الحركات المسلحة مصدر التوتر والسلام في السودان
محمد أبوالفضل
المجلس العسكري والحرية والتغيير يريد إنجاز تفاهمات مع الجبهة الثورية لتكون إضافة إليه، قبل أن تصبح عبئا، فهو المظلة الجامعة للقوى السودانية المعارضة التي هُضمت غالبية حقوقها.
مستقبل السودان رهين كسر قيود إرث الماضي المكبلة
وضع توقيع المجلس العسكري وقوى المعارضة المدنية في السودان على الإعلان السياسي بشأن تشكيل هياكل ومؤسسات الحكم هذا البلد الأفريقي على عتبة مرحلة انتقالية لن تظهر ملامحها دون اكتمال بقية التفاصيل والتي من بينها توضيح أوضاع الحركات والفصائل المسلحة والتوصل إلى تفاهمات معها تفتح الطريق لاستكمال مسيرة التسوية وتجنب خطر إطالة بما قد يعيده للمربع الأول.
احتلت مفاوضات أديس أبابا بين تحالف الحرية والتغيير والجبهة الثورية، وتضم ثلاث حركات مسلحة رئيسية، أهمية كبيرة لدى دوائر سياسية كثيرة، لأنها قد تصبح مدخلا للتوتر أو مصدرا للاستقرار والسلام في السودان خلال الفترة المقبلة. ومهما كانت النتيجة التي ستصل لها عند ختامها المتوقع مساء الثلاثاء، فهي ستؤثر على مجمل التطورات اللاحقة بعد أن تأكد الجميع أنها رقم محوري في المعادلة السودانية.
أدى هذا اليقين إلى تركيز التحالف على تحقيق اختراق يضم القوى الثلاث، وهي: الحركة الشعبية لقطاع الشمال- جناح مالك عقار، وحركة تحرير السودان- جناح مني أركوى ميناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وبموجبه يمكن أن يتزايد تماسك التحالف المعارض، فهذه القوى انضمت إليه مبكرا، لكنها بدت بعيدة عن الكثير من مفاوضاته مع المجلس العسكري، ولها تحفظات على الإعلان السياسي الذي تم توقيعه الأسبوع الماضي ويمثل خطوة كبيرة ومقدمة ضرورية لتجاوز جملة من التعقيدات السودانية.
يريد التحالف إنجاز تفاهمات مع الجبهة الثورية لتكون إضافة إليه، قبل أن تصبح عبئا، فهو المظلة الجامعة للقوى السودانية المعارضة التي هُضمت غالبية حقوقها خلال العقود الثلاثة الماضية. ويعد التوافق على أساس القواسم المشتركة رصيدا إضافيا، وعونا سياسيا في المرحلة التالية من المفاوضات مع المجلس العسكري، والتي تقود إلى التوقيع على الإعلان الدستوري، الذي تأجّل إلى حين انتهاء قوى التحالف من مفاوضاتها مع الجبهة الثورية.
خطب المجلس العسكري ود عناصر في الجبهة الثورية، واقترب كثيرا من حركة تحرير السودان- جناح مناوي، خلال لقاءات عقدت في تشاد الشهر الماضي. وتحاول جنوب السودان تمهيد الطريق لمزيد من الحوارات، وهو ما يضفي بريقا على ورقة الحركات المسلحة التي أصبحت مهمة في حسابات القوى السودانية، ويجعلها عنصرا مهما في التوازنات القادمة.
ولذلك سيأتي دور الحوار مع فصائل، مثل الحركة الشعبية- جناح عبدالعزيز الحلو، وحركة تحرير السودان- جناح عبدالواحد النور المقاطعتين للحرية والتغيير، لأنه من الصعوبة إتمام أي اتفاقيات أو ترسيخ سلام من دون مشاركة الحركات النشطة في إقليم دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
التحالف يريد إنجاز تفاهمات مع الجبهة الثورية لتكون إضافة إليهالتحالف يريد إنجاز تفاهمات مع الجبهة الثورية لتكون إضافة إليه
وأكد المجلس العسكري عزمه على التواصل مع حركتي الحلو ونور، وأبدى تحالف الحرية والتغيير رغبة في ذلك أيضا. ما يشير إلى أن المسألة ربما تدخل مجال المزايدات والمناورات وتستغرق وقتا أطول، لأن قيادات الحركات المسلحة تريد أن يكون السلام مقدما على عملية تقسيم السلطة، ما يستوجب التوصل إلى صيغة تضمن لكل طرف تحقيق أهدافه، حتى لو أدى الأمر إلى إعادة النظر في اتفاق الإعلان السياسي نفسه، الذي اعتقدت بعض الأطراف أن التوقيع عليه بالأحرف الأولى يطوي صفحته ويفتح صفحة بيضاء للتفاهم حول الإعلان الدستوري الذي تفسر مضامينه الجديدة بنود الإعلان السياسي.
تحديات محادثات أديس أبابا
نكأت حوارات الجبهة الثورية المستمرة مجموعة من الجروح في مفاوضاتها مع قوى الحرية والتغيير في إثيوبيا، بينها عدم اقتناعها بتضمين مطالبها في الإعلان الدستوري فقط، وأصرت على أن تكون جزءا من الإعلان السياسي، باعتباره الأساس في حل الأزمة والمركز الذي تدور حوله جميع المحتويات اللاحقة، بما يعيد الكرة إلى ملعب التفاوض مجددا، ويخلق مشكلة محاصصة مرفوضة وقاتمة وتم تجاوزها منذ فترة. وتمثل هذه النقطة واحدة من تحديات محادثات أديس أبابا الصعبة.
لم يفوّت المجلس العسكري الفرصة، وألمح مؤخرا على لسان الفريق أول ياسر العطا، نائب رئيس اللجنة السياسية في المجلس، في تصريحات نشرتها الاثنين صحيفة الانتباهة السودانية، إلى عدم استبعاد فتح الاتفاق مرة أخرى للتفاوض، إذا كان ذلك “يوقف الحرب ويزيل معاناة المواطنين في مناطق الحروب”، لافتا إلى إمكانية تضمين “ملحق” للاتفاق السياسي.
قد تنطوي هذه الإشارة على تسامح كبير من قبل المجلس، لكنها تفتح الباب أمام العودة إلى المربع الأول، والحديث عن مراعاة حقوق الفصائل المسلحة بشتى أطيافها، بما فيها التي لم تنضم أصلا إلى قوى الحرية والتغيير وترفض الإعلان السياسي، ويعتزم المجلس العسكري الحوار معها قريبا، أي حركتي الحلو ونور.
ويدرك المتابعون للأزمة أن الحركات التي خاضت معارك مع قوات الأمن السودانية لفترة طويلة يصعب تجاهلها، لأنها تمتلك السلاح بوفرة، وتتبنى مطالب شريحة من المواطنين تعتقد أنها عادلة، وتهيمن عليها فكرة الحصول على تعويضات مناسبة عن الخسائر التي تكبدوها، وعمليات التهجير التي لحقت بقطاع كبير منهم.
كما أن رؤية بعض القوى الغربية التي لم تفارق أعينها التطورات الأخيرة في السودان رهنت التقدم السياسي بمدى ما يتحقق على صعيد السلام في المناطق التي شهدت حروبا ضارية، ما يلقي على المجلس العسكري والحرية والتغيير مسؤولية مضاعفة، ويمنح الفصائل قوة في مفاوضاتها مع أي منهما، ويفسر السباقات الراهنة في الحوارات المتعددة.
ومع أن الإعلان السياسي عكس هذه الأهمية عندما خصّص الأشهر الستّة الأولى للسلام في أقاليم السودان، غير أن الإصرار على ضماناته من جانب الفصائل يفيد بعدم وجود ثقة في الصيغة الجديدة، المتعلّقة بالمجلس السيادي والحكومة المدنية، وأن بناء سلام حقيقي هو المدخل الأكثر أهمية. ويوحي أيضا برغبة قيادات الحركات المسلحة في الحصول على ما يوفر لهم حصانة قانونية بعدم الملاحقة القضائية مستقبلا. فعدد كبير منهم صدرت في حقهم أحكام بالإعدام تتطلب محوها أولا.
صراعات الحركات المسلحة
بدت خلافات الحركات المسلحة البينية، أحد مصادر ضعفها، وعدم قدرتها على انتزاع مكاسب من نظام الرئيس المعزول عمر حسن البشير، الذي وظّفها لصالحه في إطالة أمد الحرب، وتبرير تقاعسه عن التوصل إلى اتفاقات سلام ثابتة. وهي معضلة يمكن أن تتكرر في ظل منافسات خفية ومعلنة من جانب المجلس العسكري والحرية والتغيير بشأن آليات التفاوض مع الحركات المسلحة.
ويخشى البعض من المراقبين أن يفضي الحرص الشديد على استرضاء الفصائل العسكرية إلى التأثير سلبا على سرعة إنجاز الخطوات اللازمة لتطبيق الاستحقاقات السياسية على الأرض. ومع الارتباك في الأولويات يمكن أن تتجمد الكثير من التحركات الرامية إلى الانتهاء من مرحلة التفاوض والدخول في عمق مرحلة التنفيذ مباشرة، قبل أن تجد القوى الفاعلة نفسها أمام واقع مرير على الأرض، في ظل معلومات ذهبت إلى أن فلول البشير وعناصر كثيرة في الحركة الإسلامية بدأت تتحرك على جبهات عدة لوضع عصي متينة في عجلات العملية السياسية. ناهيك عن قوى خارجية لم ترتح لعزل البشير وتسعى إلى استرداد نفوذه وأتباعه من خلال زيادة التناقضات بين القوى السودانية.
من الصعوبة إتمام أي اتفاقيات أو ترسيخ سلام من دون مشاركة الحركات النشطة في إقليم دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق
تؤكد جملة المعطيات المتفرقة أن أطرافا عدة دخلت في متاهات سياسية لا تدري كيف ستخرج منها، وما هي الأدوات اللازمة لذلك. فقوى الحرية والتغيير تتفاوض مع الجبهة الثورية وتريد التوصل لتفاهمات مقنعة معها، ولا تعرف مصير العلاقة مع الحركات المسلحة الرافضة لدورها، وتواجه انقسامات داخلية فجّرها الحزب الشيوعي صراحة بقراره رفض الإعلان السياسي.
وأصبح الحديث متواترا حول تفاصيل بعض التفاهمات في صفوف المعارضة بأنها تسبق الحديث عن التفاوض لإنجاز الإعلان الدستوري كخطوة أخيرة لحل الأزمة. ويظهر الارتياح على توجهات المجلس العسكري عندما يرى الارتباك يخيم على المعارضة، والعكس. وإذا كانت الأولى غير قادرة على إدارة الحوار مع نفسها، فهل تستطيع إدارته معه؟
من هذه الزاوية قد تظهر مفاجآت عندما يحين وقت الجلوس لاستئناف التفاوض حول الإعلان الدستوري، لن يصب مجملها في صالح المعارضة، وربما تؤكد أن هواجسه السابقة حيال طريقة تعامل قوى الحرية والتغيير مع الأزمة تتجاوز الفكرة المثالية والبسيطة لتشكيل حكومة مدنية، لأن مشكلات السودان معقدة وتحتاج إلى رؤية عملية وشاملة تراعي طبيعة التحديات، لأن القضية لن تتوقف عند الحركات المسلحة، فهناك ما هو أعظم لم يظهر بعد.
كاتب مصري