هل توقفت الحرب العالمية الثانية بين الأضداد؟
د. قيس النوري
مذ تبلور الهيكل السياسي للدولة بمغادرة البشرية الأشكال البدائية للعلاقات بين المجتمعات، ترسّخ مبدأ الصراع بين الوحدات السياسية متخذاً صيغاً متعددة تعبر عن المصالح وتتطلع لتحقيقها.
وصلت ذروة الصراع إلى صدام مسلح عبّرت عنه حربان عالميتان راح ضحيتها ملايين البشر، ثم انبثاق منظمة أممية على أثرها تمثلت غايتها ليس فقط في منع الحرب، وإنما بترسيخ هيمنة الخمسة الكبار على المسرح الدولي فيما أطلقوا عليه (مجلس الأمن) ليمارس بصلاحياته المانعة كبح أي مسعى يتجاوز تطلعات هؤلاء الكبار.
ترسخ هذا الواقع في العالم عندما توقفت المعارك الفعلية للحرب العالمية الثانية، لكن السؤال هل انتهت الحرب فعلا؟
في الواقع لم تتوقف الحرب بين الأضداد، وإنما اتخذت ألواناً وأساليب أخرى، حيث ظل رفض فكرة مساواة الدولة مع دولة أخرى هو السائد في حركة السياسة الدولية، هذا الهاجس وظف واستخدم وسائل متعددة، منها سطوة البنوك الدولية والاستخبارات ومافيا المخدرات وتجارة الأسلحة، وأصبح لكل دولة عظمى جهازها الأيديولوجي يسوّق لها أفكارها بالضد من دعاوى الدول الأخرى، مستخدما متغيراً جديداً تمثل بالإعلام الموجه (الدعاية السوداء وأساليب الحرب النفسية)، الذي نجح في أن يجعل من الذبابة فيلاً.
في بعض المراحل تصاعد الصراع نحو منحنيات خطرة كادت أن تعصف بالعالم نحو هاوية الحرب النووية، منها أمثلة، ليست على سبيل الحصر، أزمة الصواريخ النووية في الجزيرة الكوبية مطلع ستينيات القرن الماضي، ومنها الغزو السوفيتي لجيكوسلوفاكيا العام 1968، وهو ما عرف بالأدبيات السوفياتية بعملية (دوناي) وهي عملية استخبارية صرف أو (ربيع براغ) حسب الترويجات الغربية، تلك العملية، التي أودت بتطلعات القائد (دوبشك) بسعيه لمحاولة التخلص من سطوة موسكو على بلده، حين هبطت طائرات الجيش الروسي في اقتحام علني للبلد لتسحق أنصار (دوبشك) بالدبابات الغازية. ثم يأتي غزو السوفييت لأفغانستان العام 1979، في تحرك ذي أبعاد استراتيجية لا تهدد المصالح الغربية حسب، وإنما جاء أيضا تهديداً للنزعة الصينية بافتراقها عن خط موسكو، لترد الولايات المتحدة على الخطوة الروسية تلك بالبدء بتفتيت أوروبا الشرقية عبر البوابة البولونية وعرابيها البابا (بولس السادس) وبريجنسكي والنقابي ليش اليزا.
قبلها، وفي خضم الصراع بين الغرب والشرق، تنبهت موسكو إلى تملل الشعب الأوكراني وسخطه بمحاولته الاستقلال، قاد ذلك الحراك قائد أوكراني من القوميين الأوكرانيين يحظى بالتفاف شعبه، القائد (أنديرا) مدعوماً من الدوائر الغربية وإعلامها في أطار سعيها لتطويق وإجهاض فكرة الثورة العالمية وفعلها، والتي رفعها الاتحاد السوفياتي حيث طرحت، أول مرة، في مؤتمر شعوب الشرق العام 1919، بعد انتصار الثورة البلشفية.
في حقبة الأربعينيات والخمسينيات دشن العالم نمطاً جديداً من المواجهة تمثل بعقد الأحلاف الفرعية أولها ميثاق (سعد آباد) ليعقبه حلف بغداد (السنتو لاحقاً) وهو فرع مكمل لحلف الناتو وأحد أذرعه المواجهة لحلف وارشو الشرقي، قبل هذا كانت هناك أشكال أخرى من الحروب أعقبت توقف الحرب العالمية الثانية، أبرزها الاستخبارات النووية، حيث نجح العملاء السوفييت بسرقة مخططات صنع القنبلة النووية من مختبرات (لاس الموس) الأميركية وتسريبها إلى العلماء السوفييت، الذين فجروا قنبلتهم الاختبارية الأولى العام 1950 ، ثم تتوالى قصص اختراق مفاصل الأجهزة الأمنية من الطرفين، وهو جهد استخباري حربي أنصبّ، بالدرجة الأساس، على محاولة إدراك القدرات العسكرية وكشف خططها الهجومية استعداداً للمواجهة الساخنة، إن حصلت.
هذه الشواهد والوقائع التاريخية، وغيرها الكثير في أكثر من بقعة من العالم، مثلت، في الواقع، نوعاً آخر من الحروب، بل هي امتداد واستمرار لما بعد الحرب العالمية الثانية، وبهذا المعنى فإن تلك الحرب لم تتوقف بقدر ما اتخذت أشكالاً وأساليب جديدة بسبب الرعب النووي واحتمالات التدمير الشامل المتبادل.
لقد تساوى الغرب والشرق معا في طبيعتهما الاستعمارية والنزوع للهيمنة مستخدمين مختلف الأساليب التضليلية والعلنية معاً، بعضها بغطاء أيديولوجي والآخر بالتلويح بمباهج الرفاه، والهدف دوماً توسيع النفوذ والسيطرة على الموارد، وهو نزوع يهدد البشرية بحروب تدميرية ما دام مبدأ المساواة بين الدول مغيباً.