تساءلات حول كتاب الوحي والقرآن‎

آخر تحديث 2023-08-22 00:00:00 - المصدر: حميد المصباحي

الوحي والقرآن

 


 

الصورة في المقدس:

 

أريد الإشارة إلى أن الفكر الإسلامي الذي اعتبر محرما للصورة ،  ليس الدين 

نفسه، إنما هي اجتهادات مختلفة، فالشيعة مثلا لم تشكل لهم الصورة حرجا لأن 

التاريخ له دور لا يمكن إغفاله، فقد تعلموا  رمزنة الخطاب والحركات أيضا، وفيما بعد 

غدت الصورة جزءا من الحمولة التاريخية للمعاناة التي عاشها أهل البيت واحبتهم  من العرب والعجم، أما الملاحظة الثانية فهي تتعلق بأننا في الدراسات التي تناولها الغربيون ليست علما فقط لأنهم نحتوها بمفاهيم قربت القارئ بشكل وظيفي من الفكرة، أي التعريف من خلال الوظيفة التي تؤديها الصورة، وهو تعريف تنبه له  الغرب متأخرا، لأن العقل البشري كما حدده برجسون مولع بالتجسيد المادي، والصورة  اللغوية أكثر صور الوهم تأثيرا كما اعتقد نيتشه، إن اللحظة المعاصرة بما فيها من  محاولات لردم الهوة الفاصلة بين الحضارات والتمثلات لهي أصدق دليل على أن الفكر  الإنساني يراجع ذاته في أقصى حالات الحيرة، ويعتبر دلك دليل صحة لا اعتلال  فكري، في نظر الكثير من العرب، وهي فكرة محترمة لا لوم على أصحابها،  فالفكر غير  قابل للاختزال أو التحامل، إنه رؤية ومجهود كيفما كانت نتائجه فهو فعل بشري  قابل لمحاورة نفسه وحتى النيل منها، مهما كانت المعيقات. إن الصورة فعل   بشري الغاية  منه، أو منها هي تمثل الكائنات المفارقة أو حتى الطبيعية، تلك التي لها القدرة على استمالة الناس لوجودهم الخاص أو حتى المخيف،  ربما لهدا السبب تخوف  المسلمون منها، واعتبروها تشبها بالخالق، في نظر البعض وليس الكل، أي الاجتهادات  السنية، كما سبقت الإشارة لذلك، أما الفكر الشيعي وبعض الاجتهادات القريبة منه في  الملة وأفكر، فلم تستشعر الإحراج ،  بل حاولت التخلص منه تميزا عن السنة أو تأويلا  للكتاب  المقدس  ومغامرة في البحث عن دلالات الصورة العميقة المرسخة لقيم الجمال  غير المتعارضة مع الغايات الإسلامية في استحضارها لقوة الله وشموخ   خلقه، وهو ما  ذهب  إليه المسيحي، عندما صمت عن تصوير القديسين والحكماء دون أن تمس ستهم، بل إن  اليهودية نفسها لم تخض في هذه الصراعات انتظارا لما ستؤول إليه فيما بين المسلمين والمسيحيين ، لكن ما هي أبعاد هدا الصراع الحضارية التي يسعى المختلفون  دينيا لطمسها؟

الصورة ليست مرئية فقط بل إنها أيضا لغوية، فالمجازات فعل بشري في جماليته وكل أبعاده الفنية، لأن الفكر يتمثل بالصور كان هدا الفعل مند البداية تحولا في  الفكر الإنساني والحضاري البشري،  لأن اللغة به انتقلت من الاستخدامات المادية  إلى رمزية، وهنا كان التحول العميق وبداية الفني الغائر في التجريدية الفلسفية  والفنية بانتقاله من الديني الهيامي والمحدد مسبقا بما ينبغي تمثله كصور لها  غايات فوق بشرية، تهدي إليها الآلهة وحدها أو المختارون من الناس، لكن الصراعات  البشرية تقحم كل الرموز والإنتاجات الثقافية في معتركها الدي لا ينتهي مهما  حاول الفكر الحر تلافيها، كما أن الصورة حاضرة ، ليس في الفني المحايد كما يحلم  المسالمون بذلك، بل حتى في صلب المقدس، الساعي لاحتكار الفكر وتقويمه وفق الحاجات  الخفية لرجال الدين أو حتى السياسة، هده اللعبة يدرك أبعادها الفنان ويكشفون  جوهرها في لحظات تاريخية معيبة عندما يشتد الصراع وتميل الحقيقة وجهة الوضوح  منتصرة لنفسها على كل من يناقضها، إنها لحظة القطيعة كما عرفتها أروبا في مرحلة  النهضة والأنوار، ولدلك كانت الفنون التشكيلية بوعيها  الحاد أكثر قدرة على  التماس التاريخي والتنبؤ به قبل الرواية والشعر، فهي رهيفة الإحساس بالآتي ،هدا  هو المخيف في الصورة وتحفظ بعض الاجتهادات الدينية في التعامل معها، إلا تلك  التي فرض الواقع عليها الامتثال للعقلي في صورته الفنية، التي طالما حوصرت في  المتاحف وأبعدت عن أعين الناس لتصير بضاعة الغاية منها تزيين المحلات التجارية  أو الكنائس   والبيوت المدعية للترف والاعتبارات الطبقية الباحثة على التميز  وسلطة الإبهار السياسي والثقافي كما فعل الغربي لامتصاص عمق النظر الفني 

وتحويله عن غايته السامية.

كثيرة هي القضايا التي تم تغييبها قسرا، و تحت تهديد السلطة المرجعية الإسلامية، حتى عندما تم تجميع القرآن، بقيت قضاياه معلقة ،و الأسئلة التي أثيرت حوله كذلك ،بحجة حفظ وحدة الجماعة و الانتصار لسلطة الخلافة حتى لو كان ذلك على حساب الفكر و ربما التاريخ و المعرفة و حتى الحقيقة نفسها، لكن الفقهاء بما هم صحابة أو مقربين من سلطة الخلافة، قرروا تحريم بعض الأسئلة و الرجوع إلى الأثري في الأجوبة عليها، سواء كانت أحاديث مروية، أو حتى شروحات من التابعين لما يبدو غامضا في النص، بل تم اللجوء أحياء حتى إلى الكتب السابقة على القرآن، كالإنجيل و التوراة، و الاستئناس بمعرفة لا تمس التوحيد، بل تتم بعض الحكايات التي أحال عليها القرآن، من قبي اسم المرأة التي تعلقت بيوسف و لم يرد اسمها في القرآن على سبيل المثال _زليخة_

بذلك تم تعريف القرآن، باعتباره كلام الله المنزل على نبيه، و المتعبد بتلاوته، و هناك إضافة اسم الملك الذي أنزله، جبرائيل أو شديد القوى كما سمي في النصوص القرآنية حسب مفسرين آخرين. كل هذه العمليات جنبت المسلمين طرح سؤال، عن حقيقة الوحي، هل كان لغة إلاهية نقلت إلى النبي فسمعها كما تسمع كل الكلمات المنطوقة أم هي صور طبعت في فكره و ذهنه من الله مباشرة أو بواسطة ملك أسندت له هذه المهمة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

1_الوحي و اللغة

_____________

اجتهد العرب في تصور الوحي لغة إلاهية بها نطق الله عز و جل، لربط النبوة بالعروبية، رفعا لمكانة قريش ،و العرب جميعا، رغم أن الديانة الإسلامية، كانت صريحة في توجهها للعالمين و ليس إلى أمة مخصوصة أو عرق بعينه،،لذلك كان من الطبيعي اعتبار الله متكلما باللغة العربية ،لتكون معجزة ،متحدية للعرب و شعرائهم ممن شهدت لهم البرية بالفصاحة و البلاغة، و جميل القول و الكلم، فكان الأمر مرتبطا بسلطة جماعة لم تكن لها من الحضارة إلا لغتها، فحق لها أن تجعل منها لغة إلاهية تكلمها الله، جاعلا منها لغة الوحي الرباني، و لغة العبادة و التقرب إليه و الابتهال له، لكأن الله لم يكلم موسى بالعبرية، و لم يسلمه الألواح مكتوبة، و لم يكلم عيسى بالأرمية، بل إن القرآن نفسه، صرح بأن الله بعث لكل أمة بلسانها أنبياءه و رسله، مما يعني بداهة أن الله ناطق بكل اللغات، فكيف تصير اللغة العربية لغة مقدسة ،بل هي لغة أهل الجنة، و هناك إشكالات حول علاقتها بالوحي،  أجلت و تم طمس معالم التفكير فيها.

2_الوحي بين الكلام و الصورة

_____________________

عندما حسم الفكر الإسلامي الأثري، مسألة طبيعة الوحي، غاب عنه في أوج الصراعات السياسية، أن تصوره للوحي و علاقته باللغة،  جعل من النبي عليه الصلاة و السلام، مبلغا فاقدا لأية فعالية بشرية، بما يعني، أنه ينقل كلام الله كما سمعه، و كذلك يفعل بالأحاديث ما دامت شارحة لما ورد في النصوص القرآني، رغم ما تطرحه الأحاديث الشارحة هي الأخرى من إشكالات، مما يفقد النبوة فعاليتها و تفاعلها مع محيطها، لكأن الله كان مسيرا لحضارة مجرد أداة أو ربووات، مما يبعد الفكر في الإسلام بل حتى الإسلام نفسه عن روح العصر و التاريخ، خصوصا ،بعد أن انتزع الدارسون العرب و المسلمون اعترافات رجالات الفكر المسيحي، بعبقرية النبي و اجتهاداته، في كيفية شرح و تفسير و أحيانا حتى تفعيل النصوص و جعلها أكثر مقبولية من طرف شعوب لم تعش الكتابة و لم تمتلك إلا مشاعرها التي عبرت عنها بالشعر و القصيدة، فربطتها بعالمها المحسوس، البعيد عن المجرد، كعالم و قيم.

 

3_الوحي كصور

___________

إذا كان الوحي نزل مرتبطا بلغة الله، فواجب أن تتقدس جمله، و تصير مكتفية بذاتها، دالة على معانيها لا تحتاج لغيرها، هنا تكون إعجازيتها، و إلا طرح سؤال  أكثر إلحاحية، لماذا مستقبلا و ربما قريبا، جد مستجد، وجد المسلمون أنفسهم مضطرون للعودة لعصر التجميع، حتى إذا ما وجدت هفوات، اعتبرت ناتجة عن البشر الذي جمع و لم ينتبه لكسر أو فتح في حركات الإعراب، و هي حقائق يستشعرها أهل الاختصاص و بعض الفقهاء من دارسي أصول الدين، لكنهم يفضلون عدم الخوض فيها، تفاديا لحرج التفكير، ونأيا بالنفس عن مطبات القدامى التي لم يحسموها في وقتها، بل يذهب البعض محاججا بقولة الغزالي، لجم العوام عن علم الكلام، لكن هل فكرة اعتبار الوحي صورا، فكرة يمكنها أن تجنب الكثير من الملابسات؟؟

خاتمة

___

انشغلت بهذه الفكر زمنا طويلا، و لم أستطع التعبير عنها بوضوح لحد الآن، لكنها  تبدو لي ذات قوة فكرية حتما سوف يقبل بها المفكرون المسلمون، بعد أن تتراجع هجومات الغلو و التطرف، الي جمدت فكر المسلمين و حدت من إمكانات الاجتهاد في قضايا، ربما أقل تعقيدا من فكرة الوحي و علاقته باللغة و طبيعته.

حميد المصباحي كاتب روائي

أكدت علوم الحضارات الإنسانية القديمة، تميز الإنسان بالرمزيات في اللغة والرسوم، لأن له بعدا يتجاوز المحسوس، وبذلك كانت الديانات تعبيرا واستجابة لميله هذا، فتطورت هي ذاتها، وفقا لمنطق انتقل من تعدد الآلهة إلى وحدة الإله، التي تميزت بها اليهودية والمسيحية والإسلام، بهذه الحقيقة، أدرك الإنسان عدم قدرته على تمثيل الإله بما هو مادي طبيعي كما كانت الشعوب والحضارات السابقة تفعله، بحيث غدا الله حاضرا مع البشر، فبإمكانهم عبادته أينما وجدوا، كما أن وجوده ليس مشروطا بما يقدمون، طقوسا وقرابين، بل هي ممارسات مطهرة لهم من الشرور، وحاثة على الإخلاص الإيماني، لكن فيما بعد، كل ديانة من هذه الديانات، اتخذت لها منحى، بحيث قرأت ذاتها بناء على ما عرفته حياة الجماعات من مستجدات، فاليهودية وجدت نفسها مرغمة على التفكير في كيفيات حماية أتباعها، والحرص على وجودهم مأثرا في العالم، وانتهت بالتفكير في آليات بناء الدولة وانتزاع حقوق الغير، أما المسيحية، فقد عاشت صراعات مريرة، بين تياراتها، لكنها كانت مرغمة على التفكير، في نبذ الاجتهادات الدينية المؤدية للحروب بين الدول المسيحية، وبعد ذلك، وجدت نفسها في حمأة كيفية إقناع المسيحي بتحقيق الرفاه الاقتصادي اعتمادا على عمله وعلمه، أما المسلمون، فقد وجدوا أنفسهم يفكرون في كيفيات إعادة أمجاد الماضي، المختزل سياسيا في بناء دولة الخلافة، لتحقيق الريادة الحضارية، التي انتزعت منهم بفعل الانحطاط الذي عاشته الدولة الإسلامية، وانقساماتها السياسية وحتى الدينية فيما بعد، ينضاف إلى ذلك حدث الاستعمار بعد تفكك الدولة العثمانية، فلماذا حققت الدول المسيحية حداثتها واليهودية في زمن قياسي، بينما بقي العرب والمسلمون يصارعون ولم ينجحوا في بناء حداثتهم الخاصة للتخلص من التخلف.

-1 الإسلام والعقل:

النصوص الأصلية في الديانة الإسلامية، تحتفي بالفعل العقلي، بل إليه تتوجه الكثير من الآيات القرآنية، باعتباره عاصما لصاحبه من الوقوع في الغي والضلال، بل إن القرآن استشهد بأقوال الحكيم لقمان، ولم يكن نبيا، كما أن فكرة التوحيد تمت المحاججة على صحتها بمنطق عقلي، فالآلهة إن تعددت حسب المنطوق القرآني، فسدت الأرض والسماء، فلا يمكن تصور قوتين تحكمان العالم، لكن السجالات الإسلامية في الفكر الكلامي، عمقت السؤال، فتولد معه الحرج، إذ طرح السؤال، لو كان العقل كافيا للاهتداء إلى الله، فما الحاجة للوحي؟ كان الجواب في الفلسفة الإسلامية واضحا، فابن رشد عندما ميز بين الخاصة والعامة، لم يقل أن العاقل مستغني عن الوحي، بل فقط نبه إلى وجود آيات  لا يفقه بعدها إلا الراسخون في العلم، وأخرى موجهة لذوي المدارك غير العالية من عامة الناس، أي آيات الوعد والوعيد، وبذلك اهتدى الفيلسوف إلى آليات التأويل العقلي، من هنا بدأت محنة المسلمين ومفكريهم، مع فئة اعتصمت بالنص، واكتفت بالأثر، مع السماح ببعض القياسات العقلية في المجالات الفقهية، وهنا كانت الدولة الإسلامية حاسمة في الانحياز لصالح النصيين، حفاظا على سلطتها، وصونا لمجال حكمها، فالعامة بكثرتها فرضت مشروعا نصيا، استبعد العقل، خوفا على السلطة وليس رغبة في بناء حضارة، فامتدت جذور النصية لكل المجالات المعرفية الأخرى، وهنا تعطلت بنى التجديد لصالح المحافظة الدينية، والتي انقسمت بدورها بين تيارات كبرى، كانت لها الغلبة، أي السنة والشيعة 

2 الإسلام والعلم:

خطت علوم ذلك العصر خطوات هائلة، بعدما رست دعائم الدولة الإسلامية، ولأن علماء ذلك العصر، في أغلبهم كانوا من الفلاسفة، فقد امتدت لهم الحملة، بحيث صار الفقه مرادفا بل بديلا لكل العلوم، فاحتل مكانة العلوم الفلكية والطبية والطبيعية، فنشطت حركات الاجتهادات القضائية، وما عرف بفقه النوازل، مع حضور الفكر الكلامي، اجتماعيا، لأنه كان بمثابة إيديولوجية الخصوم السياسيين المتنازعين على الخلافة، ولهذه الأسباب، خسر العالم العربي والإسلامي الكثير من مفكريه وعلمائه، ومن بقي منهم فر هاربا، أما تلامذتهم فآثروا السلامة أو نكل بهم في كل الأمصار، فكانوا الهشيم الذي داسته السلط وهي تصارع بعضها، منتصرة ومنهزمة حسب الامتدادات القبلية والعصبة ومدى تلاحمها وقدرتها على نزع الشرعية عن الحاكم، الذي ما أن يفقد انتمائه للشرع أو يسحب منه حتى تنشأ البدائل له باسم الشرع، الذي اختفت تحته الكثير من العمليات الثأرية.

3 الإسلام والدولة:

 كانت كل الدول الإسلامية، تحافظ على شرعيتها الدينية، لتستحق واجب الإتباع من طرف الجمهور، الذي يقيس شرعيتها بدينيتها، في حفاظها على الحدود التي امتدت بكثير خارج حدود الجزيرة العربية، فلم يكن بالإمكان الاستغناء عن رجات الدين وتقريبهم من السلطان، لأنه شكلوا الأداة الإيديولوجية للحكم، فقربهم من سلطة الخلافة أهم من بعدهم، إنهم آلية أكثر فعالية من لغة العقل، بل إنهم يعادون رجالات الفكر الذي يحاولون فهم الشريعة وفق حاجات الناس، المادية والروحية، وكل محاولة لتحقيق ذلك، تستنفر قواهم المدعوة بسلطة الخلافة، بل في زمن الدولة العباسية، ظهر المأمون والأمين وربما المتوكل منتصرين للفكر المعتزلي العقلي، فماذا حدث، بقيت الآلية الدينية تشتغل، بل عنفت خصومها، وحققت بالعنف مكاسبها أكثر من الاحتكام للعقل ومبادئه الرافضة لعنف السلطة والتسلط. رغم وجود العقل في هذه الحضارة،  يلاحظ أنه لم يكن مستقلا في عمله، فقد كان تابعا للحقل الديني، محاولا نيل رضاه وتجنب الصراع ضده، ولم تستطع السلطة نفسها خلق مسافة مع الديني كما تصوره النصيون، ولم يفسح المجال للعلم ليمارس مهامه باستقلال عن الصراعات السياسية والفكرية الفلسفية، ربما لهذه الأسباب لم يبدع العالم العربي تصوره الخاص للحداثة ولم ينخرط فيها، كما محاوت تجديد الفكر الديني الإسلامي باءت بالفشل، فلماذا نخوض تجربة بآليات لم يثبت التاريخ فعاليتها؟ ليس العيب في الديانة الإسلامية، ولا في المفكرين السابقين واللاحقين، بل في طبيعة اللحظة التاريخية التي يخاض فيها الصراع، الذي لا يمكن أن يحسمه الساسة، لكن على رجالات الفكر إعادة قراءة الإسلام، بآليات جديدة، مختلفة عن منطق الأثر النصي، وكذا منطق التأويل.

 

 

كثيرة هي القضايا التي تم تغييبها قسرا، و تحت تهديد السلطة المرجعية الإسلامية، حتى عندما تم تجميع القرآن، بقيت قضاياه معلقة، و الأسئلة التي أثيرت حوله كذلك، بحجة حفظ وحدة الجماعة و الانتصار لسلطة الخلافة حتى لو كان ذلك على حساب الفكر و ربما التاريخ و المعرفة و حتى الحقيقة نفسها، لكن الفقهاء بما هم صحابة أو مقربين من سلطة الخلافة، قرروا تحريم بعض الأسئلة و الرجوع إلى الأثري في الأجوبة عليها، سواء كانت أحاديث مروية، أو حتى شروحات من التابعين لما يبدو غامضا في النص، بل تم اللجوء أحياء حتى إلى الكتب السابقة على القرآن، كالإنجيل و التوراة، الاستئناس بمعرفة لا تمس التوحيد، بل تتم بعض الحكايات التي أحال عليها القرآن، من قبل اسم المرأة التي تعلقت بيوسف و لم يرد إسمها في القرآن على سبيل المثال _زليخة_ بذلك تم تعريف القرآن، باعتباره كلام الله المنزل على نبيه، و المتعبد بتلاوته، و هناك إضافة اسم الملك الذي أنزله، جبرائيل أو شديد القوى كما سمي في النصوص القرآنية حسب مفسرين آخرين. كل هذه العمليات جنبت المسلمين طرح سؤال، عن حقيقة الوحي، هل كان لغة إلاهية نقلت إلى النبي فسمعها كما تسمع كل الكلمات المنطوقة أم هي صور طبعت في فكره و ذهنه من الله مباشرة أو بواسطة ملك أسندت له هده المهمة؟ 1_الوحي و اللغة _____________ اجتهد العرب في تصور الوحي لغة إلاهية بها نطق الله عز و جل، لربط النبوة بالعروبية، رفعا لمكانة قريش، و العرب جميعا، رغم أن الديانة الإسلامية، كانت صريحة في توجهها للعالمين و ليس إلى أمة مخصوصة أو عرق بعينه،،لذلك كان من الطبيعي اعتبار الله متكلما باللغة العربية ،لتكون معجزة ،متحدية للعرب و شعرائهم ممن شهدت لهم البرية بالفصاحة و البلاغة، و جميل القول و الكلم، فكان الأمر مرتبطا بسلطة جماعة لم تكن لها من الحضارة إلا لغتها، فحق لها أن تجعل منها لغة إلاهية تكلمها الله، جاعلا منها لغة الوحي الرباني، و لغة العبادة و التقرب إليه و الابتهال له، لكأن الله لم يكلم موسى بالعبرية، و لم يسلمه الألواح مكتوبة، و لم يكلم عيسى بالأرمية، بل إن القرآن نفسه، صرح بأن الله بعث لكل أمة بلسانها أنبياءه و رسله، مما يعني بداهة أن الله ناطق بكل اللغات، فكيف تصير اللغة العربية لغة مقدسة ،بل هي لغة أهل الجنة، و هناك إشكالات حول علاقتها بالوحي، أجلت و تم طمس معالم التفكير فيها.   2- الوحي بين الكلام و الصورة _____________________

  عندما حسم الفكر الإسلامي الأثري، مسألة طبيعة الوحي.

    ***

سيرة الكاتب: حميد المصباحي

المغرب، أستاذ فلسفة، نشر كتبا عديدة، في الأدب:

 أربعة روايات :

 

*غرف الموت:1997 دار أدامس اكرافيك للنشر

 

* إعدام ميت 2003:افريقيا الشرق لبنان

 

*ضفاف الموت موت المجنون 2011 افريقيا الشرق

 

*رحل بعد عودته2018  دار نشر الفاصلة طنجة المغرب.

في الفكر:

 

* السلطة السياسية: بين التقليد والتحديث( مقاربة حول الدين والعلمانية

والديمقراطية)  دار إديتيو بلوس 2022.

_ الوحي والقرآن. دار نشر المقدمة- تونس 2023

 

_ مساهمات بمجلات:

 

- نوافذ المغربية.

- مجلة الجديد المصرية. لندن 

- مجلة فكر

مجلة فن السرد

 

- مجلة العربي.

 

- طنجة الأدبية

 

مساهمات بجرائد:

- صحيفة العرب اللندنية.

- أنوال المغربية، المنعطف، الأيام، القدس العربي، المرحلة، الأنوار، الأحداث المغربية، المساء المغربية، الاتحاد الاشتراكي.

 

** عضو اتحاد كتاب المغرب منذ عقد من الزمن، مهتم بالقضايا الفكرية أهمها البعد الفلسفي في التراث العربي الإسلامي وكيفية المساهمة في الإصلاح الديني.

 

ساهم في ندوات ولقاءات وطنية حول:

الديمقراطية والتشاركية والمجتمع المدني في العالم الثالث.

حميد المصباحي.hamid69elmes@gmail.com