🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

قيادات وزعامات بالفهلوة

وكالة الحدث الاخبارية 2019/06/07 00:00

قيادات وزعامات بالفهلوة
ضرغام الدباغ
كتبت، مرة، مقالاً عن الإخراج السينمائي، وكان المخرج المصري حسن الإمام قد سئل مرة، عن مدرسة الإخراج، التي يؤمن بها أو يتبعها، فأجاب: "مدرسة أيه وبتاع أيه.. أنا أشتغل بالفهلوة!" والكارثة، التي أريد الكتابة عنها اليوم هي أن الكثيرين الآن (وبتخصصات مختلفة) وصلوا إلى ما وصلوا إليه من مراكز ومناصب بالفهلوة، وذلك باستثمار علاقاتهم، السياسية (منح الولاء السياسي وهي غير القناعات المبدئية!) أو قدراتهم المالية، أو علاقاتهم الأسرية والعشائرية، أو قابليتهم في التملق والتسلق والتحليق إلى المراتب العليا، بلا كفاءة ولا استحقاق وبما نسميها في العراق (باللواكة)، وفي بلاد الشام تسمى (مسح الجوخ) ولربما أكثر والله أعلم! وقد أصبح في أيامنا الكالحة هذه، بحد ذاته، مدرسة فنية طويلة عريضة. وليس من الغريب في هذه الحالة أن يتقدم هؤلاء المتسلقون الصفوف، ويقدمون خدمات تنطوي على التملق والاستخذاء.
بتقدير الكثير من العلماء والمختصين، فإن واحدة من أشد نكبات البلدان النامية (العالم الثالث)، هو حلول شخصيات سياسية أو تكنيكية في مواقع لا تستحقها، بمعنى أنها غير مؤهلة وتالياً غير قادرة على:
 أولاً: إيفاء موقعها حق قدره، كفاءة وعطاء.
 ثانياً: تطوير الموقع نفسه، وهذه مستحيلة، وغالباً ما يتم ذلك على حساب إقصاء العناصر القديرة والكفوءة، وهذا يتم تحت شتى المسوغات. ويجري هذا في داخل البلد وخارجه، ففي داخل البلاد، الكثير جداً ممن يتبؤون مناصب كبيرة لا يحملون تأهيلاً حتى بسيطاً، وتالياً من المؤكد أنهم لا قدرة لهم على إدارة مستحقات الوظيفة ولو بالحد الأدنى من الكفاءة. وقد تدور هذه العملية بتخطيط متعمد، والهدف هو واحد: تسليم البلاد لمن لا يستحقها. ولكن العملية تدار أحياناً بشعارات وعناوين أخرى لتصبح مهضومة، وقد شاع هذا الطراز من القيادات الوظيفية وجرى تطبيعه بحكم القانون والاستمرارية، وعبثية الاعتراض والاحتجاج حتى أصبح "طبيعياً"، واليوم أصبح هذا الضرب من الوصول والتوصل مفهوماً عاماً وقد سئم حتى الرأي العام الحديث به، بل أصبح من النادر أن نصادف خلال حياتنا العملية موظفاً كفوءً يؤدي واجبه بصفة صحيحة. ويجري هذا في مرافق الحياة كافة من دون استثناء والمحصلة واضحة: كارثة على جميع المستويات.
وفي العمل الخارجي، طالما شاهدنا شخصيات أوفدت للخارج للعمل كسفراء، وهم في الواقع مبعدون عن الحياة السياسية، أو شخصيات يراد لها أن تستمتع بمزايا الخدمة الخارجية ولكن من دون استحقاق ولو بدرجاته الدنيا، فتجد سفيراً لا يعلم معنى الدبلوماسية، ولا حتى ألف باء العمل الدبلوماسي، وملحقاً عسكرياً لا يعرف أبسط المفاهيم العسكرية، وملحقاً اقتصادياً لا يعرف حجم التبادل التجاري بين بلاده التي أوفدته، والبلد، الذي يعمل فيه! فقد أرسل ليتولى هذا المنصب، فقط، لأنه شقيق زوجة المسؤول الفلاني، أو قريبه بدرجة ما، أو من عشيرته، أو من بلدته، أو من الحزب السياسي، الذي ينتمي إليه، ولهذا تعاني المؤسسات من عجز لا يمكن تصوره، والنتائج، بطبيعة الحال، لا تسر القارئ. وأمثال هؤلاء الموفدون لا يجهدون أنفسهم حتى بتعلم المهنة، لأنهم نالوها من دون استحقاق وسيتمتعون بها طالما هم يتمتعون بالصلة مع (س)، التي أهلته لهذا المنصب المهم، الذي يدفع الشعب راتبه وتمتعه من عرق جبين الكادحين.
ذات يوم قلت لشخصية حكومية، وكنت صادقاً ومخلصاً فيما قلت: "ليت شعري ماذا يفكر السيد (س) وهو يتناول فطوره ثم يضع رباط العنق ويرتدي سترة فخمة، ويذهب إلى العمل، وأي عمل! رئيساً للوزراء!، ترى بماذا سيجيب وزير المالية إذا سأله ضرورة عمل مناقلة، أو تدابير العجز في الميزان التجاري، أو معالجة التضخم، وهناك تقليعة جديدة أن يكون حتى المستشارون أشباه أميين، أو وزير لا يعرف عن شؤون وزارته حتى الخطوط العريضة، ونسمع يومياً تبؤ فلان وهو بالكاد يفك الخط خريج ابتدائية. فأجابتني تلك الشخصية: "لا توجد مشكلة فوزير المالية نفسه لا يعرف ما تعني المناقلة" ما العمل.. لا شيء سوى انتظار أن تتوقف الطاحونة ذات يوم عن الجرش والهرش..  
والكارثة الأكبر هي عندما يصل بعضهم إلى الزعامات القيادية في الأحزاب الثورية بأساليب ما أنزل الله بها من سلطان فهذا هو عجب العجاب والعجائب. وفي تقاليد الحركات الثورية، هناك شروط صارمة لتولي المناصب القيادية وهي قائمة على ثلاثة شروط رئيسة وسوى ذلك صعود غريب سيحين يوم سقوطه الغريب:
1.    القدرة التنظيمية: وهذا يتطلب أن تكون له خبرة وإمكانية جيدة عمل في مختلف القيادات السياسية.
2.    القدرة الثقافية/ الفكرية: وهذا يتطلب أن يكون القائد السياسي على درجة رفيعة من الثقافة.
3.    التاريخ والتجربة النضالية: وهذا يعني أن يكون القائد قد خاض عمار معارك نضالية صعبة اجتازها بنجاح.
وقد هبط اليوم مستوى التقاليد الثورية إلى درجة بحيث شاع بدرجة ما توريث الزعامة السياسية إلى الأبناء بعد وفاة الآباء، ويجري ذلك على صعيد توريث الحكم والزعامة الحزبية من ضمنها.. والغريب أن بعض الكوادر القديمة لا تمانع هذه العملية المسلوقة (وأحياناً المشبوهة)علناً، لأنها فقدت القدرة على النطق العلني، فيدور كل شيء في الخفاء، لذلك تشيع التكتلات الحزبية لأن لا أحد يستطيع الإدلاء برأيه علناً ولا يغامر برأسه، والتكتلات آفة العمل السياسي/ الحزبي، وشيوع واتساع ظاهرة الاستزلام في الأحزاب الثورية، حتى بلغ الأمر أن يمارس الاستزلام والتكتل في القيادات الصغيرة، وهكذا يتسلل العطب إلى التنظيمات الثورية أيضاً.. فهذه الظواهر متلازمة الواحدة تسحب الأخرى، وتعدد الأقطاب يقود أيضاً إلى سهولة عمليات الاختراق، وهي آفة الآفات، وهكذا يفقد الحزب الثوري خصائصه الثورية ويتحول إلى تجمع لا علاقة له بالتغيير، الذي تعلق الجماهير آمالها عليه!
ومن المؤسف أن يصبح حتى التعليم ملعباً للغش والتزوير، ففي إطار هبوط عام يصيب البلاد والمجتمع، وإذا كان الخوف من القانون قد ذهب مع الريح، ففي الأقل، ينبغي أن يكون هناك حياء يتمتع به الإنسان السوي، وأن لا يهبط إلى مستوى الجدل (إدعاء العلم). وبلغ الأمر بالناس (للأسف) أنهم صاروا يتقبلون ويألفون (بحكم الاستمرارية والعادة) فكرة الشهادة الدراسية والعلمية المزورة، وبعضهم يتفهم ويجد العذر لمن يزور الشهادة العلمية مع أنها تعدّ جريمة في القانون يعاقب عليها بالسجن. وآخر يبلغ الإسفاف به درجة أن يقول: "يعني الدكتوراه مشكلة؟" فأجيب: بالطبع ليست مشكلة، ولكن الأمر يحتاج لأن يربط الإنسان نفسه على مقعد الدراسة لنحو 10 سنوات (كلية/ ماجستير/ دكتوراه) يكد فيها بمعدل بين 7/ 10 ساعات يومياً. والشهادة الجامعية تعني أنه مؤهل للبحث في تخصص معين ولا تعني مطلقاً أنه مثقف، وبعض من هؤلاء يتجرأ ويطرح نفسه كمفكر حتى.
وفي بلداننا فإن الأمر قد تحول إلى مشكلة حقيقية، فهناك كم غير معروف، ولكنه حتماً بالألوف من شهادات الثانوية والكليات، وللأسف شهادات الماجستير والدكتوراه، إما مزورة بنحو كامل، أو أنه اشتراها من مؤسسة علمية/ تجارية، أو من جامعة غير معترف بها، وشخصياً واجهت الكثير من هؤلاء، ينتحلون شهادات وألقاب علمية (في الطب والقانون، والاقتصاد، والسياسة والتاريخ.. الخ). وفي البلدان التي يحترم فيها القانون، يتعرض من يحمل شهادة مزورة أو صادرة من جهة غير معترف بها علمياً للمساءلة القانونية، كمن يحصل على شهادة طبيب من سمكري أو نجار، شهادة لا تساوي حتى الورق، الذي كتبت عليه، ولكن صاحبها يضعها في إطار فخم وتعلق في صدر الصالون كتحفة، وحاملها يضع (د.) قبل اسمه الكريم، الذي قد يكون اسماً وشخصاً كريما حقاً، وقد يكون شخصية لطيفة من دون هذا اللقب، ولكن للناس في ما يعشقون مذاهب..
لاحظ، عزيزي القارئ، أن هذه الظاهرة باتساعها تمثل مشكلة خطرة، وهي تنمو طولاً وعرضاً، كما ونوعاً، وهناك أشخاص كنا نعدّهم من الشخصيات المحترمة، فإذا بهم يجازفون بسمعتهم الطيبة ويقامرون مقابل مكاسب تافهة لا قيمة جوهرية لها، وهذا يعبر، بدوره، عن تغيير في قيمة اعتبارات النزاهة والكرامة وتجنب السقوط في مزالق معيبة، للأسف هذه ظواهر بقدر ما هي مؤسفة، هي مزعجة أيضاً أن يفقد الناس القدرة على الخجل.. ذلك كله مؤسف.. مؤسف بدرجة كبيرة، ولهذا السبب وغيره انحدرت مستويات القيم السياسية والاجتماعية والثقافية إلى هذه الدرجة المؤلمة، فهؤلاء الذين نعنيهم هم المسؤولون بدرجة أساس عن حالة الانحطاط، وبعدها الإمبريالية والصهيونية والأعداء الخارجيون عليهم اللعنة أجمعين.....

لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (وكالة الحدث الاخبارية)