حسان الحديثي
منذ كتابة الشاعر ابي الحسن الحصري القيرواني لقصيدته الشهيرة والرائعة "ليل الصب" والشعراء يعالجونها واحداً تلو الاخر متطلعين لإبداعها متأثرين بمعانيها محاولين مجاراتها من حيث التجديد والاضافة.
الاضافة والتجديد الذين يبقيان على روح الاصل ولكنهما يركبان ذات القافية ويسبحان في ذات البحر حتى بلغ عدد من عارض قصيدة "ليل الصب" وجاراها ما يزيد على السبعين شاعراً وشاعرةً بل ان منهم من لم يكتفِ بمعارضة واحدة فعارضها مرتين كما فعل محمد مهدي البصير والشيخ مهدي الاعرجي وكلاهما عراقيان وهذا دليل على اخذ هذه القصيدة بالباب قارئيها من الشعراء والادباء واثرها عليهم.
والغالب الاغلب من معارضي ليل الصب هم من الشعراء العراقيين بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات ومنتصف القرن العشرين، فمنهم من افلح ومنهم من هو دون ذلك.
وقد خرج بعضهم من فضاء وغرض القصيدة الى اغراض اخرى كالتغني بحب الوطن او حتى في المديح النبوي. وهذا دليل ثان على اثر هذه عظم هذه القصيدة واستيلائها على القرائح.
واحمد شوقي -المعروف بحبه للمعارضات- قد تصدى لليل الصب بقصيدته المشهورة "مضناك جفاه مرقده" والتي فاقت شهرتها أصل القصيدة وقد حفظها الناس وتداولها العامة حين اشتهرت بعد ان سبحت في افق الجمال ذلك ان القصيدة رَكِبَتْ بساط النغم العذب وجناح الصوت الشجي المتمَثلين في نغم وصوت موسيقار الاجيال -بعد الاجيال- محمد عبد الوهاب، ومنذ ان وضع لها لحنه الشهير وغناها بصوته العذب وهي تطير وتتنقل في الافاق.
وعامة الناس لا يفطنون الى المتشابه في الشعر كما لا يهمهم هذا الامر والذي هم فيه هو عيشُ اللحظة في متعة المعنى عذوبة اللحن وهذا امر طبيعي ليس فيه عليهم ضير ولا مثلبة، ولكن من باب احقاق الحق خطر لي ان احيي ذكرى القصيدة القديمة وأبين ماذا فعل شوقي وكيف استلهم بل لعله ركِب متن قصيدة "ليل الصب" للقيرواني، ولا اقصد انه ركِبَ بحرَها وقافيتَها فهذا امر متاح ومباح للمعارض، بل اتى على البناء الايقاعي الداخلي للقصيدة، وليس ذلك فحسب بل لم تسلم القصيدة ذاتها معانيها ومفرداتها منه فاقتطع منها جملا وعبارات شعرية اثرت على الأصل وسلبت شيئا من وجودها وغطت وخبأت شيئاً من بريقها ولمعانها.
يقول محمد علي حسن صاحب ديوان ليل الصب وهو الديوان الذي جمع فيه معارضات هذه القصيدة الخالدة: لقد تفنن الحصري القيرواني في هذه القصيدة حيث أودعها بنات أفكاره ودقائق أسراره فكللها من الدرِّ اغلاه ومن البديع أعلاه فأتت وكأنها غادة حسناء قد كساها من بهاء الطبع دلالاً وأكسبها من صفاء الوضع جمالاً ، تميس في حلل البهاء فكادت ان تطأ مفاخرها هامة الجوزاء فقدمها الى الامير ليدفع عن نفسه هذه التهمة "ويقصد تهمة السب المزعومة من القيرواني للأمير ابي عبدالرحمن محمد ابن طاهر صاحب مرسية"
وقد اشتهر صيته وسار ذكره في الخافقين بهذه الرائعة البديعة . ومنذ ذلك الحين تلقفه الشعراء شرقاً وغرباً يقلدون بحره وموضوعه بمعارضة قصيدته وهذه والنظم على ايقاعها حتى بلغ عدد معارضيها اكثر من سبعين شاعراً وشاعرة تباعدت ديارهم واختلفت عصورهم ومن الذين عارضوها احمد شوقي واسماعيل صبري وابو الهدى الصيادي والاخطل الصغير وجميل صدقي الزهاوي كذلك عارضها من الشواعر عاتكة الخزرجي. انتهى كلام محمد علي حسن
كذلك عارضها من المتقدمين ابن الأنباري، واسماعيل الزبيدي اليماني وشمس الدين الدمشقي وغيرهم ولكننا هنا بصدد النظر الى قصيدة احمد شوقي والتي عرفت بـ "مضناك"
وقصيدة شوقي هذه من اجمل ما قيل في معارضة ليل الصب الا ان هناك بعض مواطن القصيدة التي يجدر الاشارة اليها وتبيان انها قد أخذت من أصل قصيدة ليل الصب أخذا بائنا سافراً مع تغيير بسيط في البناء لم يستر عيب الأخذ ولم يسد عورة الاقتباس
يقول شوقي في في مطلع قصيدته "مضناك":
مُضناك جفاهُ مَرْقَدُه ... وبـكـاه ورَحَّـمَ عُـــوَّدُهُ
حيرانُ القلبِ مُعَذَّبُهُ ... مقروح الجفنِ مسهَّدُه
بداية لم يخلُ مطلع شوقي من الاقتباس والأخذ من الاصل حيث يقول القيرواني في احد ابياته
لمْ يُبقِ هواكَ له رمقاً ... فليبكِ عليه عوّدهُ
ومعنى بكاء العُوّد على المريض المدنف هو معنى قديم في الشعر متداول بل هو معنى مستهلك لكثرة التداول ولكن لأن شوقي في موضع مجاراة هذه القصيدة فالاتهام له بالأخذ منها وليس من غيرها
كذلك يقول شوقي:
ويناجي النجمَ ويُتعبه ... ويُقيم الليلَ ويُقْعِده
وقد اخذه من قول القيرواني
يطوي الأيام وينشرها ... ويقيم الدهر ويقعده
غير ان شوقي يذهب الى ابعد من ذلك وينتقل ويتعدى من الأخذ والاقتباس الى نسخ المعنى كاملاً بألفاظه ومفرداته بل وحتى تركيبه وبنائه ومنها قول شوقي:
جَحَدَتْ عَيْنَاك زَكِيَّ دَمِي ... أكذلك خدُّك يَـجْـحَدُه
قـد عـزَّ شُهـودي إذ رمَتا ... فأشرت لخدِّك أشهده
والاصل في المعنى موجود في قصيدة القيرواني هو قوله:
يا من جَحَدتْ عيناه دمِي ... وعلى خـدَّيْه توَرُّدهُ
خدّاكَ قد اِعْتَرَفا بدمِي ... فعلامَ جفونُك تجْحَدهُ
يتبين لنا ان شوقي قد أخذ صدر البيت كاملاً مع تغيير بسيط لا يكاد يذكر. والاخذ هو قوله: "جَحَدَتْ عَيْنَاك زَكِيَّ دَمِي" والذي طابق قول القيرواني: "يا من جَحَدتْ عيناه دمِي" ، اما بقية هذا البيت والبيت الذي يليه فقد طابق المعنى واختلف اللفظ كما هو بائن، ففكرة "الشهود" لدى شوقي اتت من فكرة "الاعتراف" لدى القيرواني وقد ابدل شوقي مفردة "الخد" مكان "الجفون" لدى القيرواني مع بناء مرتبك لدى شوقي وقد قام شوقي بتكرار مفردة "خد" في بيتين متتالين كما فعل القيرواني في بيتين متتاليين ايضاً ، غير ان القيرواني وازن في معنييهما -اي الخدين- اما شوقي فقد جعل "الخد" في البيت الاول جاحداً ثم لمّا لم يجد شاهداً على جحوده اشار للخد مرة اخرى يُشهدُه ، فجعله جاحداً وشاهداً في ذات الموقف ولا يخفى جمال ذلك على القارئ الفَهِمِ لكن ذلك لم يخرجه من دائرة المعنى الذي استلهمه بل استلّه من غمد القيرواني استلالا جاحداً لا نحتاج لأثباته دلالة دليل ولا لشهادة شاهد.
كذلك يعود شوقي ليفعل ذات الفعل في الاستيلاء على معنى ثان من القيرواني في قوله:
كم مدّ لِطَيْفِكَ من شَرَكٍ ... وتأدّب لا يتصيَّدهُ
والفكرة التي تراوحت بين الصيد والشَرَك ذكرها للقيرواني بل ان شوقي قام بمسخ المعنى مسخاً حيث أن أصل المعنى والبناء موجودٌ في قصيدة القيرواني بقوله:
نصَبتْ عينايَ له شرَكاً ... في النّومِ فعزَّ تصيُّدهُ
ولو أقمنا مقارنة بسيطة على مفردات البيتين ومعانيهما لوجدنا تطابقاً معيباً يشي بتعمد شوقي وتقصده في الأخذ، فـعبارة "مدّ لِطَيْفِكَ من شَرَكٍ" في معناها هي ذاتها "نصَبتْ عينايَ له شرَكاً" ومفردة "طيفك" هي ذات المعنى في مفردتي "عيناي و النوم" في الدلالة لأن الطيف ياتي للعين في النوم ، غير ان القيرواني حلّق عالياً في قوله "عزَّ تصيدُه" والتي قصّر عنه شوقي في قوله "تأدب" والتأدب في هذا الموضع -اي في موضع الصيد- هو نوع من الترف كما ان التأدب لا يصلح في الصيد مع الطريدة والذي اشار به القيرواني وجعله دليلاً الى موضع المعاناة في الحب وهو ايضا ليس كمن يعزُّ عليه الصيد لنفور وعناد في مَن رام تَصيّدهُ، فلم يحسن شوقي مجاراة المعنى بالرغم من انه سطا عليه سطوا مفضوحاً أمام اعين المتتبعين للقصيدتين.
ايضا يحاول شوقي ان يفيد من معاني من سبقه من الشعراء ممن عارض قصيدة ليل الصب ومنهم شمس الدين القيرواني في قوله:
السـقـمُ بـراه وأنـحـلــه ... فـلـذا مـلّـتـه عـــــــوده
سهران الطرف له رقّتْ ... في الليل نجوم تُسهِدهُ
يشابهه قول شوقي
مُضناك جفاهُ مَرْقَدُه ... وبـكـاه ورَحَّـمَ عُــوَّدُهُ
حيرانُ القلبِ مُعَذَّبُهُ ... مقروح الجفنِ مسهَّدُه
وأكاد أن أجزم بأن شوقي قرأ كل معارضات هذه القصيدة من اولها حتى زمنه ووقف وتأمل كل معنى جميل ليتجاوزه الى ما هو اجمل ، كما وقف على كل معنى مرتبك فاسد لينأى عنه ويتجاوزه.
ولكي لا نطمس الجمال او نمحو اثره ولا نكون مجحفين في القول والموازنة يجب القول ان قصيدة مضناك من اجمل المعارضات الشعرية لقصيدة ليل الصب ومن ارقها واعذبها ولقد صب فيها شوقي من الحلاوة ما جعلها لا تمل بالتكرار ولا تبلى بكثرة الترديد بل ان شاعريته المتوقدة جعلت القصيدة تجدد نفسها بنفسها وكأنها عروس توقف الدهر في ليلة خدرها او غادة اوقفت العمر على بابها وحجبته من الدخول على خبائها ولو رفع شوقي هذه الابيات التي شانت الشعر واعابت الأخذ على الشاعر لكانت قصيدة فريدة بين قصائد المعارضات الشعرية من اولها وحتى منتهاها
ويجب العلم ان سرقة الشعر أنكى وأكبر وأدهى وأمرّ من سرقة المال، فالمال يذهب ويبلى بإنفاقه وتبديده فيذهب أثره بذهابه أما الشعر فيبقى ويخلد وخلودُه في تردده على السنة الناس فيظهر زيفُه ويبين متشابهُه وتكتشف سرقتُه ولو بعد حين.
.
.