علي السوداني
مكاتيب عراقية
أمّا صالح الجيزاني فلقد خلع من حائطه الفقير قبل هجرته الى أمريكا ، رأس غزال كبير معمول من الخشب ، وطلب مني أن أعلقه فوق حائطي لأنه كما رأى واعتقد الجيزاني الطيب الحميم ، سيبعد عني الشر ويساهم في انعاش رزقي الحلال من حيث أدري ولا ادري .
أخذت الرأس المعلّقة برقبته قلادة خرزاتها من حجر وزجاج غريب ، ما يضيف اليه الكثير من الهيبة والأسطرة والبركة والإقناع ، وظل صالح الصالح يراسلني عبر المحيطات والبحور سائلاً بلهفة وقلق عن حالي ، ممنياً نفسه الرحيمة بأن تمطر عليّ الرأسُ ذهباً ودنانير وراحة ، وكنت أواسيه بما لدي من فائض نكات وقفشات وطرف لذيذات باذخات ، فكان يضحك ثم يسعل بقوة تسع درجات على سلّم السعد ، حدّ أنّ واحدةً من سعلاته التبغية كادت تثقب طبلة أذني العزيزة .
الحق هو أن شيئا يسيراً مما تمناه صديقي لي لم يحدث قط ، أما هو فلقد أصيب بنوع خفيف من السرطان اللعين ، وعندما كنت أشفق عليه وأكاد أبكي ، كان يضحك بنفس قوة ضحكته الأولى ويقول لي ، انه قد تعايش مع المرض وان المنازلة بينهما قد استقرت عند حدود آمنة ، ويضيف بثقة وفرحة عارمة أن المشفى الذي يتعالج فيه قد أمر له بحصة جيدة من الحشيش المخدر ، الذي يساعده أحياناً على كتابة قصيدة شعبية هزلية منعشة .
حافظت على ذكرى صاحبي خمس سنوات عجفاوات ، معتبراً إياها زينةً تكسر من رطوبة الجدار ، حتى حطت جوارنا سيدة سمينة أحمر وجهها ويكاد يمطر دماً اسمها أُم سدير، وعندما رأت التمثال الخشبي ممسمراً على الحائط ، شهقت وكادت تشق زيقها وتلطم خدها المربرب ، وطلبت مني بصيغة الأمر الذي لا يردّ ، أن أخلع رأس الغزال وأن أكفنه بكيس أسود وأرميه بحاوية الزبل ، حتى لا يستعمله أحد بعد ذلك ، وزادت أن هذه التميمة هي سبب فقرك وعوزك . ضحكتُ وقلت لها أنت تأمرين يا أم سدير الجميلة وأنا العبد المطيع ، فتم تنزيل الرأس بنفس درجة الإيمان التي علق بها أول مرة !!
أبحثُ الآن عن خرافةٍ قويةٍ كي أعلقها على حائط بلادي العزيزة ، علّني أفرح ويفرح معي صالح وأم سدير .