حروب النفط المستمرة
(من يسيطر على حنفية نفط الشرق الأوسط
يسيطر على العالم)
وليم سايمون وزير الخزانة الأميركي الأسبق
1948
د. قيس النوري
منذ العقد الثاني من القرن الماضي، شهد العالم حروب عديدة كان الجوهر الدافع لها هو النفط، حدث هذا وتكرر في أكثر من بقعة وجد النفط فيها باعتباره سلعة ذات طبيعة استراتيجية أكثر منه سلعة تجارية.
بعد فك ارتباط الدولار بالذهب، ازدادت أهمية النفط بالنسبة لقوة الدولار، حيث أرتبط النفط بالدولار فأكتسب قيمة حقيقية أكثر قوة من الذهب، من هنا فأن حروب أميركا تمثل بالسعي لأحكام القبضة على مكامن النفط كونه يدخل في صلب مفردات قوتها من جهة، وأحد أدوات المواجهة أمام القوى الدولية الصناعية الأخرى.
أحدث هذه الحروب وأشدها ضراوة كانت الحرب على العراق (1991ــ2003)، حيث لم تمضي إلا سنوات قليلة على تأميم نفط العراق حتى بدأت مراكز البحوث ودوائر صنع القرار الغربية، الأميركية منها بشكل خاص، في وضع الخطط والتصورات لغزو العراق واحتلاله.
في عام 1975 ، صدر في الغرب كتاب بعنوان (Crash79 )، تعامل الكثير ممن قرأوه باعتباره مجرد سيناريو خياليا لمستقبل المنطقة ذهب مؤلفه بعيدا في الخيال ، التقارير الأميركية التي تكشفت مؤخرا تثبت أن ما جاء به ذلك الكتاب لم يكن خيالا وإنما مخطط مستقبلي شديد الوضوح لما سوف تشهده المنطقة ، كونها تحتوي على أكبر مخزون للطاقة ، وفي ديسمبر/كانون أول 1979 حذر تقرير أعدته لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي بضرورة أن تولي الحكومة الأميركية حرصها بضمان تدفق الامدادات النفطية للغرب في أطار أجواء مسيطر عليها ، والعمل على تحييد التطورات المحتملة التي تهدد الهدف الاستراتيجي لمصالح الغرب ، هذا التقرير وغيره دفع الرئيس الأميركي الأسبق(جيمي كارتر) أن يرسل فريقا في 2/1/1985 لتقصي الأوضاع في دول الخليج العربي ، خاصة الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية ، ترأس الفريق(السناتور برادلي) ، هذا الفريق الاستقصائي زار السعودية والامارات والكويت وقطر والبحرين ، كانت محصلة بعثة (برادلي) تقييم بما ستؤول أليه الأوضاع لما بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية ، ومن ثم وضع المشاهد المحتملة التي يجب أتباعها ، حيث أوصى تقرير برادلي بضرورة أتباع سياسة تأزيم العلاقات البينية في منطقة الإقليم فيقول: ( علينا أن نزرع الخوف والرعب في صدور الخليجيين ضد أي قوة تهددهم ، وأن نبالغ في تخويفهم للحصول على موافقة تبيح لنا التواجد الدائم في المنطقة دون حساسية ، ويجب أن نستخدم الإعلام بشكل مكثف وفوق العادة لخلق شيطان في المنطقة ، يبيح لنا التدخل للقضاء على الشيطان) كان الشيطان المقترح هو العراق باعتباره أكبر قوة شرق المتوسط تهدد حلفائهم في (إسرائيل).
لاحقا، واستمرارا لتهيئة المسرح للعمل القادم، ففي عام 1988 أعدت وزارة الدفاع الأميركية، دراسة بعنوان (استخدام القوة العسكرية في تأمين نفط الخليج) رفعت إلى الرئيس الأميركي الأسبق (رونالد ريغان) ناقشها مع دوائر صنع القرار في حكومته، أكدت ما ذهبت إليه الدراسات والتوصيات السابقة بهذا الصدد، ليضيف ريغان معلقا:( أن نفط الخليج لا يهم حكام الخليج إلا بالقدر الذي يجعلهم أثرياء، أما نحن فيهمنا بالشكل الذي نشغل به مصانعنا ومؤسساتنا العسكرية والاقتصادية).
التقارير والدراسات المشار إليها تتناول تفصيلات مذهلة عن خطط الحرب على العراق( نشر البعض منها في مجلة تايم الأميركية في أكثر من عدد) ، وهي بمجملها تهدف إلى السيطرة على عموم المنطقة ، باعتبارها اقليم نفطي مترابط، وليس العراق وحده ، مع ملاحظة وفهم مغزى علاقات التسلح الأميركي للدول العربية ، كونها وفق التصور الأميركي ليست موجهة ضد مصالحهم ومصالح (إسرائيل) بقدر ما هي معدة أصلا كي يضرب العرب بعضهم ببعض ، أضافة لكونها مخازن ميدانية لقواتهم ، حيث يشير أحد هذه التقارير صراحة إلى ( الدخول في برامج عسكرية متطورة مع الدول العربية الصديقة ، للاستفادة منها في أوقات الازمات ، أضافة إلى أنشاء مخازن عسكرية للمعدات الأميركية في دول الخليج لاستخدامها وقت الحاجة) وهذا ما حصل بالفعل في الحرب التي شنت على العراق لاحقا.
فصول وصفحات حروب أميركا من أجل النفط لم تنتهي بعد، هناك مكامن نفطية في المنطقة، بعضها منتج وأخرى محتملة، خارج السيطرة الأميركية في جغرافية الإقليم النفطي الممتد من العراق والخليج ولغاية أقصى الحافات الجنوبية للجزيرة العربية تندرج جميعها في خطط السيطرة عليها بالحرب أو الإذعان. في عام 1936 كتب المؤرخ العربي الراحل يوسف إبراهيم يزبك كتابه الشهير (النفط مستعبد الشعوب) والذي شكل نبؤه مبكرة بالنسبة لدول العالم الثالث التي أكتشف في أراضيها النفط.
أخيرا، هل من مدرك يتعظ ويغلب ويصون المصالح الوطنية والقومية ويقطع الطريق على مطامع قراصنة العصر.