🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

حديث الخميس: اللغات اسلوب حياة

وكالة الحدث الاخبارية 2019/02/07 00:00

حسان الحديثي


مخطيء من يظن ان اللغات هي كلامٌ مجردٌ والغاية منه التواصل والتعايش فقط، فاللغاتُ اسلوبُ حياةٍ ومزاجٌ معيشة ونمطُ تفكير لفئة من الناس، وليس طريقةً من طرائق التفاهم فقط وما التفاهم الا احد استخداماتها لخلقِ حالة من التواصل بين البشر الذين يتكلمون ويفهمون اللغة الواحدة، وإن كل لغة لها خصوصياتها واسلوبها المختلف عن غيرها، ليس اللغات الاصيلة فقط بل حتى اللغات العامية فاللغة العامية لأي من البلدان او الامم تختلف بمزاجها عن اللغة العربية الفصيحة لتلك اللغة كما تختلف عن غيرها من اللغات العامية لبلدان اخرى وكل منها له نمط يختص به ويعنى بشأنه وهو مختلف عن غيره.


وانا هنا اطلق على العامية تسمية "لغة" وليس "لهجة" كما هو متعارف لان لها ذات الخصائص في خلق اساليب التفكير ونمط المعيشة لفئة الناس المتحدثين بها، حالُها حال اللغة الفصيحة فهي اقرب الى مسمى لغة منها الى لهجة ، لاجل ذلك قيل عن القرآن الكريم انه نزل بلغة قريش وقريش تتكلم العربية كباقي قبائل العرب.


وكثير ما نجد في العامية كلاماً منفردا ومختلفا عن اللغة الفصحى ولا اقصد المعنى، انما المقصود هو نمط اللغة واسلوبها مما يصعب علينا ترجمة العاميّ الى الفصيح.


والسبب في ذلك هو ان المزاجَ العام والذاكرة الجمعية الآنية لفئة من البشر ممن يتكلمون لغة واحدة في انشاء المعنى والقصد في لغتهم، مختلفٌ عن المزاج الذي تتشكل به نفس الجملة في لغة اخرى، فالمفردة والمصطلح في اي لغة هي تراكمٌ معرفيٌّ تفرزه الحياة المشتركة بين اهل اللغة الواحدة يتقبله ويدركه العقل البشري من اهل تلك الفئة وليس بالضرورة ان يتقبله او يدركه عقل اخر مجبول على لغة اخرى.


وهذا ينطبق على لغتين اصلها واحد؛ كاللغة العربية العامية المنشقة من اللغة العربية الفصيحة، فلنا ان نتخيل كيف سيكون بين لغتين مختلفتين في اللفظ والقواعد ثم بالنمط والاسلوب.


ومثال ذلك ان الجملة العراقية العامية "اسمْطك براشدي" لا يوجد لها معادل لغوي في الفصيح يعطي نفس الوقع في قلب المستمع، ومهما حاولنا في انشاء جملة لها نفس الايحاء ومهما بلغت دقة الوصف لن نستطيع الوصول الى نفس المعنى لانه خرج من لغة التفاهم الى لغة الاحساس والشعور لذا علينا ان نفكر باللغة كنمط حسي وليس تفاهمي فقط لايصال المعنى وحتى في ترجمتها الى لغة عامية اخرى كاللغة العامية المصرية مثلاً "اضربك بالقلم" سيفقدها قوتها ويبرد حرارتها ويختفي جِرسُها في اذن المستمع.


اذكر ان صديقاً لي اصطحب صديقَه المصري الى احد مسارح بغداد لمشاهدة مسرحية عراقية وحين سمع الضيف المصري الممثلَ العراقي يقول "دَهَرْ فَرّك" لم يفهمها المصري فترجمها له العراقي مباشرة الى اللهجة المصرية بـ "داهيه تاخذك" وقد اجاد واحسن لانه ترجم النمط والاسلوب المستخدم في اللهجة المصرية في هكذا موقف ولم يترجم اصل القول فقرب الفكرة حين قرب الاحساس، ولو أوّلها بترجمة المعنى لغاب وقعها واثرها في نفس ضيفه وان ما فعله في ترجمته هنا هو انه ترجم النمط والمزاج ولم يترجم اللغة لان اللغه حامل للمعنى وتصلح فقط للغة التي كتب بها ذلك المعنى وهذا شرط وعامل مهم في النقل ظمن لغة الى لغة فنحن حين نقرأ قول عنترة ابن شداد في وصف حصانه اثناء المعركة:


فَـازْوَرَّ مِنْ وَقْـعِ القَـنا بِـلِـبـانِـهِ ... وشَـكَا إِلَيَّ بِعَبْـرَةٍ وَتَحَمْحُـمِ
لو كانَ يَعلمُ مَا المُحاوَرَةُ اشْتَكَى..وَلَكانَ لو عَلِمْ الكَلامَ مُكلّمي

فإننا هنا نكاد ان نرى ازورارَ حصان عنترة وميلانه عن وقع الرماح في صدره بل ونكاد ان نسمع صوت تحمحُمِه وشكواه وهذا الحال يفرضه حسنُ القول وإجادة الوصف بحيث يجعلنا نرى ونسمع ما وصف.


من هنا نجد ان الترجمة -في بعض حالاتها- خيانة حقيقية للنص لانها تترجم القول والمعنى ولكنها لا تنقلنا الى واقع الاحساس الذي اراده القائل بحيث نتجاوز حالة القراءة وتجعلنا نرى ونسمع ، ومما هو جدير بالذكر من الامثلة في هذا الخصوص ان احد اصدقائي من الشعراء العراقيين حين زار العاصمة الاسبانية مدريد في ثمانينيات القرن الماضي وجد ان المستشرق الاسباني "بيدرو مونتابث" قد ترجم بعض قصائده الى الاسبانية، وحين حصل صديقي الشاعر على نسخة من نصوصه المترجمة الى الاسبانية اراد ان يعرف اي من قصائده تلك التي تمت ترجمتها، فطلب من مترجم السفارة -وهو مترجم خبير- ان يترجم له قصيدة من القصائد ويعيدها من الاسبانية الى العربية ليستدل ويعلم ايا من قصائده قد تُرجمت ، فعجز عن الاستدلال عليها من خلال اعادة الترجمة الا بعد لأيٍ وصعوبة، والسبب في ذلك أن مزاجَها ونمطَها اختلفا تماما فاللغة بالنسبة للشعر هي ناقل لمعنى، وان ترجمةً واحدةً للنص الشعري كفيلة بان تودي به فكيف اذا ترجم مرتين؟


وأنا على يقين ان عمر الخيام لو عاد الى الحياة اليوم وسمع شعره في العربية لأنكره وأعلن البراءة من ابوته لما نقرأ ونسمع ليس لضعف في الترجمة ولكن لتغير الجو والنمط والمزاج الفارسي الذي يكتنف شعره وادبه.


وكلما ازدادت العاطفة والمجاز في الكلام ازدادت صعوبة ترجمته لان الكلام العاطفي والمجازي في الشعر يجنح من لغة الافهام الى لغة الكنايات والدلالات وهذا الأمر يجعل الترجمة تتجاوز حدود الصعوبة الى المستحيل، لاجل هذا نجد ان ترجمة الشعر تحتاج شاعراً عالماً بنمط واسلوب اهل اللغة التي يترجم عنها قبل احتياجها لمترجم له دراية باللغة ومعانيها ولفظها وقواعدها، وهذا الكلام ينطبق ايضاً على كثير من ايات القرآن الكريم فلعل من الممكن ترجمة آيات التوحيد والتشريع ولكن الامر سيكون صعباً للغاية في ترجمة الايات التي تنطوي على المجاز.
كقوله تعالى : واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا.
وقوله: إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.
او قوله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ


فإن جملة: "واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ"
و "وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ"
و "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ"


كلها مجازية تتعدى حدود الافهام باللغة والكلام الى الإفهام بالحس والشعور وهنا تكمن صعوبة الترجمة.


ومن المفارقات الجديرة بالذكر ان المترجم التركي حين ترجم قول الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ" ترجم "ان الله لا يستحيي" الى: "الله حيا سز" تعالى ربنا وتنزه...
ثم حين وقف الاتراك على القول واستبينوا المعضلة التي وقع فيها المترجم قاموا بتعديله لاحقا الى "Şüphesiz Allah" اي "شُبْهْ سز" ومعنى "شبه سز" اي نفي الشبه عن الله او تعني: "بالتأكيد"
فخسر بذلك الاتراك الاحساس بعظمة التشبيه في معناها الاصلي، وهكذا نجد ان كل ترجمة هي في الأصل ظلال باهته للنصوص الاصلية، ان توفّق واصاب المترجم في مكان فقد تأخر واخطأ في امكنة اخرى ولنا ان نتخيل كم الخسائر من الصور والاحاسيس التي فقدناها ونفقدها في قراءاتنا للشعر والرواية المترجمة والحال نفسه في نصوصنا العربية المترجمة الى اللغات الأجنبية الاخرى.

لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (وكالة الحدث الاخبارية)