ساعود جمال ساعود: هل حقق ترامب أحلام تركيا بإنشاء منطقة عازلة في سورية؟
راي اليوم
2017/02/01 00:00
ساعود جمال ساعود
لا يجوز قانونيًا إنشاء منطقة آمنة إلا عبر القنوات الرسمية المتمثلة في الموافقة الأممية، لكن في الواقع نلاحظ أن كثيرًا من الأمور تجري من خلال فرض الأمر الواقع، خاصة في الحالات التي من المعروف معارضة إحدى الدول التي تمتلك حق الفيتو لها.
يُقصد بالمنطقة الآمنة الأراضي التي لا يُسمح للطائرات الحربية بالطيران فوقها، وعادة ما تُعيّن هذه المناطق في سياقٍ عسكري إلى حدٍّ كبير كمنطقة منزوعة السلاح، وعادة ما تمنع فيها طائرة عسكرية تابعة لقوة محاربة عاملة في المنطقة. والطائرات التي تخرق منطقة الحظر الجوي قد يتم إسقاطها، وهو ما يتوقف على الشروط التي قامت المنطقة عليها.
تمثلت نماذج المناطق الآمنة أو مناطق حظر الطيران بشكلها الحديث في ثلاثة أمثلة أساسية، هي المثال الأول كان في عام 1991، عندما تدخلت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا ودول أخرى في النزاع الكردي العراقي شمال العراق، من خلال إنشاء منطقة حظر الطيران التي منعت فيها الطائرات العراقية من التحليق. وكان القصد من منطقة الحظر الجوي هذه، منع القصف المحتمل واستخدام الأسلحة الكيمياوية ضد الأكراد من قبل نظام صدام حسين.
في عام 1992 وفي ذروة الحرب البوسنية الصربية، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 781، الذي يحظر الطلعات الجوية العسكرية غير المصرح بها في المجال الجوي البوسني. وأدى ذلك إلى عملية سميت بـ«Sky Monitor»، حيث رصد حلف شمال الأطلسي (ناتو) الانتهاكات لمنطقة حظر الطيران، لكنه لم يتخذ إجراءات ضد المخالفين لهذا القرار.
وظهر المثال الأخير لهذا النوع من العمليات خلال أحداث الثورة الليبية عام 2011، كجزء من التدخل العسكري في ليبيا 2011، عندما وافق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على فرض منطقة حظر جوي في 17 مارس (آذار) 2011.
أما في سورية ، وقل البدء بالسرد ، فإننا لا ندري فيما إذا كان ترامب قد حقق أحلام تركيا الوردية بإنشاء منطقة عازلة التي تحمل نفس مضامين ودلالات مصطلح المنطقة الأمنة.
لقد ظهر هذا الاسم لأول مرة وطالب به المسؤولون الأتراك على مختلف المستويات، إذ دائمًا ما كانت ترغب تركيا في إنشاء منطقة عازلة داخل سوريا، واقترحت تركيا و”المعارضة” الإرهابية إنشاء منطقة آمنة تتضمن بعض مناطق شمالي سوريا في عام 2013، ولكن الولايات المتحدة والحكومات الغربية الأخرى لم تكن على استعداد لقبول هذه الخطط.
وبعد تقدم تنظيم (داعش) الإرهابي في العراق، بدأت مفاوضات بين الجانب التركي والأمريكي تتعلق بهذه المنطقة الآمنة، وفي حين قبلت الولايات المتحدة الأمريكية بمنطقة خالية من عناصر تنظيم القاعدة، كان المسؤولون الأمريكيون في إدارة أوباما مترددين في قبول فرض منطقة حظر الطيران.
بعد هجمات «تنظيم الدولة» في منطقة الأكراد السورية، بدأ عشرات الآلاف من السوريين بالهروب إلى تركيا، وفي بداية عام 2015 بدأ اللاجئون في عبور الحدود التركية اليونانية والفرار إلى الدول الأوروبية، هذه التدفقات الضخمة من اللاجئين تسببت في إعادة النظر في إنشاء منطقة آمنة للمدنيين في سوريا، ثُمّ في فبراير (شباط) 2016، قالت المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» «في الوضع الحالي، سيكون من المفيد أن يكون هناك مثل هذه المنطقة، حيث لا يسمح لأي من الطرفين المتحاربين شن هجمات جوية».
لم تُنشأ المنطقة الآمنة في سوريا بسبب خلافات بين الحكومتين التركية والأميركية، ويتمثّل وجه الخلاف الرئيس حول الجهة الأولى التي من المفترض أن يُقضى عليها في سوريا، وكانت تركيا آنذاك ترغب في الدولة السورية في أقرب وقت ممكن، في حين تبنت الولايات المتحدة خيار أولوية القضاء على «تنظيم الدولة».
مضمون المنطقة الآمنة هو سبب آخر للخلاف بين السلطات التركية والأميركية، فوفقًا لتركيا، يجب أن تشمل المنطقة الآمنة الحظر الجوي، في حين ترفض الولايات المتحدة أي إمكانية لإنشاء منطقة حظر الطيران. كما أن تُركيا تدعم إشراك قوى “المعارضة” في المنطقة، بعد القضاء على «تنظيم الدولة»، لكن الولايات المتحدة مترددة حيال ذلك؛ لأنها ترى أن المعارضة السورية تتضمن كثيرًا من الإسلاميين الذين ترى أنهم «مُتطرفون» كما زعمت رغم انعدام التصديق سورياً بمثل هذا الطرح .
يبدو أن الإدارة الأمريكية الجديدة لها وجهة نظر مختلفة عن سابقتها، فقد أكّد ترامب، الأربعاء الماضي الموافق 26 يناير (كانون الثاني) الجاري، على إنشاء المنطقة الآمنة في سوريا للاجئين الفارين من الحرب، ووفقًا لوثيقة اطلعت عليها وكالة أنباء رويترز، فمن المتوقع خلال الأيام المقبلة أن يطلب ترامب من وزارة الدفاع ووزارة الخارجية وضع خطة لإنشاء هذه المناطق في سوريا والدول المجاورة.
لكن الوثيقة لم توضح ما الذي من شأنه أن يجعل المنطقة الآمنة «آمنة»، وعما إذا كان الغرض منها فقط حماية اللاجئين من التهديدات على الأرض، مثل المقاتلين الجهاديين، أو ما إذا كان ترامب يتصور إمكانية فرض منطقة حظر جوي تحرسها أمريكا وحلفائها.
دعوة ترامب لوضع خطة لمناطق آمنة في سوريا هي جزء من أمر تنفيذي أكبر جرى التوقيع عليه خلال الأيام الماضية، شمل حظرًا مؤقتًا على معظم اللاجئين إلى الولايات المتحدة، وتعليق تأشيرات الدخول لمواطني سوريا وستة بلدان أخرى من الشرق الأوسط وأفريقيا.
وفي نظر ترامب، تهدف هذه المناطق المزمع إنشاؤها، إلى أن تكون مناسبة لسكنى المدنيين فيها دون خوف من استهدافهم من قبل أي طرف من الأطراف المتنازعة في الحرب في سوريا، وأن يكون المدنيون محميين من قبل المجتمع الدولي، كما أنه يرى أنها وسيلة لوقف، أو حتى عكس، الهجرة السورية إلى أوروبا وأماكن أُخرى حول العالم.
من التحليلات السابقة نصل لنتائج مفادها لا يخدم مقولة ترامب في تهجّمه على أداء إدارة إوباما، وبالعودة إلى منطقتي حظر الطيران بعد حرب الخليج، سنلاحظ أنه لم يكن من الممكن تطبيقهما فعليًا إلا بوجود قواعد جوية وحاملات طائرات في كل من تركيا شمالًا ودول الخليج والخليج العربي جنوبًا، وبالتطبيق على الواقع السوري سنرى أن اوباما مهّد الأرضية اللازمة لترامب وإدارته لمثل هذا الطرح المنادي بمنطقة آمنة، فقد عمل ترامب في محاولة تمهيدية لفكرة المنطقة الأمنة إلى توزيع القوات الأمريكية وأماكن تواجدها بشكل يسّهل التطبيق العملي لمشروع المنطقة الآمنة، ليتبين وكأن هناك تبادل أدوار ليس أكثر بين رؤساء امريكا كترامب واوباما وما كثرة المشاحنات الكلامية بينهما إلا في سبيل خبق جو من الأخذ والرد في السياسية الأمريكية في حين أنهما منفذين لسياسات العامة الأمريكية ليس أكثر.
وللتدليل لا بد من التذكير بأن موقع المنطقة الذي يقترحها ترامب لابد أن تكون بالقرب من قواعد يمكن استخدامها لتمشيط منطقة حظر الطيران، والمنطقة الأقرب لكل التوقعات تتمثل في شمال سوريا، أي: المنطقة الواقعة تحت الهيمنة الكردية، أو تلك الواقعة تحت الهيمنة التركية بعد دخول قوات تركية تجاه مدينة الباب.
سرعان ما كثّرت الآراء عن حدود المنطقة الأمنة في تخمينات من قبل الكثيرين حول ماهيتها وعلى أي صورة ستكون، ففي حديثه للنسخة التركية من موقع «سبوتنيك» الروسي، لفت الجنرال التركي المتقاعد، «هالدون سولمازتورك»، الانتباه إلى مزاعم الولايات المتحدة أنّ أنشاء قاعدة عسكرية بالقرب من مدينة الحسكة في شمال شرق سوريا، فهذا من جهة، ومن جهة إخرى كما أكّد مصدر في قوات سوريا الديمقراطية لموقع «سبوتنيك» على إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في قرية تل بدر، على بعد 35 كيلومتر من مدينة الحسكة.
وحول خطورة الأمر بالنسبة للأمن القومي التركي، فقد أعرب الجنرال التركي المتقاعد هالدون سولمازتورك عن مخاوف بشأن إمكانية تشييد ترامب مناطق آمنة في جميع أنحاء سوريا بمساعدة قوات سوريا الديموقراطية، وليس سرا أن أنقرة تعارض بشدة إنشاء أي كيانات كردية مستقلة قرب الحدود الجنوبية لتركيا، وتعتبر تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة والكردية خطرًا يُهدد أمنها القومي. وفي حالة إقدام الولايات المتحدة على ذلك، فسيمثل الأمر مشكلة حقيقية مع تركيا التي يمكن أن تمنع استخدام قاعدتها العسكرية، «إنجرليك»، لتسيير رحلات المراقبة.
وفي أقدم ترامب على هذه الخطوة، فقد يُعقّد ذلك بشكل كبير معركة أنقرة ضد حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية، الذيْن تعتبرهما القيادة التركية تابعين لحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنف منظمةً إرهابية في تركيا، لذا فإن سولمازتورك يعتقد أن إنشاء منطقة آمنة في سوريا «لا يُمكن تحقيقه تمامًا في ظل الظروف الحالية».
ولكن لفتح المجال أمام الاستثناءات نشير إلى احتمال البديل الثاني هو أن يتجه ترامب نحو تعزيز العلاقات مع تركيا نفسها، ويبني المنطقة الآمنة في المنطقة الخاضعة لسيطرة تركيا من الشريط الحدودي، غرب نهر الفرات والمنطقة الحدودية بين إدلب وتركيا، وبذلك يمكنه الحصول على دعم تركي واضح على المستوى العسكري واللوجيستي.
هل سيناريو اصطدام الدول الكبرى أمر وارد في خضم التحول الجديد؟
هل ستسعى إدارة ترامب إلى إنشاء مناطق آمنة في سوريا من خلال الأمم المتحدة، بالاتفاق مع الحكومات الأخرى (روسيا وسوريا تحديدًا)، أو أنها ستفعل ذلك من طرف واحد؟»
ربما يكون الخيار الأخير محفوفًا بالمخاطر بشكل كبير للغاية، نظرًا لوجود روسيا والعداء الواضح لقوات نظام الرئيس السوري بشار الأسد، والذي يتطلب إرسال عدد كبير من القوات العسكرية الأمريكية.
ويُعد أخطر ما في إعلان ترامب احتمالية الصدام مع نظام بشار الأسد أو حتى الصدام المباشر مع الروس، وهو ما أشار إليه خبراء، لفتوا إلى أن إنشاء ترامب مناطق آمنة في سوريا، قد تجبره إلى اتخاذ قرارات وصفوها بـ«الخطيرة»، وفقًا للمدى الذي سيذهب إليه لتطبيق قرار المنطقة، بما في ذلك إسقاط الطائرات السورية أو الروسية، أو نشر آلاف من القوات الأمريكية.
وإذا كانت عملية فرض منطقة حظر جوي ستنفذ دون تفاوض على الأقل حول بعض بنودها مع الجانب الروسي، فقد يعني هذا أنه سيتعين على ترامب تحديد ما إذا كان سيعطي الجيش الامريكي سلطة إسقاط الطائرات السورية أو الروسية إذا كانت تشكل خطرًا على آمنا المنطقة، وهو ما رفض الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، الإقدام عليه.
في هذا الصدد، أشار «جيم فيليبس»، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في مؤسسة التراث (think-tank) في واشنطن، إلى الدفاعات الجوية الروسية المتقدمة، قائلًا إن «هذا لا يتعدى كونه في الأساس استعدادًا للذهاب إلى الحرب من أجل حماية اللاجئين».
وكان ترامب قد وعد خلال حملته الانتخابية استهداف عناصر «تنظيم الدولة»، كما أعرب عن عدم سعيه الانجرار بشكل أعمق في الصراع السورية، الأمر الذي قد يُشير إلى إمكانية حصوله على ضمانات تجعله مرتاحًا لهذا القرار، ربما من موسكو، أنه لا طائرات روسية ولا سورية ستستهدف المنطقة.
على الجانب الآخر، ومن جهة موسكو، أكّد المتحدث باسم الكريملين «ديمتري بيسكوف»، على أن ترامب لم يتشاور مع الإدارة الروسية فيما يخص المنطقة الآمنة، مُحذرًا من عواقل هذه الخطوة، التي قال: إنه «يجب حسابها بدقة قبل الإقدام عليها».
في النهاية إن هذه الخطة التي تسعى لإقامة منطقة أمنة غير عقلانية مطروحة من شخص متهور كان من الأفضل أن يكون كما يدعي أنه رجل اقتصادي وبراغماتي لأسباب بسيطة لأن أيّة منطقة آمنة في سوريا مضمونة سوف تتطلب قدرًا من الحماية العسكرية الأمريكية الجوية والبرية، وهو ما يعني مشاركة آلاف من الجنود الأمريكيين على الأرض بآلياتهم، فضلًا عن الطائرات، وفي النهاية وفي وسط هذه الضربات المتتالية التي تستهدف السيادة السورية لا بد من التذير بالنحو الذي جاء علية الرد السوري، حيث قالت دمشق أثنين إن أي محاولة لإقامة مناطق آمنة للاجئين والنازحين دون تنسيق مع دمشق هو عمل غير آمن ويشكل انتهاكاً للسيادة السورية”، وكباحث أضيف من أكد عليه أغلب المحلليين الأجانب في أن الأعداء لن يتكلفوا الخسائر الباهظة حتى ينسحبوا تحت وقع الوعظ والشعارات التافهة والتصريحات الخلبية المعدّة مسبقاً للترويج والاستهلاك المحلي، وكما كانت فكرة المساعدات الإنسانية فرصة لتسليح الارهابيين الذين عملوا كأدوات لدى الصهيو أمريكي، وكذلك فكرة الهدنة التي كانت تستغل لتسليحهم أيضاً، فإننا نخشى أن تكون فكرة المنطقة الأمنة ملاذاً أمناً للمسلحين في حربهم ضد الشعب السوري، فالثقة بأمريكا وقراراتها معدومة لدينا كشعب سوري.
طالب ماجستير علوم سياسية
لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (راي اليوم)