حيدر مصطفى: سوريا تدفع ثمن الدفاع عن آسيا
راي اليوم
2017/01/30 00:00
حيدر مصطفى
ستُ سنوات من الحرب على سوريا والمنطقة العربية كانت كفيلة وكافية لتؤكد أن ما جرى لم يكن نتيجة لثورات أو تحركات شعبية أو محاولات للتغيير فقط، فالصورة أصبحت أوضح الآن نظراً لإدارك المراقبين والمتابعين والمعنيين والباحثين أن صراعاً بين الشرق والغرب كان لا بد أن يتفجر من جديد بعد جمودٍ دام لعقود طويلة، تخللها بعض النزاعات والمناوشات السياسية وربما العسكرية المحدودة في بعض المناطق كلبنان وفلسطين.
ذلك الجمود كان مبهماً عند شعوب المنطقة العربية، لاعتبارات عدة ليس أولها نجاح الغرب في تفتيت المنطقة واختراقها وتغلبه على قوميات شعوبها وإتباعها له سياسياً واقتصادياً، وما أظهرته طبيعة التحالفات العربية الغربية خلال السنوات الماضية كانت كفيلة لتأكيد استمرارية الهيمنة الغربية على العديد من الدول العربية.
الحرب على سوريا كانت مفترق الطرق في تحديد مسار المعركة وكشف أهدافها، وساهمت بشكل مباشر بإظهار النظام العالمي الجديد، البعض حاول إسقاط مفهوم المؤامرة، وربما كان التفسير خاطئاً عند كثيرين لحقيقة هذه المؤامرة التي سخروا من حتمية وجودها.
بالفعل هي ليست مؤامرة فقط، وإنما سياق طبيعي لنتيجة الصراعات الجيوسياسية بين الشرق والغرب، التي طالما تركزت في منطقة الشرق الأوسط. هي صراعٌ أنهى أحادية القطبية الأمريكية وأعاد لروسيا كلمتها من بوابة المتوسط، وللصين دوراً أكبر في القرار الدولي، وأتاح المجال أمام إيران بشكل أو بآخر لإثبات وجودها أكثر في المنطقة.
يؤكد كثيرٌ من المؤرخين والباحثين في علم الجيوبوليتيك أن من يتمكن من الهيمنة والسيطرة على منطقة الشرق الأوسط يحكم العالم، ليس فقط بسبب غنى هذه المنطقة بالثروات وإنما لموقعها الجغرافي الذي يصل الغرب بالشرق، ولتموضعها على حافة الجرف الصخري لآسيا الذي يصلها بكل من أوروبا وأفريقيا، وتشرف به على عدة منافذ بحرية هامة، وتشكل نقطة وصل هامة لطرق التجارة بين الطرفين.
من هنا يمكن استيضاح الاهتمام الروسي والإيراني والصيني بمنع سقوط الدولة السورية وإدخال الأطراف الغربية والعربية الموالية لهم في مستنقع اليمن، ومحاولات جذب مصر، والعمل على عدم قطع العلاقة مع تركيا.
المصلحة الجيوسياسية حتمت على دول آسيا العظمى والنامية الدخول في معركة المواجهة مع الغرب في سوريا، وعدم الاستكانة للرغبة الأمريكية في زعزعة الاستقرار بمنطقة تصل من سوريا إلى العراق وصولاً إلى أفغانستان في وسط آسيا، لما تشكله هذه الهيمنة من خطر على مصير القارة الآسيوية بأكملها. فسقوط سوريا لو تم، لتكرست أحادية القطبية الأمريكية بعد فشلها في العراق وأفغانستان.
كلُ دولة من دول آسيا كانت ستشهد اضطرابات سياسية واقتصادية فيما لو اكتمل المشروع الأمريكي، لا يختلف اثنان على نتيجة ذلك، مهما عظّمت تلك الدول من قدراتها، وبنظرة بسيطة لنتائج الهزيمة في سوريا لو حصلت يمكن تبيان ذلك.
ماذا لو سقطت سوريا؟
– لو نجحت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيين في زعزعة الدولة السورية وإخراجها من محوريتها، كدولة مؤثرة في القرار الإقليمي، لرأينا خطوط الغاز القطرية تصل إلى وسط أوروبا وهو أمر له ما له من تداعيات سلبية على روسيا التي تعاني أوضاعاً اقتصادية صعبة.
– سقوط الدولة السورية لو حصل، لكان الحلم الإسرائيلي قد تحقق في إنهاء وجود أكبر عامل ردع، أمام المشروع الإسرائيلي.
– وأهم العوامل فيما لو سقطت سوريا، هو القضاء على الحلم الآسيوي الصيني الروسي الإيراني بإعادة إحياء طريق الحرير التجاري.
– وكان سيعزز الاندفاعة الأمريكية الغربية نحو بحر الصين الجنوبي والخليج ومنطقة البلطيق (إحدى أهم الخطوط الحمراء لروسيا).
ولا شك في أن سقوط سوريا، سيشكل تداعيات سلبية أمنية واقتصادية على دول منظمة شنغهاي، لما يمهد له ذلك من اقتراب الهيمنة الأمريكية من حدود دول آسيا العظمى كروسيا والصين وإيران وجميعها دول تسعى لاستعادة أدوارها المحورية، والتي كانت الحرب في سوريا عاملاً استراتيجياً في عودتها خلال المرحلة الحالية.
وبحسب كتب التاريخ الجيوسياسي، فإن إيران تسعى للعب دور صلة الوصل بين شرق آسيا وشرق المتوسط منذ أيام الأخمينيين، وطالما ازدهرت حين نجحت في لعب هذا الدور، وتعرضت لأزمات داخلية حين فشلت في ذلك.
دول منظمة شنغهاي بما فيها روسيا والصين وإيران، ، سعت لمنع نجاح المساعي الأمريكية، في حصر تلك الدول في البر الأوراسي. ومساهمتها الفاعلة في منع سقوط الدولة السورية، حققت لها تحولاً استراتيجياً في النظام الدولي، قضى بإنهاء هيمنة القطب الواحد على العالم، وهو ما لم يتحقق خلال مئتي عامٍ مضت.
وتظهر النتائج الإيجابية المحققة لروسيا، أن موسكو عادت وبقوة إلى المتوسط الذي يؤمن استمرار حركتها وحريتها من المياه الدافئة وإليها والبحر الأسود، حيث ينظر الروس إلى سوريا بمثابة شاطئ روسي على المتوسط.
خلاصة:
الشعب السوري دفع الثمن الأكبر في هذه المعركة، الإحصائيات الأخيرة تتحدث عن أكثر من عشرةِ ملايين لاجئ منتشرين بين داخل البلاد وخارجها، وخسارة اقتصادية تقدر بمئات مليارات الدولارت (خسائر مباشرة وغير مباشرة)، وقطاعات خدمية مدمرة بأكملها، ناهيك عن سقوط مئات آلاف الضحايا، لاسيما من الجيش السوري الذي أنهك في معركة الدفاع عن آسيا بالكامل وليس سوريا فقط، وضحى بعشرات الآلاف من عديده، وهذه حقائق لا يمكن نكرانها، بالتالي لا بد من القول: إن جميع الدول والحركات والمجتمعات التي ساهمت في منع انتصار الغرب في هذه المعركة، ضمنت لنفسها ابتعاد نيران هذه المعركة عن أراضيها، وإن ساهمت وضحت بأرواح مقاتليها ومستشاريها وخبرائها، ولهم من الشعب السوري كل التقدير والعرفان والمحبة، ولا ينكر السوريون فضل الدعم الروسي والإيراني والصيني لبلادهم، لكن المزاج العام في سوريا اليوم لا يقبل أي كلامٍ قد ينظر له السوريون بمنظور الكلام المقللِ من قيمة تضحياتهم وخساراتهم التي لا تقدر بثمن.
مراجع تم الاستعانة بها:
الحرب على آسيا من المياه الدافئة إلى المحيط الهادئ (د.علوان أمين الدين)
أوراسيا والغرب والهيمنة على الشرق الأوسط (د.جمال واكيم)
صحفي سوري
لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (راي اليوم)