حمدي جوارا: غامبيا.. نحو انتكاسة ديمقراطية
راي اليوم
2016/12/11 00:00
حمدي جوارا
بعد أن هنّأ الرئيس الغامبي الخاسر في السباق الرئاسي / يحي جامي منذ أقل من 10 أيام ، حيث خرج من على شاشة التلفزيون الرسمي مهنّئا منافسه في سابقة سياسية لم يسبق له له مثيل على مستوى القارة ككل ، وبعد أكثر من 22 سنة وهو في سدّة الحكم ، إذ إن اعترافه بالهزيمة وتهنئته للمعارض آدم باروو وجد ترحيبا إقليميا ودوليا .
لكن ما هي الأسباب التي كانت وراء تراجع الرجل عن إقراره بالهزيمة وغلقه للحدود وقطع الانترنت ومنعه طائرة الوساطة الاقليمية برئاسة الرئيس الحالي لمنظمة الايكواس رئيسة ليبيريا / الين جانسون ….
ورغم أن الأسباب كثيرا ما تمّ تناولها أني أرى أن السبب الرئيسي لهذا التراجع هو الجوقة العسكرية المحيطة بالرئيس جامي .
فمعظم التكهنات تظهر أن الرجل يلاقي عاجلا أم آجلا العدالة وهي تتعقبه ومحاسبته سنوات الحكم التي كان يسيطر عليها بالحديد والنار ، ويعني سقوط الرجل سقوط الحاشية التي كانت معه وهذا ربما الذي أقنعه في التراجع عن قبول النتائج الانتخابية .
صحيح ، أن رئيس الأركان /عثمان براجي كان قد أخبر تمسّكه بالنتائج في الخميس قبل أن يعلن الرئيس قراره الأخير في الجمعة مما يعني أن قائد الجيش لم يكن على علم بما كان يخطّط له الرئيس ..وربما والله أعلم تمّ إيقاف الرجل أو وضعه أمام الأمر الواقع ومن ثم إسكاته عن أي تصريح قد يكون سببا في تأليب أفراد من الجيش ضد الرئيس ..
في ظل كل ذلك يجب أن نعترف أن الفائز / آداما باروو والمعارضة لم يتمكنوا من محاولة التحكم الذاتي سياسيّا إزاء النتيجة المفاجئة ، وأخذتهم نشوة الفرح إلى أن يحاكموا الرجل قبل تركه السلطة والذهاب به إلى محكمة الجنائية الدولية، وخاصة بعد تصريحات/ أفاتيماتا ديالو القيادية السياسية في المعارضة والتي أدلت بالقبض عليه والتحذير من قيادته تمرّدا في قريته فإذا يقود تمرّدا داخل القصر وليس من قريته .
كل هذه الأسباب أدت إلى تأزّم الموقف السياسي في البلاد وهذه المواقف تنمّ عن طفولة سياسية تعيشها المعارضة الغامبية.
وأعتقد أن الخط الذي كان ينتهجه الرئيس الفائز كان جيدا نوعا مّا ولكن مشكلته فقط أنه لم يتمكن من لجم بعض أصوات المعارضة ودعوتهم إلى تهدئة الأوضاع وعدم الإدلاء بأي تصريحات سياسية إلا عبر بيان الحزب أو المتحدث الرسمي ، فترك الحبل على غارب ليدلي كل منهم بما يريد وما يراه في ظل الوضع المتأزم .
ودعوة الرئيس /آداما بالأ مس للتهدئة بعد تصريحات جامي وعدم التصعيد كان خطوة جيدة جدا وتعني أنه بدأ يفهم كيف يستوعب الموقف وهو الأسلوب الوحيد والأمثل لتطويق الأزمة وخاصة دعوته لأن يذهب الناس الى مشاغلهم اليومية بهدوء وأن الأمور ستصل إلى حلّ ..
هذه هي اللغة السياسية يجب أن يتقنها الساسة الأفارقة في ظروف كهذه وإلا فإن البلاد ستدخل في مسارات لا تحمد عقباها .
وهناك خطأ آخر سياسي قام به الرئيس الفائز / باروو كثرة التصريحات التي أدلى بها في الإذاعات والمحطات التلفزيونية المختلفة وخاصة السنغالية منها ، وهذا خطأ فأنت أصبحت رئيس ولا ينبغي أن تترك الأمور هكذا سبهللا بحيث تترك أي أحد يتصل بك لكي يأخذ منك تصريحا أو آراء قد تفتح المجال لكن الأحسن أن تنتظر حتى تدخل القصر ..
أما عن السيناريوهات المحتملة ينبغي الاعتراف أن الوضع خطير ، لكن في حال تمّ تقديم ضمانات قوية للرئيس جامي وعائلته وإعلان الرئيس عدم الانضمام للجنائية الدولية فأعتقد أن ذلك سيبدّد الكثير من المخاوف التي تسيطر على الرئيس جامي وحاشيته بعد مصادقة الاتحاد الإفريقي على ذلك بالإضافة إلى الأمم المتحدة ..
أما في حال لم تقدّم أي تطمينات للرئيس فهذا يعني أننا –لا سمح الله- سنشاهد فصلا جديدا من التراجيديا السياسية على مستوى القارة ،وأعتقد أن القادة في المنطقة سيعملون كل شيئ لتفادي ذلك حتى وإن أدى إلى قبول انتخابات جديدة أو ربما إعادة فرز الأصوات مجددا ومن ثم الإعلان الفائز حقيقة … وإذا لم يقبل الرجل بذلك فأعتقد أننا سندخل في متاهات سياسية لا قدر الله …
في ظل كل هذه الظروف نتوقع أن يتراجع الرئيس/ جامي عن تراجعه ويعبّر عن حبّه لشعبه ووطنه الذي قدّم له الكثير ولأسرته ،وأن يتغلّب الضمير الوطني فيه على المخاوف التي لن تجرّ له وللبلد إلا المشاكل والتحديات التي ربما لن يستطيع أحد أن يتحمل نتائجها ..
فالعقل العقل … والوطن والوطن وحب الوطن من الإيمان …
كاتب وباحث
باريس فرنسا
Sadjidah11@yahoo.fr
لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (راي اليوم)