حمود بن سالم السيابي: ‫قصر الحمراء بغرناطة سكاكين الحمراء في قلوب تنزف

آخر تحديث 2017-03-15 00:00:00 - المصدر: راي اليوم

حمود بن سالم السيابي

  كان القطار ينهب الليل من مدريد إلى الأندلس ليصل غرناطة مع الفجر , تسبقه تكبيرات ابن نصير وأجنحة  صقر قريش وسفائن طارق ابن زياد وأحلام ملوك بني الأحمر.

  وبين صخب الأصوات والألوان والأضواء في محطة قطار غرناطة تلفت يمنة ويسرة بحثا عن منارات الجوامع فلعلها توارت خلف اسقف القرميد ، وتساءلت عن أذان الفجر  , وعن النخل والنارنج  ، وقصائد ابن زيدون وشالات ولادة بنت المستكفى فارتدت الاسئلة كالسكين.

  وتفحصت الوجوه التي تتزاحم في المحطة  بحثا عن شماغ اموي وعباءة عربية فضاع الجهد سدى.

  هذه هي غرناطة إذن ، والتي أعتقدت خطأ أنها مهرة عربية تتغذى على تمر بادية الشام وحنطة الصحراء العربية الكبرى لتسابق الريح وتسبقها ، فإذا بها  تأكل الشوكولا وتتقدم مهرجانات مصارعة الثيران ، وتملاء قشتالة  صهيلا.

  وهذا هو قصر الحمراء إذن ، وقد ظننت خطأ أنه يترجم شعار (لا غالب إلا الله) والمنقوش في كل شبر من مرافقه لا يرتل قرآن الفجر ، بل يتوضأ بلمعان تاج فرناندو، ووميض الألماس في جيد إيزابيلا أيقونة الأراجون.

  دلفت الحمراء بصحبة الصحفي الفلسطيني الأشهر عبدالباري عطوان , والشاعر السوري الأكثر جدلا أدونيس ،  والكاتب المصري الكبير المثقل بالمؤلفات والجوائز جابر عصفور  ، وبلبل الناصرية الشاعر الوثني شوقي عبدالامير ، وكوكبة من الاسماء الثقافية  في صحف مصر والسودان  ولبنان ودول الخليج العربي وشمال أفريقيا بدعوة من ابن غرناطة فريدريكو مايور مدير عام اليونسكو .

  كان قلم الاستاذ عطوان وقتها معنيا بقباب الأقصى والكوفية الفلسطينية والكفوف المنتفضة التي تلقي الحجارة وهي تستقبل بصدور عارية الرصاص المطاطي ، فلم يكن الاستاذ عطوان منغمسا في الشأن الأفغاني كما هو الآن ، ولا تتنازعه ارتدادات الربيع العربي كما هي مقالاته الآن.

 احتوانا  بذخ الحمراء وهو يتدافع تاريخا  وهندسة وزخارف بين أعيننا ونحن نسابق خطواتنا  في التطواف بمرافقه ، بدءا بجنة العريف ، فبهو السباع كأشهر معجزة مائية أندلسية لضبط الزمن، فبهو السفراء ،  فقاعة العرش ، فالحجرات الملكية ، ففناء الريحان.

  إلا أن كل مسحة جمال فيه تبعث في النفس غصة ، وتتحول إلى خنجر في الخاصرة  ، فالحمراء والاندلس بشكل عام تسرب من بين أيدينا ، وابقى لنا زفرة العربي الذي ” يبكي كالنساء ملكا لم يحافظ عليه كالرجال”.

 اعتزل الاستاذ عبدالباري عطوان ركنا في الحمراء ربما ليسرح بصره بعيدا لما وراء الحمراء وقرطبة واشبيلية وطليطلة ، وربما ليمد البصر  الى أكناف بيت المقدس ، فقد نكأ ضياع الحمراء جرح ضياع بيت المقدس.

  واعتزلت بدوري ركنا آخر لأسافر مع شلالات بهو السباع في الحمراء الى جواذر ، حيث يحزم السيد هلال البوسعيدي والي جواذر حقائب اللاعودة، فالقلعة العمانية في سواحل السند تنزل راية آل سعيد وتعلي على نفس السارية علم باكستان.

  وتأخذني أشجار السرو والصنوبر والصفصاف في جنة العريف بالحمراء الى نارجيل زنجبار وشرفات بيت العجائب حيث السلطان جمشيد له نفس زفرة آخر ملوك الاندلس وهو يستقل سفينة الى المجهول ، تاركا في مندوس سعيد بن سلطان العمامة القريتانية وخنجر برغش وتاج خليفة بن حارب واعدادا من جريدة الفلق التي غطت مراسم التتويج وخطبة العرش وتهاني العمانيين بآخر عيد.

  ورغم الغصة التي تخنقني  وأنا ازور الأندلس في نوفمبر  من عام ١٩٩٥، ورغم ضياع بعض الاجزاء في الجغرافيا السياسية كفلسطين والجولان ومزارع شبعا وسبتة  ومليلة والجزر الثلاث للإمارات وجزر تيران، إلا  أن الوطن العربي يومها كان في حال افضل بعشرات المرات مما هو عليه اليوم بعد ان استسلمت أجزاؤه لمشارط الربيع غير العربي ليوغل فيها قتلا وتخريبا وتشويها .

 وفي سنة زيارتي للحمراء كانت كنانة العرب لم تعرف ربيع ميدان التحرير ، وكانت تعمر سيناء وتدشن قطارها تحت الأرض وتعيد بناء الأوبرا  وترسل النيل عبر توشكا ، فيما  تحارب مصر اليوم عدوا لا تعرفه في سيناء،  وتنشغل في  إغراق وردم الأنفاق حتى لا يستخدمها من يعرفونها ولا تعرفهم.

  وكان أبوعمار وقتها يمد الكوفية الفلسطينية في الضفة وغزة ، ويبشر بيوم يرونه بعيدا ويراه قريبا.

   وسيف العرب يحرس البوابة الشرقية ، ويعتبر شط العرب خطا أحمر ، ويتوعد من يفكر بالعبث فيه  بالقادسية الثالثة.

  وكانت سوريا التسعينيات تحارب خارج أراضيها ، وتحكم لبنان من قاعدتها في (عنجر)، فيما تتوسل دمشق اليوم من يحمي قصر تشرين.

  والسودان يومها كان يرفع علم آباء الإستقلال من السافانا الخضراء إلى مثلث حلايب وجبال النوبة.

  وكان عقيد اليمن يجمع أبناء الشطرين في مقيل واحد ، يخزنون القات ويؤلفون الاشعار للثورة السبتمبرية المجيدة.

  وبينما نواصل التطواف في أعجوبة بني الأحمر لنعيش غصة الفردوس المفقود في الأتدلس، آلا إن وطننا العربي الكبير كان فيه ما يعوض الخيبات والإنكسار، فالخليجيون يجتمعون في قمتين كل عام ويتحركون خارجيا ضمن تكتل واحد بينما يحاربون اليوم في اليمن وينقسمون على الحرب في اليمن، والمغاربيون يتفقون على الحد الأدنى من التعاون، والقذافي يشق النهر العظيم ويؤم المصلين في (تمبكتو) ويعيد لافريقيا السوداء روحها وطبولها وأحلامها.

  وعودة للأندلس والثقل العاطفي المؤلم لزيارتها كفصل حزين في تاريخنا ، فإن استعادتي لتلك الزيارة اليوم تضع الجغرافيا العربية  في مقارنة لصالح الأندلس وقصر الحمراء ، فكان القصر هو الذي يشعرنا بالغصة بينما الوطن العربي في أحسن حال، وتنقلب الصورة ليبدو القصر هو الشامخ بينما الفناء العربي هو الجرح المفتوح.

  ويومها كنت أحتج  على توقيت وصولنا غرناطة  عند الفجر وكنت أردد في اسماع الحضور أن الأنسب للأندلس ان يكون الوصول عند الغروب ، فلم يعد للشروق معنى في زمن أفلت فيه شمس العرب في الاندلس، واسترد ابن زياد بقايا سفنه المحروقة  ليركبها في طريق العودة الى الشط الثاني، وتحامل صقر قريش على نفسه فطار الى عشه الأموي ، وعاد بنو الأحمر ملوك الاندلس من حيث أتوا ليشتغلوا في دباغة الجلود عند المرينيين في مراكش وطنجة وفاس.

  لقد  ذهبنا الى قصر الحمراء نردد لطمية ضياع الاندلس ، فاذا بنا نغرق اليوم في لطمية طويلة، ونتراص في حسينية  من البحر الى البحر ، ونقيم المآتم تلو المآتم  على العرب العاربة ، والعرب المستعربة،  لنجد الف اندلس أخرى تتسرب من بين ايدينا كتسرب غرناطة  وطليطلة واشبيلية وقرطبة.