المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد
ذهب الأديب الكبير تولستوي يشاهد معرضاً لفنان شاب، فسأله الشاب: ما رأيك؟ قال تولستوي: لا رأي لي، ولكن قل لي.. كيف تخلط الألوان؟ قال الفنان: سيدي العظيم إنني أخلطها بدمي!، قال تولستوي: ولكن دمك لا يكفي. قال الفنان: وروحي!، قال تولستوي: ولكن روحك لا تكفي!، قال الفنان: علمني أنت يا أستاذ الجميع!، قال تولستوي: بل يجب أن تذوب في ألوانك.. حتى تكون أنت والألوان شيئاً واحداً، فلا تأكل ولا تشرب ولا تتنفس.. بل تتفانى في صنع الحياة على الورق! فالفن أن يموت الفنان لتعيش خطوطه وظلاله بعد ذلك.
وعندما سئل الفنان العالمي ترنر عن لوحته الخالدة “رجل في العاصفة” قال: ذهبت إلى البحر، وطلبت من أحد الصيادين أن يضعني في زورق ويربطني بالشراع ويتركني فوق الموج في قلب العاصفة، وهبت العاصفة، وراحت الأمواج تضرب الزورق عالياً هابطاً، وتدقني في قاع الزورق، ولم أعرف من أين تجيء العواصف، ولا الفرق بين البحر والسماء، ولا بيني وبين الزورق، وكدت أموت من الجوع والعطش والبرد.. فكانت هذه اللوحة.
أظن أن هذه المواقف ليست قاصرة على الفن فقط مهما بدت غريبة؛ وإنما تنسحب على كل ما نقوم به من أعمال، وفي جميع مجالات حياتنا، إنه الإخلاص والتفاني والتعايش الذي نحتاجه بل ونرجوه ليضمن لنا البقاء والتطور والخلود. منذ سنوات دُعيت لأكون رئيساً للجنة اختيار المعلمين للعمل في إحدى المدارس الخاصة، وقد أوصانا مدير المدرسة باختيار العناصر ذات الكفاءة والخبرة والمهارة، وكان من بين المتقدمات معلمة لا تتمتع بخبرة واسعة، ولكن لديها رغبة وإخلاصاً عجيباً، دعاني لأن أتوسط إليها لدى مدير المدرسة لقبولها، ولما سألني المدير عن سر تمسكي بها فأجبته قائلاً: إنه الإخلاص الذي نحتاجه في المعلم، والذي سيظهر أثره في سلوك أبنائنا كما أنه سينعكس بدوره على المجتمع تقدماً وازدهاراً. ويبدو يومها أن مدير المدرسة أجابني لما أريد مجاملة وحرجاً، وما هي إلا شهور ثلاثة، حتى رأى من المعلمة جهداً مُلفتاً، وأثراً تعليمياً باقياً، وحباً طلابياً فاق كثيراً من المعلمات.
إن الذي يؤثر الاستسهال والراحة والدعة على الإخلاصوالصبر والتضحية يَلْقَى من العنت ما يلقاه رجل يدور حول نفسه محاولاً أن يصل إلى غايته، وسيظل يتحرك في موضعه حتى ينقطع إعياءً دون أن يبلغ هدفه. إن المخلص في عمله يستشعر سعادة تنبع من داخله وليس من خارجه، تغريه أن يرتقب في آفاق نفسه وحدها كواكب اليُمْنِ، وضياء الرضوان، وهيهات أن يدرك شعاعها أفول!