في حوار مع المدير التنفيذي لمشروع ترميم قبة ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) وتحكيم جدرانها وتنحيف الأعمدة علي مهاجري، كشف الأخير عن عدد من الكرامات التي واجهها الفريق خلال عمله.
وأكد مهاجري أنه حسب المعايير الفيزيائية كادت قبة الإمام الحسين (ع) أن تنهار على رؤوس الزائرين لولا معجزة حالت دون ذلك، لافتا إلى أن الخبراء الإيرانيون جعلوا الأعمدة مقاومة للانفجار، فيما كشف عن أن تراب الضريح يتغير إلى اللون الأحمر يوم عاشوراء من كل عام.
ولفت إلى أن اللجنة الاستشارية الإيرانية التي تم تشكيلها لإنجاز مشروع ترميم القبة والجدران وتنحيف الأعمدة في الضريح الحسيني، يشرف عليها أبرع التقنيين والنخبة العلمية في الجمهورية الإسلامية، ولديهم فعاليات عمرانية كبيرة في تأريخهم المهني إذ شاركوا في تشييد أكبر السدود وكذلك برج ميلاد الشاهق في العاصمة طهران.
تقارب الأعمدة
وأضاف مهاجري "بعد أن اكتملت الدراسات والإجراءات اللازمة للبدء بمشروع ترميم القبة المطهرة في العتبة الحسينية، أعلن السادة المسؤولون عن رغبتهم في التقليل من سمك الأعمدة والعمل على تنحيفها لأن سمكها يأخذ مساحة واسعة نسبياً ويسفر عن حدوث زحام شديد بين الزائرين في أيام الزيارة، وما يزيد من الزحام أنها متقاربة مع بعضها".
وتحدث حول طبيعة القبة الحالية قائلاً "القبة الحالية قديمة جداً حيث يتجاوز عمرها ألف عام لكونها شيدت في عصر الدولة البويهية، كما أن المياه قد ارتفعت إلى مستوى متر ونصف المتر أسفل الضريح وهذا الأمر يسفر عن إيجاد ضغوط جانبية على المبنى بأكمله وبالتالي يقلل من عمره".
انطلاق عمليات الترميم عام 2015
وتحدث مهاجري قائلاً "بعد أن اكتملت الإجراءات التمهيدية وبعد الانتهاء من جميع البحوث النظرية الخاصة بعمليات ترميم القبة الحسينية وتنحيف الأعمدة، بادرنا مباشرة إلى العمل بالمشروع منذ عام 2015، حيث تشمل هذه العمليات أيضاً تدعيم جدران الضريح".
وأضاف "في بادئ الأمر انطلق مشروعنا بتنحيف العمود الأول الواقع في باب الرأس والذي يبعد عن الضريح المطهر مسافة 1,70م".
تنحيف الأعمدة
وقال مهاجري "قللنا سمك الأعمدة بمقدار 60%، وبالتالي أصبحت المسافة بين العمود الأول والضريح المبارك أكثر من أربعة أمتار بدلاً عن 1,70م، لذلك سوف تتسع مساحة الضريح قرب كل عمود أكثر من مترين ونصف المتر".
وأكد أنه "حقاً عمل حساس وفي غاية الصعوبة، فالقبة الحالية في مرقد الإمام الحسين (ع) يبلغ وزنها 1200 طن، لذا نظراً لهذا الوزن الثقيل الذي تحمله الأعمدة يجب العمل سريعاً على القيام بالترميمات اللازمة لها وتقويتها وفي الحين ذاته تنحيفها".
وبين "هذه العمليات بطبيعة الحال ترتبط بشكل مباشر بعمليات تدعيم الجدران المحيطة بالقبة، ومن ثم لا بد من التعامل مع الموضوع بمهنية وحرفية اعتماداً على آراء الخبراء والمتخصصين؛ لذلك سخرنا أحدث التقنيات المتطورة لكي يتم إنجاز المشروع بأمثل شكل".
وأشار إلى أن "معظم المشاركين في إنجاز هذا المشروع هم من المتطوعين، وبحمد الله تعالى لحد الآن لم نواجه أية مشكلة تذكر جراء مخاطر العمل، والجميع مشغولون بإنجاز المشروع برغبة وجد".
فحص التربة
وأوضح مهاجري "تم إجراء دراسات وبحوث أساسية وجادة من جملتها استخراج التربة من عمق 26 متراً أسفل الأعمدة واختبارها لكي يتم اتخاذ القرار المناسب في العمليات التنفيذية"، مضيفا "الأعمدة قديماً كانت مشيدة من الطابوق، لكننا استخدمنا الكونكريت المقاوم وزدنا من استحكامها بمقدار طنين لكل سنتيمتر مربع، وهذا التراكم المحكم في الحقيقة مقاوم للانفجار لأننا زودناه بمواد خاصة في هذا الصدد".
وتابع بالقول "من المؤكد أن أعمدة الضريح يجب أن تدعم من أسفلها لكي تتحمل ثقل البناء الذي يستقر عليها، لذلك بادرنا إلى إيجاد قواعد تحت الأرض لتقويتها، حيث اعتمدنا على حفارات متطورة وبدأنا عمليات الحفر في أطراف الضريح حتى وصلنا إلى محل استقرار الأعمدة وجعلنا الدعائم التحتية الساندة لها في عمق أربعة أمتار وفق عمليات دقيقة للغاية، حيث يتم وضع أربع دعامات حول كل عمود ومن ثم يتم ربطها مع بعضها".
الكونكريت المسلح
وأضاف مهاجري "الدعامات التحتية للأعمدة تم تشييدها بالكونكريت المسلح وقد أصبحت مستحكمة إلى أقصى حد، فحتى وإن حدث ضعف في قواعد الأعمدة القديمة فهذا الأمر سوف لا يؤثر على استقرار الضريح لأن الدعامات الجديدة ستنوب عنها".
ولفت إلى أن "هذا الأمر لم يكن اعتباطياً بل منذ عام 2009 اختبرنا عينات من تربة الضريح المقدس وفحصنا القواعد التي ترتكز عليها الأعمدة والجدران بواسطة أجهزة سونار متطورة واستكشفنا نوع وكثافة التربة حتى عمق 35 متراً".
مدفن "الجثمان الطاهر"
وأشار مهاجري إلى أن "أجهزة السونار التي اعتمدنا عليها لفحص كثافة التربة وتراكمها تعمل بانعكاسات أشعة (X)، وهي تشابه في عملها أجهزة الاستكشاف بالأشعة السينية، حيث تصور لنا جميع خصائص التربة تحت السطح، وبما أن هدفنا كان تحديد هذه الخصائص حتى عمق 15 مترا فقط فقد بادرنا إلى فحصها بهذا المستوى".
وكشف أنه "في أسفل الضريح بالتحديد لم نتمكن من استكشاف مسافة أبعد من ستة أمتار تحت الضريح مما أثار تعجبنا فأدركنا حينها أن الجثمان الطاهر للإمام الحسين (ع) مدفون على عمق 6 إلى 7 أمتار أسفل الضريح".
وتابع "والأمر الآخر الذي أثار دهشتنا أن التراب الذي استخرجناه من عمق 11,5 متراً يختلف في نوعه ورائحته عن التراب الموجود على عمق آخر، وقد وجدنا التربة المحاذية للجثمان للإمام له عطر عجيب ونوعه مختلف تماماً عن تربة سائر النقاط التي حفرناها".
يوم عاشوراء وتراب الضريح
وقال مهاجري "نقلنا كمية من التراب الذي استخرجناه من المنطقة المحاذية لجثمان الإمام الحسين (ع) إلى أحد المختبرات في محافظة كرمان قبل ثلاث سنوات، والمثير للدهشة أنه يصبح أحمر اللون في يوم عاشوراء، وفي اليوم التالي يعود إلى حالته الطبيعية، وهذا الأمر يتكرر في يوم عاشوراء من كل عام".
مساحة إضافية للزائرين
وأكد مهاجري "بذلنا قصارى جهودنا لكي يكون قطر الأعمدة متناسباً مع الأجواء الداخلية للضريح والجدران المحيطة بها، وفي الحين ذاته كان من الواجب علينا إيجاد مساحة أكبر في الضرح المقدس، وبحمد الله تعالى فقد نجحنا في هذه المهمة، حيث سيقل التدافع والزحام في أيام الزيارة إلى مستوى أقل مما كان عليه".
وأوضح "كان مقرراً في بادئ الأمر أن يتمّ تنحيف كل عمود بمقدار متر واحد، ولكن بعد الإجراءات التي تم اتخاذها والإذن الذي حصلنا عليه من جانب إدارة العتبة الحسينية، اتفقنا على أن نقوم بتنحيف كل عمود بمقدار 2,80 متراً لذلك تم فسح المجال بين الأعمدة بمسافة تبلغ 9 أمتار مما يجعل المكان يستوعب زائرين أكثر".
نسبة الإنجاز
وبين مهاجري "تمكنا حتى الآن من إكمال ما مقداره 50% من مشروع تنحيف الأعمدة، واستطعنا إضافة 26 مترا من المساحة الإجمالية التي تشغلها هذه الأعمدة والبالغة 48 مترا الأمر الذي يفسح مجالاً أوسع للزائرين في الضريح المقدس، وهذا الأمر برأي هام للغاية".
ولفت إلى أن "إدارة العتبة الحسينية طلبت منا ننصب على الجدار المجاور للضريح المبارك شباكاً على غرار الشباك الفولاذي في العتبة الرضوية، وتبلغ قياساتها خمسة أمتار ارتفاعاً وعرضاً".
القبة الحسينية لن تحتاج ترميم
وبهذا الصدد قال مهاجري "جميع الأقواس الداخلية المحيطة بالقبة المطهرة مبنية من الجبس والطابوق، ويعود تاريخ تشييدها إلى فترة تتراوح بين 400 إلى 500 سنة، وطوال هذه السنوات تعرضت لشقوق عديدة، لذا لا بد من ترميمها بدقة فائقة وتدعيمها بقضبان مستحكمة وروابط فولاذية وتغليفها بطبقة كونكريتية، وبالفعل فقد قمنا بذلك وقد وضع حل لهذه المشكلة إلى حد ما، وسوف تبقى قائمة حتى خمسة قرون لاحقة دون الحاجة إلى إعادة ترميمها من جديد".
وأضاف "أحجار الرخام التي سيعتمد عليها في تغليف أعمدة الضريح تم تجهيزها في مدينة أصفهان، وفي الوقت الحاضر فنحن نعمل على إكمال المقرنصات في أعلى هذه الأعمدة بمحاذاة السقف ومن ثم سوف نغلفها واحداً تلو الآخر، وكل عمود ينجز بالكامل فهو يدشن مباشرة دون الحاجة إلى إقامة مراسيم رسمية لافتتاحه".
ستة أشهر لكل عمود
وصرح مهاجري بأن "الفترة التي يستغرقها تنحيف كل واحد من أعمدة الضريح تبلغ أكثر ستة أشهر تقريباً، وإضافة إلى ذلك فقد طلبت منا إدارة العتبة الحسينية إجراء بعض الإصلاحات على السقف وهو أمر لم نتفق عليه سابقاً".
وأشار أن إلى "قبة العتبة الحسينية قائمة على أقواس، وهي بهذا النمط تختلف عن قبب سائر الأضرحة المقدسة، إذ إن المتعارف في سائر البقاع الدينية أن تتقوم القبة على أعمدة".
وأوضح "القبة الحسينية ترتكز على أقواس، وهذه الأقواس بدورها تستند إلى أعمدة في أسفلها، لذا فإن عملية ترميم القبة يجب أن تكون في غاية الدقة والمهارة، إذ يجب من جهة الحذر في التعامل مع تدعيم الأعمدة، ومن جهة أخرى لا بد من اتخاذ جنب الحيطة في التعامل مع الأقواس التي هي في الواقع مشيدة من الطابوق ومدعومة بألواح خشبية قديمة منحوتة بشكل مقوس وبأبعاد 50 سم X 50 سم".
ويؤكد مهاجري أن "جميع الألواح الموجودة تحت القبة قد تهرأت بشكل كبير بسبب (الأرضة)، ووجدنا بعضها قد ثقبت حتى عمق ثلاثة أمتار، لذا حينما شاهدنا هذه الظاهرة وقارناها مع الوزن الثقيل التي تحمله هذه الألواح والذي يبلغ 1200 طن، أدركنا أن المعجزة الإلهية فقط هي التي حالت دون انهيار القبة على رؤوس الزائرين، إذ ليس هناك أي خبير وتقني يؤيد أن هذه الألواح المتهرئة بإمكانها حمل كل ذلك الوزن الثقيل".
وبين "وكما هو معلوم فالبناء القديم للقبة هو من الجبس الذي فقد خاصيته التماسكية بمرور الزمان وكثرة الرطوبة، ولكننا قمنا بتدعيمها بطبقة كونكريتية في سقفها وجدرانها وأقواسها، وسوف تحل هذه المشكلة قريباً بإذن الله تعالى".