قانون الانتخابات العراقي الجديد ومعضلة الدوائر الانتخابية

آخر تحديث 2020-09-20 00:00:00 - المصدر: اندبندنت عربية

على الرغم من تصويت مجلس النواب العراقي بتاريخ 24 ديسمبر (كانون الأول) 2019 على قانون الانتخابات الجديد، إلا أن الجدل ما زال قائماً حول المادة 15 منه التي تنص على أن "الدوائر الانتخابية تنقسم على أساس دائرة انتخابية واحدة لكل قضاء في المحافظة". وتتمحور خلافات القوى السياسية حول كيفية اعتماد الدوائر المتعددة، فهل يصار إلى اعتبار أن المحافظة تشكّل دائرة واحدة، أو يتم تقسيم المحافظة إلى دوائر انتخابية عدة. يرى البعض أن مصطلح الدوائر المتعددة جاء مبهماً، فليس هناك معيار متفق عليه لحجم الدائرة، هل هو القضاء بحدوده الجغرافية أو الاعتماد على طريقة مقعد لكل 100 ألف نسمة.
يستند نظام الدائرة الانتخابية الواحدة الذي سارت عليه كل الانتخابات البرلمانية السابقة إلى جعل العراق بكل محافظاته وإقليم كردستان دائرة انتخابية واحدة، أي أن القوائم الانتخابية تتنافس في ما بينها على المستوى الوطني، وليس على مستوى الإقليم والمحافظات، فيحق للناخب في أي محافظة التصويت لأي مرشح إذا كانت القائمة مفتوحة، أما في ظل نظام الدوائر الانتخابية المتعددة، فستكون لكل محافظة وإقليم دائرة انتخابية مستقلة عن غيرها، يتنافس فيها مرشحون وقوائم من أبناء الدائرة الانتخابية بمعنى أن المرشح والناخب يجب أن يكونا من محافظة واحدة.

لا عودة إلى الدائرة الواحدة

يتفق الجميع على أنه لا يمكن العودة إلى نظام الدائرة الواحدة، كون أن البرلمان صوّت على قانون الانتخابات الجديد بمجمله، وهو يضم مادة تنص على الدوائر المتعددة.
ويرى النائب عن "تحالف سائرون" غايب العميري أن "البرلمان سيتجه للتصويت على نظام الدوائر المتعددة استجابةً للضغط الشعبي ورأي المرجعية". ويوضح لـ"اندبندنت عربية" أن "الدوائر المتعددة هي الأنسب للظرف العراقي الحالي لأن الدائرة الواحدة جرّبت منذ عام 2005 ولم تحقق التقدم للعراق. أرى أن العراق لا يتطوّر إلا بقانون انتخابات عادل ومنصف، وفي الوقت الحالي نحتاج إلى قانون الدوائر المتعددة". ويعتبر العميري أن "الاعتماد على الدوائر المتعددة سيضمن تمثيلاً حقيقياً للشارع العراقي".
في السياق ذاته، أوضح النائب عبد الأـمير حسن تعيبان عن "تحالف الفتح" أن قانون الدوائر المتعددة "مطلب جماهري شاءت الكتل أو رفضت، وعليه فإن البرلمان سيصوّت عليه".
 

الكتل الكبيرة لا تعارض الدوائر المتعددة

من جهة أخرى، غالباً ما توجَّه الاتهامات إلى الكتل الكبيرة والأحزاب التقليدية بالوقوف ضد الدوائر المتعددة كونها ستخسر جمهورها في حال الاعتماد على هذا النظام، وستتغير خريطة البرلمان لصالح قوى سياسية جديدة، إلا أن النائب حسين عرب عن "كتلة عراقيون" يرى العكس من ذلك، فيؤكد أن "الكتل السياسية الكبيرة لا تقف ضد الدوائر المتعددة، لكن هناك خلافات حول عدد المقاعد لكل دائرة انتخابية. بعض الكتل يعتبر أن الدائرة الانتخابية تتكوّن من أربعة مقاعد نيابية لكي يتم ضمان الكوتا النسائية، في حين تتجه كتل أخرى لفكرة مقعد واحد لكل دائرة انتخابية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


مشكلات أخرى

اعتمد قانون الانتخابات في المادة 15 منه على تقسيم المحافظة إلى دوائر انتخابية لكن القانون لم يحدد السقف الأعلى لتقسيم المحافظة، أي عدد الدوائر التي تخص كل محافظة. ويتجه البعض إلى تقسيم المحافظة أربع دوائر وآخرون إلى خمس.
في هذا الإطار، يوضح النائب عن اللجنة القانونية النيابية وممثل المكوّن الأيزيدي صائب خدر، أن "الكتل الكبيرة بدأت تنقسم في الرأي وكل توجه يذهب وراء مصلحة". ويقول لـ"اندبندنت عربية" إنه "بالإمكان الاعتماد على الدوائر المتعددة ولكن من دون  المبالغة فيها، أي لا يمكن الذهاب إلى سبع دوائر انتخابية بل من الممكن تحديدها بخمس دوائر فقط".

خطر دمج الدوائر

ويشير خدر إلى أن "المشكلة في تطبيق هذا القانون ستظهر في المناطق المتعددة القوميات والأديان مثل كركوك ونينوى. فعلى سبيل المثال، لا يمكن دمج تلعفر ذات الغالبية التركمانية مع سنجار ذات الغالبية الأيزيدية لكن بالإمكان اعتبار سنجار دائرة واحدة وتلعفر دائرة واحدة لضمان وصول نواب يمثلون سكان هذه المناطق"، معرباً عن اعتقاده بأنه "من الممكن أن تصب الدوائر الانتخابية المتعددة في صالح الأقليات شرط أن يراعي تقسيم الدوائر التركيبة الاجتماعية للمناطق، لا أن تُدمج المناطق بالشكل الذي يهدر أصوات الأقليات".
أما الصحافي العراقي زياد السنجري، فيقول إن ‏"التقسيمات والدوائر الانتخابية لا بد من أن تراعي حجم السكان، فلا يمكن أن يكون قضاء تلعفر دائرة انتخابية واحدة وقضاء سنجار دائرة انتخابية واحدة، بينما مدينة الموصل التي يبلغ عدد سكانها مليونَي نسمة دائرة انتخابية يتم دمجها مع أقضية البعاج والحظر".

التغيير الديموغرافي

ويحدد السنجري مشكلات أخرى تتعلق بتغيير التركيبة الاجتماعية للسكان في الموصل، الأمر الذي يعتقد أنه سيؤثر في نتائج الانتخابات وعدم وصول ممثلين عن المحافظة إلى البرلمان، إذ يوضح لـ"اندبندنت عربية" أن المدينة شهدت الكثير من التغيير الديموغرافي، فبعد انتهاء العمليات العسكرية ونزوح سكان الأقضية والنواحي جنوب المدينة وغربها إلى المخيمات أو بعض المحافظات، سيطرت الميليشيات على الكثير من مناطق نينوى، فتمكّنت القوى السياسية التي تمثل الميليشيات من الحصول على مقاعد لها داخل المحافظة و"استطاعت قائمة الفتح حصد مقاعد داخل محافظة نينوى حيث أصبحت بعض الأقضية والنواحي مسيطر عليها بشكل تام من قبل الميليشيات الولائية مثل قضاء تلعفر الذي هجره المكوّن السني وكذلك القرى والمجمعات السكنية في قضاء سنجار".

الخطوط الطائفية باقية

من ناحية ثانية، يوضح رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري أن "القوى السياسية ستعمل على صياغة قانون انتخابي يتناسب مع مصالحها ووجود جمهورها الانتخابي". ويضيف أن "القوى السياسية قد تمضي باتجاه إقرار دوائر بعيدة من طموح الشعب العراقي أو حتى بما لا يتطابق مع الدستور الذي ينص على أن لكل مئة ألف ناخب ممثل في البرلمان". ويرى أن "الخطوط الطائفية والقومية ستشكّل عاملاً أساسياً في توزيع الدوائر إذا ما تم التخلي عن كون المحافظة دائرة انتخابية واحدة". وعليه يعتبر الشمري أن "الدوائر ستتوزع على الأسس الطائفية والقومية وستقسّم بما يخدم مصالح القوى التقليدية والتضييق على القوى الصاعدة".
ويبدو أن المواجهة الحالية بين ممثلي الشعب في البرلمان من جهة والشعب خارج أروقته من جهة أخرى، وبين طرف يسعى إلى الحفاظ على مكاسبه ويوظف كل القوانين وإن تغيرت لصالحه، وبين قوى سياسية جديدة تسعى إلى سحب البساط من تحت القوى التقليدية لتصحيح مسار العملية السياسية في البلاد.