منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران والإطاحة بنظام الشاه، لاحت بوادر الخلاف بين قادة الثورة والإدارة الأميركية، وأصبح العراق ساحة لهذا الصراع الذي بلغ ذروته بحرب بين العراق وإيران دامت ثمان سنوات، وبعد إزاحة نظام صدام حسين عام 2003 تجددت الساحة العراقية لـ"تحتضن" الصراع مجدداً لكن بشكل آخر.
في العاشر من شهر شباط الجاري، ذكر البيت الأبيض في بيان صحفي، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، تحدثا خلال اتصال هاتفي عن التهديد الإيراني في المنطقة.
حرب التصريحات
النفوذ الإيراني في العراق هو محط اهتمام الإدارة الأميركية على نحو خاص، حيث أكد ترامب في 2 شباط بتغريدة على "تويتر" أن "إيران تستولي وبسرعة على العراق أكثر فأكثر"، ومنذ سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، بدأ النفوذ الإيراني في العراق يأخذ بالتصاعد، خصوصاً بعد إنهاء الاحتلال الأميركي في نهاية عام 2011.
ومنذ تسلمها السلطة في 20 كانون الثاني الماضي، عمدت الإدارة الأميركية الجديدة إلى اتخاذ مواقف صارمة تجاه إيران، ما أدى إلى زيادة وتيرة الخلافات بين البلدين، فرداً على اختبار إيران صاروخ باليستي واستهداف بارجة سعودية بصاروخ في سواحل اليمن من قبل الحوثيين المدعومين من إيران، حذر مستشار الأمن القومي الأميركي السابق مايكل فلين في 1 شباط، إيران في شكل رسمي، وندد بنشاطاتها التي "تزعزع الأمن والازدهار والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط".
ومن جهته، وصف وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس في 4 شباط إيران بـ"أكبر دولة داعمة للإرهاب في العالم"، وكرر الوصف نفسه نائب الرئيس الأميركي مايك بنس في كلمة ألقاها في 18 شباط في مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن.
ورداً على التصريحات الأميركية هذه، شدد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 3 شباط بتغريدة على "تويتر"، أن إيران "لا تكترث لهذه التهديدات".
فيما صرح نائب القائد العام لحرس الثورة الإسلامية العميد حسين سلامي، في 2 شباط بأن "صواريخنا وبارجاتنا الحربية وراجمات صواريخنا ستزداد يوماً بعد يوم".
وهدد قائد القوة البرية لحرس الثورة الإسلامية العميد محمد باكبور، في 22 شباط، العدو بـ"صفعة قوية على الوجه إذا أخطأ التقدير".
حلف عسكري عربي إسرائيلي أميركي
ولكن الخلافات هذه لم تقتصر على التصريحات، حيث تشير تقارير صحفية إلى تحركات أميركية في المنطقة من أجل إنشاء حلف عسكري معادٍ لإيران يضم دولاً عربية، ويتشارك التقارير الاستخبارية مع إسرائيل.
وثمة مخاوف من تحويل العراق مرة أخرى إلى ساحة تصفية حسابات بين إيران وأميركا، وفي مؤشر واضح إلى عدم رغبة العراق في الدخول في صراعات إيران والولايات المتحدة الأميركية، لم يتضمن البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء حيدر العبادي في 9 شباط، حول مكالمته الهاتفية مع الرئيس ترامب، تطرق الطرفين إلى التهديد الإيراني.
وفي مؤتمره الصحفي الأسبوعي الذي عقد في 14 شباط، وفي إطار سؤال حول مكالمته مع الرئيس الأميركي، صرح العبادي بأن "هناك عداء بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ونحن لسنا طرفاً في هذا العداء"، وعاد وأكد هذا الموقف في مؤتمره الصحفي الذي عقد في 21 شباط.
الفصائل المسلحة
ويقول سفير العراق السابق لدى الولايات المتحدة الأميركية لقمان الفيلي، إن "المؤشرات الأولية تعكس ازدياد الضغوط على العراق، وخصوصاً إذا قورنت إدارة ترامب بإدارة الرئيس باراك أوباما الذي كان يأمل في تحسين العلاقة مع إيران".
ويضيف "الحكومة العراقية تراقب عن قرب تحركات البلدين التي ممكن أن تأثر سلباً على العراق ومحاولة إدارة مخاطرها".
فيما يرى الخبير في شؤون العلاقات الدولية في جامعة لوند السويدية ميثم بهروش، أن "إيران في أقوى حالاتها في العراق، فقد اكتسبت الجماعات المسلحة العراقية القريبة إلى إيران خبرة قتالية كبيرة من خلال حربها ضد داعش، وهي الآن مزودة بأسلحة ومعدات لم تكن تملكها سابقاً".
ويشير إلى أن "هذه الجماعات أصبح لديها رصيد جماهيري بسبب نجاحها في صد زحف داعش في عام 2014، إلى جانب دورها البارز في تحرير مناطق مهمة من العراق، وهذا الرصيد سوف يمكنها من المشاركة القوية في الانتخابات المقبلة".
وشهدت سنوات الاحتلال الأميركي صراعاً عسكرياً بين الفصائل المسلحة المدعومة من قبل إيران والقوات الأميركية في محاولة من إيران لإبعاد خطر الهجوم الأميركي عنها.
وفي هذا الإطار، يقول بهروش، الذي يتابع السياسة الإيرانية الخارجية عن كثب "في حال صاحبت التصعيد في التصريحات، تهديدات عسكرية واقعية، سوف تستخدم إيران الفصائل المسلحة العراقية للضغط على الولايات المتحدة الأميركية، وهذا قد يؤدي إلى صدام عسكري بين الطرفين على الأراضي العراقية".
المالكي والصدام العسكري
من شأن أي صدام عسكري بين القوات الأميركية والفصائل المسلحة تقويض مساعي رئيس الوزراء حيدر العبادي في احتواء الفصائل الشيعية في العراق، مما يعني تعاظم النفوذ الإيراني، وهذا ما يناقض أهداف إدارة ترامب في الحد من النشاطات الإيرانية في المنطقة.
وعلى عكس غريمه نوري المالكي، لا يعتبر العبادي مقرباً من إيران، حيث طفت خلافات بينه وبين عدد من قادة الفصائل المقربين من إيران على السطح في الماضي، حين اتهموه بتهميش قوات الحشد الشعبي.
وفي حال الشعور بخطر محدق، سوف لن تكتفي إيران بالضغط العسكري والأمني، بل ستستخدم نفوذها على الصعد كافة من ضمنها الساحة الانتخابية، حيث ستدفع بوتيرة أقوى لانتخاب رئيس وزراء مقرب إليها للحد من النفوذ الأميركي في العراق.
ومن جهة أخرى، فإن وقوع أي صدام بين القوات الأميركية والفصائل العسكرية المدعومة من إيران سوف يشتت جهود تلك الفصائل التي تلعب دوراً بارزاً في محاربة داعش، ويفتح المجال أمام هذه القوة الإرهابية للعودة.
وهذا أيضاً يناقض هدف الولايات المتحدة الأميركية لدحر داعش المتمثل في توقيع الرئيس ترامب أمراً رئاسياً يدعو فيه المسؤولين الأمنيين في إدارته إلى إعداد خطة للقضاء على داعش خلال ثلاثين يوماً.