علي السوداني
تكاد تنتهي فترة قيادة العالم بطريقة القطب الواحد ، والتي دامت نحو عشرين سنة ، بدأت بعد سقوط وتفكك ومرض الاتحاد السوفيتي نهاية عقد الثمانينات من القرن الفائت ، وبدأت مطالعها تبيد وتموت على باب العشر الأوائل من الألفينية القائمة .
في تلك الفترة كان الثور الأمريكي الهائج يفعل ما يشاء ، وبمهاتفة واحدة من بوش الأب الذي نفق قبل كمشة أشهر ، وتالياً بوش الإبن الذي ربما هو الآن على ذمة ندم غير معلن ، كان بمقدور أمريكا أن تحتل هذا البلد وتقصف ذاك ، وتستعمل كل اصناف الأسلحة بما فيها المحرمة مثل اليورانيوم وقنابل الفسفور الأبيض والصواريخ التي صنعت خصيصاً للقيام بمهام خاصة ، كما حدث فجر الثالث عشر من شباط من سنة الف وتسعمائة وواحد وتسعين ، حيث تم صنع صواريخ وقنابل خاصة اخترقت سطح ملجأ العامرية الحصين ببغداد المريضة يومها ، تبعه صاروخ نزل بنفس أثر الصاروخ الأول ، فأحدث عصفاً هائلاً وأنتج جهنم أرضية أحرقت وأذابت أجساد مئات من اللاجئين المدنيين العزل الأبرياء .
كانت تجري هذه الفضائح والفظائع كلها امام أنظار العالم ، وبموافقة أو عدم ممانعة من كل دكاكين الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي صار يسمى حينها بمجلس الأمن الأمريكي !!
اليوم تبدل المشهد تماماً ، فأوربا العجوز المتآكلة شيئا فشيئاً ، ليست كما كانت حليفاً أعمى كما هو الحال في عهد تاتشر وتوني بلير ، والدب الروسي يسير بخطى قوية ويسلب الحصان والفيل الأمريكي الغبي حتى من أقرب حلفائه . خذ مثلاً تركيا التي أرادت شراء منظومة باتريوت وثاد المتطورة من أمريكا ، لكن الأمريكان صاروا يماطلون ويؤخرون ويهددون ويبتزون ، فما كان من الحليف أردوغان الا التوجه الى موسكو والتوقيع على صفقة شراء منظومة أس أربعمائة التي تمتلك مواصفات لا تقل عن مثيلاتها في بلاد العم سام ، بل زاد الرئيس التركي ان بلاده ستفكر أيضاً بشراء منظومة أس خمسمائة من روسيا وبمواصفات وشروط وسلاسة ليست متوفرة في العروض الأمريكية المتغطرسة .
السعودية فعلت نفس الأمر بل زادت عليه انها بصدد التفاوض مع الأمريكان أو بدائلهم الروس والصينيين والأوربيين على ما سمته توطين التكنلوجيا العسكرية ، أي ان السلاح الذي ستشتريه مستقبلاً ، سيصان ويحرك ويتم الاطلاع على اسراره وربما تصنيعه لاحقاً على أراضي المملكة وهذا أمر وفعل سعودي غير مسبوق ، تبعه نقاش معلن في وسائل اعلام سعودية أو مدعومة من الرياض ، بأن السعوديين بصدد شراء مفاعلات نووية سلمية وبشروط رفضتها أمريكا ، فاستدارت السعودية صوب موسكو لإتمام صفقة نووية مريحة ومقبولة ، وهذا وغيره من أشكال التغيير والتمرد والتطهر والانعتاق ، هو الذي جعل الولايات المتحدة وذيولها في بعض اوربا ، يشنون حملة اعلامية شرسة وغير مسبوقة ضد الرياض ، سببها المعلن هو واقعة جمال خاشقجي ، لكن المضمر ليس كذلك أبداً .