مهند الدابي يزيح الغموض عن تاريخ مجهول للسودان

آخر تحديث 2018-05-10 00:00:00 - المصدر: ميدل ايست

يملك الروائي والقاص السوداني مهند الدابي نسيجا سرديا يوجه نحو مشروع روائي سيكون إضافة لمسيرة الرواية السودانية في أفكاره ورؤاه ولغته وطرائق سرده، وقد تكشف ذلك في روايتيه الأولى "سحر الضفاف"، والثانية التي صدرت أخيرا عن دار فضاءات "أطياف هنري ولكم".

في الأولى قدم ضفيرة ساحرة بالفعل للواقع الاجتماعي السوداني في مستوياته المختلفة، بتقاليده وعاداته وتمردات أجياله وصراعاتها، وذلك من خلال لغة وأسلوب مشوقين وعميقين فنيا وجماليا، وهو هنا في روايته الأخير يؤكد تمكنه وسيطرته على أدواته مطلقا العنان لسرده ليطول وينفتح على أسرار ذلك العالم الذي يتشكل ما بين الغرب الأميركي إلى الجنوب السوداني ليزيح بعض الغموض عن تاريخ السودان المجهول والمُبعد عمداً، حيث تدور الحكاية عن السير البريطاني (هنري سولومون ولكم) في سراياه الصخرية، التي شَهدت كل يمكننا أن نطلق عليه "بشع" وغير إنساني. إنها رواية تضيء تلك الحقبة من الداخل، وتجربة تصطحب معها العديد من الحكايا والتجارب الوجودية والأفكار.

وفي هذا الحوار مع الدابي الذي التقيناه على هامش معرض أبوظبي الدولي للكتاب نضيء بعض جوانب هذا العمل الضخم "468" صفحة، والبالغ الثراء في رؤاه وجمالياته.

حول فكرة الرواية، نشأتها وتطورتها، قال الدابي: "بدأ ذلك في منتصف عام 2001، وأنا أقضي خدمتي العسكرية في معسكر الخدمة الوطنية، وقررت الهرب برفقة أحد الأصدقاء، في اليوم المُحدّد، تحيّـنّا الفرصة المناسبة، ثم في لحظة مناسبة من الليل اختفى فيها الحارس وراء شجرة أطلقنا سيقاننا للريح. كنا نجري دون هدى. خائفَين، وجائعَين، وضالَّيْن لا نعرف الاتجاه الذي نقصد، ثم اهتَدَيْنا بضوء سيارة من بعيد، لكن حدث ما أفسد كل ذلك عندما اعترض طريقنا أحد خطوط السكك الحديدية، وكانت الهواجس والأوهام تتلاعب بنا، وتصوّر لنا أن هذه اللحظة لن تنتهي أبداً، وأننا لن نصل إلى أي مكان.

تجاوَزَ صديقي خط السكك الحديدية وألتفت إليّ ليقول شيئاً، لكنه تلعثم ثم نظرّ نحوي طويلاً قبل أن تنفجر عيناه بالفزع، ثم وجدته يقع من طوله على نحو غريب وبلا إرادة؛ كأنما أصاب الشلل أطرافه فجأة، فجريت إليه، وعندما اقتربت والتقت عيناي بعينيه صرخ بأعلى صوته إلى حدّ أن لعابه تطاير في الهواء "لا تأكلني!" ثم ولى هارباً تاركاً القنينة الصغيرة الوحيدة التي كنا نشرب منها.

عندها تأكد لي أن أحد وحوش هذا المكان المظلم قد لحق بنا، ثم تصوّرت أن خلفي أحد الغيلان التي تلفظ النار وتلتهم البشر وتقضم رؤوسهم، عندما حاولت اللحاق به والجري، وجدت أن رجلاي قد ثقلتا، حتى أحسست بأنني جزء من هذه الأرض، أنبُت فيها كشجرة، ولن أقوى بأية حال على الجري، لكنني فعلتها بحيث لا أدري، صرختُ خائفاً وجريت خلفه، لم أكن لألحق به فقد كان مثل الأرنب يضرب الأرض بسلاسة، لم أملك الشجاعة والجرأة لأنظر خلفي مستكشفاً ما يلحق بنا ويبعث في صديقي كل هذا الخوف، ثم تعثّرت قدمي وسقطت لأجدني أنظر خلفي رغماً عني ولم يكن هناك من شيء، لكن صديقي في المقدمة كان لا يزال يطلب النجدة ويلتفت نحوي.

لاحت في البعيد أضواء الشارع الرئيسي الذي يمرّ بمدينتي "سنار التقاطع"، وعند أحد أعمدة الكهرباء المُضيئة لحقت به هناك، وما إن دخلت إلى مجال الرؤية أسفل المصباح المُعلَّق حتى سقط صديقي أرضاً وراح ينتحب بحرقة شديدة كأنه نجا من الموت، وسألته: "ماذا هناك؟". كاد أن يضربني من شدة حنقه عليّ وأخبرني: "كان يجب أن ترى وجهك، لقد تحوّل إلى وجه أسد!"

في اليوم التالي عرفت الآتي: "أن هناك منطقة غرب مدينتي سنار، تسمى "جبل مويا" وفي قمة هذا الجبل سرايا ضخمة ومرهوبة، وهي مبنية من الكتل الصخرية الكبيرة، وأن كل من ينظر إلى هذا البناء الملعون يتحوّل ليلاً إلى وجه أسد، فيأكل أقرب الناس إليه!".

وأضاف الدابي "هنا نشأت فكرة العمل، فكنتُ كلما قابلتُ أحد أهل الجبل سألته عن هذه السرايا الصخرية وما سرّها ومَن بناها، وقد كانت جميع الإجابات غير مُرضية بالنسبةِ لي، وهي على شاكلة "عاش في هذا الجبل قوم من الكفّرة، فضرب الله بهم الصخر وسخطهم جميعاً وحولهم إلى صخور! ثم أخبرني شخصٌ آخر بأن هذه السرايا بناها شيطان كبير وأن ملوك الجن يعيشون داخلها وكل من ينظر إليهم يلعنونه. ثم بدأت الأجوبة المنطقية تأتي: "عاش هنا رجل صالح اسمه وِلْكَم باشا"، "تلك السرايا بناها رجل إنگليزي وعاش فيها حتى مات".

في العام 2012، قرّرتُ كتابة رواية مستلهماً من المعلومات والخرافات التي جمعتها مادة للحكي. وقد بدأت الكتابة في أغسطس وكنت متحمّساً فأكملت الرواية في ديسمبر من العام ذاته، وكانت قصيرة. ثم قررت زيارة الجبل وسراياه للاحتفال بهذا النجاح. وهالني ما رأيت هناك.

الآن في جبل مويا، ما زال كل شيء موجوداً في مكانه، خطّ السكك الحديدية، المحرقتان اللتان تشبهان الأهرامات، بقايا مخيّم العمّال ومَرافقهم، ثكنات المهندسين وبقايا أكواخهم الخشبية، المبنى الحجري المكوّن من طابقين دون سلالم أو أثاث، السرايا الصخرية بطرازها الفريد، بواجهتها الضخمة وقبوها وطابقها الأرضي والأول والثاني، الدهاليز السرية والممرات، البوابات الخفية والنوافذ العريضة والنقوش، الشمعدانات والخطاطيف، رفّ الفونوغراف وشمّاعة الملابس ولوحة الكتابة، الغرفة المغلقة بداخل القبو، بقفلها الكبير الذي يشبه طبلاً عملاقاً، الأحذية الجلدية العتيقة، الرائحة النفّاذة التي تصيب بالدُّوار، الأطياف الخفية التي يُروى بأنها تتربّص بكلّ من يقترب، الحياة الواهية التي يحياها الجبل وبيوت القرية.

بعد كل هذا، شعرت بأن ما كتبت لا يُعَد شيئاً، وبدأت بالكتابة من جديد في الشهر ذاته، وشرعت في التصوير والبحث، ثم راحت الاكتشافات تتوالى. عثرت على مقطع ڤيديو يزعم صاحبه أنه يصوّر حقل تجارب لرجل الصناعات الدوائية السير هنري وِلْكَم، وعلمت أنه قد صُوِّر في جبل مويا ولا صلة له بالهند. من هنا بدأت رحلتي مع الأميركي هنري سولمون وِلْكَم.

• وِلْكَم الغامض

وأكد الدابي أن الرواية ليست رواية سيرة أو عمل تاريخي، بل هي رواية بالمعني الحرفي للرواية، حتى لم أشر للمراجع في العمل إذ إنه عمل فني لا غير معني بالحقيقة التاريخية بقدر ما يطرح التساؤلات ويكشف حالة الغموض التي تكتنف الرجل، ولكن مثلا قرأت بعض أعمال السيرة مثل "الحياة السرية لسومرست موم" وغيرها، والكتب التي صدرت في تلك الحقبة ويمكن لها أن تقدم بعض أطراف الخيوط مثل "التصورات الجنسية عن الشرق الأوسط".

وأكثر ما أفادني هو هنري ولكم نفسه، باللقطات التي كان يصورها للجبل والرسائل التي خطّها لحاكم عموم السودان وغيرهم، وبعض ملفات الفيديو التي كان شغوفاً بتصويرها والتوثيق لتجاربه العلمية، هذا بالإضافة إلى التحقيق شبه البوليسي الذي عملت عليه لأكثر من ست سنوات متواصلة لأربط بين الأحداث وأتأكد منها وأتحرى مدى صدقها وما وراءها.

ويظل المرجع الأهم شخصية هنري ولكم الغامضة التي لا يعرف عنها السودان عدا انه "مصدر للنباتات العطرية" ولا يعلم بأن أهم صرح تعليمي في السودان هو من أقامه "جامعة الخرطوم" وأن أهم منشأة مختبرية هو من أقامها "معمل استاك". الجهل الذي بُلينا به كان مرجعاً آخر.

وردا على كون الرواية كولونياليّة، رأى الدابي إن الذهنية الإستعمارية موجودة وإن غابت، أتذكر أن الروائي الكيني نغوجي واثينغوا تحدث في هذا الموضوع موضحاً أن الكولونيالية تتحول إلى مجرد ذكريات طفل صغير في الكتابة، أي أن كيفية المعالجة والتناول لأبناء جيلي قد تختلف كثيراً عن ما هم سبقوني في التجربة، أنا لا أعترف بتصنيفات الأدب، ولا أعتبرها كذلك رغم أن أحداثها تدور في العهد الفيكتوري، ربما هي رواية فيكتورية من الدرجة الأولى.

• الواقع العربي والسوداني

وأشار الدابي إلى أنه أصِّر في روايته على أن الحرب منذ قرنين من الزمان هي حرب معرفية، وقال "إن العلم هو السلاح الأكثر خطورة، وتأتي أهمية الرواية وتماسها مع واقعنا العربي والسوداني في الطريقة التي نُهبت بها آثارنا وحضاراتنا جميعاً، وكيف أدى ذلك لقيام دول عظيمة وإمبراطوريات نتاج إجتهادهم في البحث عن الإخطاء التي أدت إلى إنهيار دول وممالك عظيمة في المنطقة العربية منذ قرون خلت، ومحاولة تفادي تلك الأخطاء، بل حتى تغييب كل ذلك عنا.

وأتذكر أن المؤرخ نعوم شقير في كتابه "تاريخ سواكن" قد ذكر بأنه كُلِّف بكتابة الكتاب، وأتى على ذكر أن الجنرال ريجنالد وينجت رجل الإستخبارات كان أحد داعميه، في الوقت الذي كانت تتوسع فيه الثقافية التقدمية البريطانية والمحاولات التوسعية اللانهائية في المنطقة نجد أن أحدهم يهتم ويغدق العطاء على عمل من منظور استعماري قد لا يبدو مفيدا، ورغم إختلاف الزمن إلّا أن المنطفة العربية لا تزال مستعمرة حتى اليوم، ربما بوجوه وأشخاص أكثر قرباً، لكنها على أية حال لم تنجو من الإنهيار العظيم الذي حدث منذ زمن طويل لوضع آليات السيطرة على المنطقة العربية وكيفية تنظيم أمورها وتصريفها".

• المصيدة

ولفت الدابي إلى أن الرواية تكشف كيف وقعتْ الأمة العربية في المصيّدة قبل قرن كامل، كيف أهتم التاريخ بتوثيق أحداث معينة على حساب عمل منظم كان يجري في المنطقة طوال عشرات السنين، وكيف مثلاً أن "أميركا" ذات يوم كانت وطناً قومياً لليهود هاجروا إليه بدعوة من الكنائس والمبشرين والرموز السياسية، أملاً في إجلاء أوروبا منهم أولاً وثانياً لأطماع بريطانيا في الولايات المتحدة حيث فكرت بأن سيادة التاج الإسباني على تلك الأراضي آن لها أن تنتهي، وهكذا صادت أكثر من ثلاثة عصافير بذات الحجر إذ إن اليهود أسهموا في إضعاف شوكة الإستعمار الإسباني مما سهّل للملكة إليزابيث السيطرة على بعض المناطق، ثم لاحقاً بعد العديد من التفاصيل والأحداث على مستوى الأطماع الإستعمارية الكبرى توجّب تحويل اليهود والبحث لهم عن وطن، والأنظمة العربية حتى اليوم ترفض بشكل جاد ومصادم مواجهة الحقيقة التي تتمثل في وجود أقطاب كبرى تتصارع في سيادتها على المنطقة ونفوذها، والحروب التي حدثت وتحدث في المنطقة هي مؤشر أخير على أن الوطن العربي هو الساحة المستقبلية لكل الحروب.

هذه الرواية تكشف جزءا من مؤامرة عظمى وربما ما نشهده هذه الأيام يعد مؤشرا حول المكان الذي ستمضي إليه المنطقة مستقبلاً!

ورأى أن شخصية مثل "هنري ولكم" بكل صراعاته ونزعاته وجرائمه وفتوحاته تجعلني سعيداً بالسيطرة عليها، والعمل على رواية بهذا الحجم أكسبني ثقة أكبر في الكتابة ومستقبلها وأهميتها، إذ إن هذه الرواية كانت مثقلة بالهموم والمعالجات والتحليل والكشف، وهذا جعلني أنظر إلى حجم المسؤولية الذي وجدتني داخله، وفي مشوار الكتابة التراكمي فإن أي عمل ناجح لهو نجمة أخرى تساعدني في إضاءة سماء الغابة الموحشة التي أحاول إجتيازها والتي اسميها جزافاً "الحياة".

• متلازمة الساق القلقة

وشدد الدابي على التقنية والشخصيّات تأتي في مقدمة أولوياتي، ودونها في تقديري يفقد العمل الجانب الجمالي والخلَّاق، وبما أن الرواية هي الفنُّ الذي يُعالج الشوق الإنساني لإكتشاف الحقيقة، بواسطة الخيال المجرد، كان لزاماً عليّ اخراجها من دائرة العادي والمألوف، ومن الصعب بالنسبة لي، مواصلة التظاهر بأن أبرز ما أحفل به ثابت.

الرواية عمل فني رفيع وصعب وليست منجزا أكاديميا يخضع "للشروط والأحكام" كما أنها ليست نتاج منجزات حياتية بحتة، لذلك أنا أجرب كثيراً رغم ميلي إلى الرواية الكلاسيكية، وأحاول جاداً كتابة أعمال تُقرأ في جميع العصور، ولا يتوقف معناها الإنساني والوجودي والحياتي عن كشف الحالات التي ستتلبس العالم من بعدي.

وكشف الدابي عن أنه إنسان قلق، "لديّ متلازمة الساق القلقة إذ أنني عندما أنام تكون ساقي تهتز ولا تتوقف، والقلق المبرر أحد سمات عملي في الكتابة، لكني بحق أشعر بالقلق الأكبر عند الإنتهاء من رواية، في الوقت الذي يجب عليّ فيه أن أفارق أبطالي وأخرج نهائياً عن العمل، أشعر بالغيرة من المحرّر والمدقق والناشر والمطبعة وحتى القراء، وأعتقد جازماً أن أعمالي فيها من الخصوصية ما يجعلني أفضّل في أحياناً كثيرة أن لا يقرأها أحد، وصدور أعمالي موسم للقلق المبرر الذي أصبحت أتخطاه بصعوبة، وقلقي هذه المرة أكبر، إذ إنني بالفعل معجب ببعض شخوصي، ولا أريد لشخصاً آخر أن يحبها مثلي".

 

محمد الحمامصي