي انقضى لحركة التحرير الفلسطيني أو حركة الثورة و الجماهير.  تجردت فتح في مؤتمرها الأخير من كونها ثورية تحررية و ابتعدت مع ابو مازن و قادتها الحاليين عن جمهورها و محبيها و طموحاتهم و آمالهم في تحقيق الاستقلال و التحرير. بعيداً جداً حيث لا ثورة و لا تحرر و لا رؤية. فخرجت بهذا الشكل البائس كحزب سلطوي يخبئ فساده و عجزه خلف موروثه التاريخي الثوري.  لا يضم في جنباته سوى منتفعين و موظفين لا يربطهم في فتح سوى ماكنة الصراف الآلي. فتح في أزمة تخسر بها كل شيء مما تبقى من اسمها و تاريخها و جمهورها. و مخطئ من يظن أن ضجيج التصفيق و التطبيل للخطابات الفارغة في المؤتمرات سيخفي ما هو قادم من أزمات و خسائر كارثية يقودها نحوها من يتزعم دفتها في المقاطعة.



كاتب فلسطيني


مقيم في طنجة





لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (راي اليوم)