🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

حديث الخميس: لندن

وكالة الحدث الاخبارية 2018/09/20 00:00

حسان الحديثي 

 

لم اطر لها بطائرة حين وصلتها اول مرة، ولم اسافر اليها براً ولا بحراً بل جئتها من تحت الارض،  لا تضحكوا مني نعم جئتها من تحت الارض،  بنفق يربطها بفرنسا يسير فيه قطار ينطلق من باريس كالبرق حتى اذا شارف على ساحل البحر لقناة انجلترا الفاصلة بين اوروبا وبريطانيا غاص بنا في ظلمات الارض، غاص في نفق من فوقه ظلمات ومن تحته ظلمات لكن ظلمات هذا النفق المتراكمة ظلمات عجيبة ذلك انها تربط بين نورين بين مدينة الانوار "باريس" وبين "لندن" المدينة لم تغرب عنها الشمس لما يزيد على الف عام. 

 

غاصت بنا قاطرته في الارض تجر وراءها قطاراً كأنه افعوان في ثقب فكان كما وصفها معروف الرصافي حين سافر به الى اسطنبول ورأه حين اخترق الجبل مطلقاً صيحته فقال:

 

لـهـا صيـحة عـنـد الولـوج كأنـها

تقول له يا طـود خـلّ لي الدربـا

 

وتمضي مُضيَّ السهم فيه كأنما

تـرى افعواناً هائجاً دخـل الثقبا

 

عن اي سهم يتكلم الرصافي؟  اني اجزم ان سرعة قطاره يومها لم تزد على ثلاثين كيلومتراً في الساعة ولو ركب بقطار اليوم لتهشم قلبه وتفتت، او لبلغ حنجرته من الدهشة والخوف. 

 

مخطئٌ من يظن ضباب لندن هو ضباب تقليدي يصنعه رذاذ الماء، ضباب لندن الحقيقي في فهم هذه المدينة التي جمعت تحت جناحها ابهام في المعنى ياتي من ضبابية فهمها والوقوف حقيقة حالها. 

 

تخيلوا ان لبيرسي شيلي وهو شاعر انجليزي كتب قبل مئتي عام عن لندن قائلاً: أن الجحيم يشبه لندن إلى حد كبير، هذه المدينة المكتظة والضبابية.

 

و كتب ألكسندر بوب في القرن السابع عشر عن لندن اغرب عبارة حين قال: عزيزتي المدينة اللعينة والمشتتة للانتباه، وداعاً

 

اما وليم ووردزورث فقد وصف لندن بمبالغة جميلة حين قال: أن الأرض لم تظهر شيئاً أكثر جمالاً من لندن.

لكن الغرابة انه بعد حين عاد وكتب ما يناقضه واصفا عزلته واكتئابه فيها بقوله الاول: جيرانُك في المنزل المجاور غرباء تماماً عنك لا تعرف أسماءهم حتى. 

 

هذه هي لندن وهذه هي حقيقتها انك لا تدري جميلة هي ام قبيحة،  مؤنسة هي ام ام موحشة،  جنة هي ام جحيم. 

 

ضباب لندن يتغير بتغير الزائر ووقت الزيارة ومكان الاقامة فهي مدينة لا ترحب بمن لا يحمل بين جوانحة قلبا يصبر عليها وعلى طبيعتها المتقلبة فطقسها كنسائها -كما وصفها البريطانيون- كلاهما لا يؤتمن. 

 

السياب الذي وصلها مريضاً اوجعه شتاؤها فلم يكد يصبر عليها وعليه ولم يجد فيها ما يؤنسه، كانت شمس العراق احب اليه من بهرجات ليلها وزحمة نهارها وكان قيظ العراق ارجى لشاعريته من ضبابها فلم يطق العيش فيها ولم يطق الصبر عن العراق فطار عنها مسرعا ثم قال في المقطع الرابع من سفر ايوب:

 

في لندن الليل موت نزعه السهر

و البرد و الضجر

وغربة في سواد القلب سوداء

يا رب يا ليت أنى لي إلى وطني

عود لتلثمني بالشمس أجواء

منها تنفست، روحي : طينها بدني

وماؤها الدم في الأعراق تنحدر

يا ليتني بين من في تربها قبروا.

 

انا اشعر بهذا واتفهمه لسببين لان السياب وصلها شتاءً وجاءها مريضاًً متعباًً يبحث عن دواء لعلته.

 

قال لي احدهم يوما وهو يعيش في لندن من ثلاثة عقود او يزيد: احب هذه المدينة التي اقضي بها الشهر كله افكر بتسديد ايجار شقتي ودفع فواتيري وما ان تمر نهاية الشهر على خير وبسلام حتى تبدأ رحلة التفكير بالشهر الجديد، فانا بها راحل مرتحل بين اول الشهر وآخره ...ولكني احبها. 

لا ادري لماذا شعرت حينها بأنه اكثر اهلها بساطةً وعفويةً بل شعرت انه من اصدق من وصف لندن. 

 

لكن هذا كله لا يترجم احساسي بها فانا اختلف عن كل من تقدم، وعن كل من ذكرت، فانا لم اجد بغداد في بيروت ولا في دمشق ولا في القاهرة، لم اجد بغداد في اي مكان الا في لندن فوقعت في نفسي موقعا عظيما لاجل ذلك تراني لم ازرها الا مشتاقا ولِهاً ولم افارقها الا حزينا اسفاً

 

اعرفها جيداً وآلفها كثيرا لا امل المشي فيها ابدا ولا يصيبني سأم من قراءة الشعر في ازقتها وحدائقها تبعث في خاطري الامل مع الالم وتثير في نفسي الحنين والشكوى وتستفز ذاكرتي كثيرا، تسافر بي عبر الزمن الى محطات من العمر فاسرق منها دهشة التاريخ واغسل فيها بقايا ادران الواقع. 

 

اتطلع في وجوه الناس وقد غابت الانجليزية عن السِنة الناس فلندن ام الادب الاوربي وموطن جيفري تشوسر و وليم شكسبير وإدموند سبنسر، هي اليوم الْسِنَةٌ مختلفة فلا تكاد تنتهي من حديث لشباب اسبان حين تمر بجنبهم حتى تتسرب اليك الفرنسية من مجموعة اخرى اتت للسياحة او الدراسة ثم الايطالية فالهندية، وانت تبحث بين كل ذلك الخليط من الاصوات عن الانجليزية الخالصة لتتخلص من اللكنات التي شوهت هذه اللغة الجميلة والبسيطة وانت في خضم ذلك كله يصدمك وجه اسمر بشاربين اسودين عريضين وما ان تقابل عيناك عينيه حتى يصرخ بك "تفضل اغاتي" فتعود بك الريح محمولاً على جناحها الى مقاهي الرشيد وحدائق ابي نواس وضوضاء شارع المتنبي. 

 

فان لم يكتب لي العيش في ضواحي بغداد ساجد شيئاً منها في ضواحي لندن، وان لم يهنأ قلبي بالسلام في زوراء العراق فسافتش عن شبيه له في دروب لندن،  وان فاتني وجه يكتب الشعر برمش العين ويلونها بالوان الحياء، رمش يستلُّ حبره من سمار بغدادي انضجته شمسها وتكسرت على قطراتِ نداه خيوطُ الفجر الاولى فعزائي انني احفظ بين جوانحي الف بيت منه وانني لا زلت اغنيه وان كان "في بعض الغناء بكاء"

 

سابقى ماشيا فيها وعيني تلاحق كل باصٍ احمرَ بطبقتين علها تجد فيه وجهاً مبتسماً او عباءةً شريفةً او عقالاً على رأسٍ ماجد. 

.

.

 

لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (وكالة الحدث الاخبارية)