حسان الحديثي
قال ابن خلدون في مقدمته : وعلى قدرِ جودةِ المحفوظِ وطبقتِه في جِنسه، و كثرتِه من قِلته تكونُ جودة المَلَكةِ الحاصلةِ عنه للحافظ … ثم تكون جودة الاستعمال من بعده ، ثم إجادة المَلَكة من بعدهما … لأن الطبع إنما على منوالها. مقدمة ابن خلدون
وهو يشير هنا الى حافظة الأديب -شاعراً كان ام ناثراً- وجودة ما حَفِظ فذلك الذي يخلق المَلَكة الأدبية للأديب ثم يكون لها -اي الحافِظة- الأثر الاكبر في طبعه وهذا امر بديهي لان الأسلوب يتأتي مما اختزنته الحافظة كما الإناء الذي ينضح مما فيه.
ويضيف ابن خلدون في موضع آخر من مقدمته عن اهمية ترتيب المفردات بحسب معانيها ودلالتها قائلا: الا ترى ان قولهم (اي العرب) "زيدُ جاءني" مغايرٌ لقولهم: "جاءني زيدُ" من قِبَلِ ان المتقدمَ منهما هو الأهم عند المتكلم فمن قال "جاءني زيد" أفاد من اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند اليه، ومن قال "زيد جاءني" أفاد من اهتمامه بالشخص قبل المجيء المسند وكذا التعبير عن اجزاء الجملة بما يناسب المقام. انتهى قول، ابن خلدون
ويتبين لنا مما تقدّم ان الكلام يجب ان يمون بِقَدَر وأول الخطل في البيان هو إطلاق الكلام دون ضابط للمعنى فليتبس على المُتَلقي ما يريده المُلقي من قوله.
وكلا القولين آنفي الذكر لابن خلدون ينعكسان على اسلوب الكاتب، فالاول يشير الى البيان والثاني يشير الى تَبْيينِه ولا يتمُّ ذلك الا بحسن بناء العبارة الأدبية التي تحمل المعنى الى القارئ فإن كانت العبارةُ ركيكةً نَاءت بحِمْلِ المعنى فقتلت الفكرة وأذهبتها، لأجل ذلك يجب ان تليق العبارة بما تحمل من فكرة وتكافئها وان تكون جزءاً من الفكرة لا حاملاً لها فقط.
وقد مرت العبارة العربية بتطورات وأطوار مختلفة شأنها شأن الشعر فحين قامت العبارة قامت على أساس واحد وهو البلاغة ومان ذلك في عصر الجاهلية وصدر الاسلام ختى وان اشتملت على المفردة الوعرة لتحقيق ذلك.
لان البلاغة عند العرب كانت ذروة سنام اللغة لا يمنعهم من الوصول اليها وتحقيقها في كلامهم وعورة اللفظ وقسوته.
ثم خفّت ولطفت حين تطورت في العصر العباسي سيما المتأخر ولعل ذلك لأجل ما خامَرها من الأجناس والاساليب غير العربية التي دخلت عليها واهتمام ونبوغ بعض الأعاجم بها من شعراء كابي نواس وابن الرومي ولغويين ونحويين كسيبويه وفقهاء ايضا كبعض علماء الدين ورواة الحديث.
ثم تحولت وشقت طرقاً جديدة في العصور المتأخرة عندما زادت التراجم للكتاب والشعراء الغربيين فتأثر ادباء العرب بأساليبهم وترجماتهم حتى اصبحت عبارات بعض الكتّاب تحاكي اسلوب بعض الترجمات، والمقصود هنا تأثير الكاتب الغربي والمترجم -على حد سواء- فأدب المترجم لا يقل تأثيراً وأهميةً -لدى القارئ عن أدب الكاتب الذي تَرجم له ذلك ان المترجمَ أديبٌ وكاتبٌ ثان أعمل اسلوبه وأدبه وطبعه في نقل الأسلوب والفكرة الاصل.
يقول احمد سالم باناعمه في دراسته لاسلوب مصطفى صادق الرافعي الأدبي: من المؤثرات في اسلوبه ما ولع به الرافعي من النظر في الكتب المترجمة فقد تسللت إليه بعض عبارات التراجمة ، واستعملها من غير أن يفطن إلى ما وراءها على الرغم من شدة حساسيته وصارت جملته من أجل ذلك في نظر البعض تشبه الجملة المترجمة أحيانا لفرط تحررها من الأنماط القديمة و أحسب أنه تأثر كذلك بما كان يقرؤه من الفرنسية مباشرة. انتهى كلام باناعمه
وهذا الكلام من الأهمية بمكان لأنه يشير الى ان التحرر من من النمط السابق -اياً كان عصره- هو بحد ذاته تطور لنمط العبارة الأدبية وشق طريق سير جديد لها ولاسلوبها الأدبي.
ويقول الرافعي في ذلك: "إن كلمةً قرأتها لفكتور هوجو كان لها أثر في الأسلوب الأدبي الذي اصطنعته لنفسي ، قال لي الأستاذ فرح أنطون مرة -والكلام للرافعي- : إن لـ هوجو تعبيرا جميلا يُعجب به الفرنسيون كل الإعجاب وهو قوله يصف السماء ذات صباح "و أصبحت السماء صافية كأنما غسلتها الملائكة بالليل" فأعجبتني بساطة التعبير و سهولة المعنى ؛ فكان ذلك حذوي من بعد في الإنشاء. كتاب حياة الرافعي
وهذا القول ينطبق على الشعر ايضا ففي اسلوب بدر شاكر السياب وابتكاره لفن هو الاكثر حداثة في الشعر العربي منذ نشأته. ف
لم ينفلت الشعر من قيود القافية الواحدة والتفعيلة المُحَدَدة على مر السنين حتى جاء السياب فغير القافية في النص الواحد وتحكم في عدد التفعيلة في الشطر الواحد يزيدها وينقصها بشرط ان يخدم المعنى لا كما فهم البعض ان التغيير في القافية والتحكم في عدد تفعيلات البيت الشعري يأتي، هكذا كيف ما اتفق فانزلقوا بكثير من الهمهمات غير المفهومة تجاوزوا فيها حدود الاسفاف.
وقد اتفق اهل النقد ان السياب انما ابتكر هذا الفن -الشعر الحر او التفعيلة- في تطوير الشعر العربي من جراء قراءاته وتأثره بالأدب الغربي او الانجليزي على وجه التحديد وعندما نقل الفكرة وهيكلية البناء الى الشعر العربي كان نقلة عظيمة ادرك بها السياب ما لم يدركه شاعر قبله في التطوير والتحديث.
ومن الاسباب التي تجعل العبارة سهلة البناء قريبة الفهم هو كثرة التأمل بفكرتها في الذهن قبل كتابتها فان كثرة التأمل بالفكرة يوسع مدارك البناء ويفتح مديات الاختيار لما يناسبها من المفردات وما يليق بها من اللفظ فيكون عظيم معناها بايجازها وسهولة فهمها بحسن بنائها وكما ان الشعر يُقرأ بساعة ويُتأمل بساعات فان العكس صحيح في الكتابة فتأمل الفكرة طويلا ثم كتابتها يجعل اثرها اكبر واقرب لنفس المتلقي.
وربما تطلبت كتابة مقال واحد ساعاتٍ طويلة من التأمل وقراءة مئات من الصفحات وتقليب في بطون الكتب والمصادر ليخرج النص جلياً واضحاً يعالج الفكرة ويقود القارئ الى النتيجة باقصر الطرق وايسرها.
ولن يكون النص ذا قيمة حتى تحملك الفكرة للفكرة وتسلمك العبارة للعبارة فيكون القارئ بينهما كمن يطفو على الماء منتقلا من موجة الى اختها بأريحية وانشراح وهو على يقين من انه لن يغرق.
ولأن الافكارَ قطراتُ زئبق تتفلت من البال كما يتفلت الزئبق من الوعاء فعلى الكاتب ان لا يخلو جيبُه من قرطاس وقلم يحفظ بهما الخاطرة العابرة والفكرة المارقة فكل فكرة وخاطرة لها اهميتها وان لم تصلح فيما بعد ان تكون موضوعاً فستصلح ان تكون جزءاً من موضوع فان امتلكنا الفكرة ووضعناها تحت تمحيص العقل واعملنا فيها الذهن حتى يجتمع حولها كل معنى متعلق بها وكل دلالة ساندة لها ثم اجتمع لها ما يرضاه صاحبها لها من هذا وذاك، أعمل فيها لغته واخضعها لحنكته وصنعته باختيار المفردات ورص الكلمات ثم نافثاً فيها من روحه التي هي خزين من ارواح من قرأ لهم وتأثر بهم في عقله الباطن بحذاقة ودقة صائغ الحلي، فان تم له كل ما تقدم اعادها للتصويب ثم راجعها لازالة الفضول ثم اخرجها الى الحياة لتكون قطعة ثمينة تزين صفحات الكتب لأجل ذلك اطلقو عليها تسمية "الصياغة".
ولن يكتمل النص -اي نص- حتى تتوافق مقدمته مع متنه وحتى تكون خاتمته خاتمةً لما يقال فيه فكأنه لو زاد فيه انقص منه.