🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

العراق وتبعات «طوفان الأقصى».. صراع بين الجهود الدبلوماسية وخيارات التصعيد العسكري

القدس العربي 2024/10/08 22:21

 

عام مضى على عملية «طوفان الأقصى» ولا يزال العراق منقسماً في التعاطي مع تداعيات الحدث، ففيما تحاول الحكومة العراقية، برئاسة محمد شياع السوداني، استخدام علاقاتها الدبلوماسية وخصوصاً مع الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف الأبرز لسلطات الاحتلال الإسرائيلية، لاحتواء الصراع الذي بدأت ارتداداته تطال المنطقة، تتمسكّ الفصائل الشيعية المسلحة بالخيار العسكري لردع العدوان المتمددّ من غزّة إلى الجنوب اللبناني، الأمر الذي يُنّذر بتوجيه أنظار إسرائيل صوب قادة الفصائل ومقارها ومستودعات أسلحتها في العراق، كمرحلة ثانية بعد لبنان.
ومنذ انطلاق العملية العسكرية لحركة «حماس» الفلسطينية، ضد مناطق تخضع لسلطة الاحتلال الإسرائيلي، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعلن العراق وقوفه إلى جانب الشعب الفلسطيني، معتبراً العملية بأنها حقّ طبيعي للقمع الممنهج الذي يتعرض له الفلسطينيون منذ عهود.
وأصدرت الحكومة العراقية، في حينها، بياناً صحافياً، أكدت فيه موقف العراق الثابت «شعباً وحكومة، تجاه القضية الفلسطينية، ووقوفه إلى جانب الشعب الفلسطيني في تحقيق تطلّعاته ونيل كامل حقوقه المشروعة، وأنّ الظلم واغتصاب هذه الحقوق لا يمكن أن يُنتج سلاماً مستداماً».
ووفق المتحدث باسم الحكومة، باسم العوادي، فإن «العمليات التي يقوم بها الشعب الفلسطيني اليوم، هي نتيجة طبيعية للقمع الممنهج الذي يتعرض له منذ عهود مضت على يد سلطة الاحتلال الصهيوني، التي لم تلتزم يوماً بالقرارات الدولية والأممية» حاثاً «المجتمع الدوليّ على التحرك لوضع حدّ للانتهاكات الخطيرة وإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، الذي ما زال يعاني الاحتلال وسياسات التمييز العنصريّ والحصار والتجاوز على المقدسات وانتهاك القيم والمبادئ الإنسانية».
ومنذ اندلاع الصراع في فلسطين، حذّر العراق من انعكاسه على استقرار المنطقة، حسب بيان العوادي.
الموقف العراقي المدافع عن القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في إقامةِ الدولةِ الفلسطينيةِ المستقلةِ وعاصمتها القدس، جسده أيضاً رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، في كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (في 22 أيلول/ سبتمبر 2023).
ومع لجوء سلطات الاحتلال إلى سياسة الأرض المحروقة في قطاع غزّة الفلسطيني، وارتكابها أبشع الجرائم تجاه المدنيين العزّل، قرر العراق رفّد الفلسطينيين في القطاع المحاصر بمواد إغاثية.
في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء قوات خاصة، يحيى رسول، المباشرة باستلام المساعدات الإنسانية إلى الشعب الفلسطيني وعلى مدار 24 ساعة.
وقال رسول وقتها، إن «هذه الخطوة تأتي تنفيذاً لتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة، الخاصة بتشكيل لجنة مشتركة لتسلّم التبرعات والمساعدات الإنسانية إلى الشعب الفلسطيني الشقيق المحاصر في غزة».
وحسب إحصائيات رسمية، فإن العراق أرسل 5 وجبات من المساعدات لقطاع غزة، خلال مدّة شهر منذ انطلاق الحملة، وذلك عبر جسر جوي.
ونسّقت السلطات العراقية مع نظيرتها المصرية في استحصال الموافقة المطلوبة لإيصال المساعدات إلى الغزّاويين، بإشراف الهلال الأحمر العراقي والمصري والفلسطيني.

حراك شعبي

 

في الداخل العراقي، خلفت عملية «طوفان الأقصى» وتداعياتها، حراكاً شعبياً مدافعاً عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ورافضاً أيضاً للانتهاكات الإسرائيلية.
وبعد أسبوع على انطلاق العملية العسكرية الواسعة لحركة «حماس» شهدت العاصمة العراقية بغداد تظاهرات شارك فيها الآلاف، للتعبير عن دعمهم للفلسطينيين والتنديد بالقصف الإسرائيلي، تلبية لدعوى أطلقها زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر.
وردّد المتظاهرون عبارة «كلا كلا للاحتلال» و»كلا كلا أمريكا» وفيما رسموا علماً إسرائيلياً ضخماً على الأرض، رفعوا الأعلام العراقية والفلسطينية، وصور الصدر.
زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، لم يكتفِ بالدعوة للتظاهرات في بغداد ومدن عراقية أخرى، بل حثّ الدول العربية والإسلامية (في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2023) على الاعتصام عند الحدود مع فلسطين، عندما أوغلت سلطات الاحتلال في قصف المدنيين والبنى التحتية والمدارس والمستشفيات في القطاع المحاصر.
وفي كلمة له، ذكر الصدر بأن التجمع «يكون شعبياً سلمياً، للذهاب من أجل اعتصام سلمي، عند الحدود الفلسطينية، من جانب مصر وسوريا ولبنان بل والأردن، دون أي سلاح، غير الأكفان، والبقاء إلى حين فك الحصار، وإيصال ما يكفي لأهلنا، في غزة شمالها وجنوبها، بعض المعونات الغذائية والطبية والماء».
دعوة الصدر هذه لاقت أصداءً لدى جمهور الفصائل العراقية، الذين سارعوا إلى الذهاب منفذ طريبيل الحدودي (بين العراق والأردن) والاعتصام هناك، والتعبير عن تضامنهم مع أهل غزة، والدعوة إلى إنهاء القصف والحصار الإسرائيلي للقطاع.
وأمضى المحتجون هناك عدّة أيام، تكفّل فيها «الحشد» و»المواكب الحسينية» توفير الطعام وسرادق الإقامة لهم، قبل أن يتم إلغاء الاعتصام دون أي إنذار مسبق، أو إعلان رسمي يوضح ما حققه من نتائج.
وسرعان ما أخذ الحراك الاحتجاجي في العراق طابعاً آخر، تمثل بمهاجمة وكالات تجارية أمريكية في العاصمة بغداد، كردّ فعل على الدعم العسكري الذي تقدمه واشنطن لسلطات الاحتلال في العمليات العسكرية التي تنفذها في القطاع.
هذا التوجّه جاء عقب تصريح للمسؤول في كتائب «حزب الله» العراقية، المعروف باسم «أبو علي العسكري» دعا فيه إلى مهاجمة «توابع الاحتلال» وحثّ فيه الأجهزة الأمنية على مساعدة المجاميع المهاجمة.
وفي حصيلة أعلنتها وزارة الداخلية العراقية، للأيام (26-27-30 مايو/ أيار 2024) جرى توثيق «حوادث تخريب ورمي عبوات محلية الصنع في بغداد طالت مطعم (كي إف سي) و(تشيلي هاوس ليز) ومعهد (كامبرج) ضمن منطقة شارع فلسطين (شرقي بغداد) وشركة (كتربلر) في منطقة الكرادة في الجادرية (وسط العاصمة) من قبل أشخاص يستقلون 7 عجلات ودراجة نارية».
ووفق بيان الداخلية، فإنه «بعد جمع المعلومات الدقيقة تم التوصل إلى أسماء المنفذين ومحلات عملهم وسكناهم، حيث تم عرض الموضوع أمام أنظار قاضي التحقيق الذي أصدر أمر القبض بحق المنفذين وفق أحكام المادة 4 إرهاب» وقالت أيضاً إن عدداً من المتورطين بالحوادث ينتمون «لجهة أمنية» لم تسمّها.
تداعيات «طوفان الأقصى» في العراق لم تقف عند هذا الحدّ، بل أسهمت أيضاً في اتخاذ الفصائل الشيعية المسلحة قراراً بتشكيل ائتلاف «المقاومة الإسلامية في العراق» يتولى مهمة استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية داخل وخارج العراق.
وتبنّى الائتلاف الشيعي المسلح، منذ إعلانه في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، استهداف مواقع أمريكية وإسرائيلية حيوية، من بينها منشآت عسكرية وموانئ.
توضيب مساعدات عراقية تمهيدا لنقلها إلى غزة
 
ووسط ذلك، تلتزم الحكومة العراقية الصمّت أمام هجمات الفصائل التي تتعارض مع موقفها الرسمي المؤمن بالحل الدبلوماسي للأزمة.
المحلل السياسي العراقي واثق الجابري، يقول لـ«القدس العربي» إن «موقف الحكومة العراقية واضح تجاه القضية الفلسطينية، فمنذ البداية تحدثت في المحافل الدولية والبيانات الرسمية بأن حل الأزمة لا يمكن إلا من خلال استرجاع الحق الكامل للفلسطينيين، كما أن المنظومة الدولية مقصرة في اتجاه القضية الفلسطينية».
وأوضح أن «الكيان الصهيوني انتهك أكثر من 74 قراراً دولياً لحل القضية الفلسطينية» مبيناً أن «الجرائم التي ترتكبها إسرائيل اليوم بحق الفلسطينيين تُحرج الحكومة العراقية وحكومات العالم، لأن العراق- وبلدان عربية- يعتقد أن القضية الفلسطينية مركزية، وأن الدفاع عنها هو واجب مقدس، ناهيك عن ارتباطها بعقائد المسلمين، وفي حال استمرار العمليات الإسرائيلية تجاه فلسطين فإن من الممكن أن ترد الفصائل العراقية».
وأضاف: «رغم أن ذلك يمثل إحراجاً للحكومة العراقية، لكن الواقع يفرض ذلك. نحن نواجه كياناً لا يعترف بالقرارات الدولية، الأمر الذي يمهد أيضاً لإمكانية تحرك شعوب عربية أيضاً».
ومع اتساع رقعة الصراع فإن «العراق يحاول النأي بنفسه عن الحرب، ويسعى لأن يكون وسيطاً لحل هذه الأزمات من خلال القوانين والأعراف الدولية، والحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني» حسب الجابري، الذي يؤكد أن «من يحاول إشعال نار الحرب في المنطقة، هو الكيان الإسرائيلي».
وفي منتصف أيلول/ سبتمبر 2024، تحققت التحذيرات المكررة للمسؤولين العراقيين، وبدأت دائرة الحرب تتسع لتشمل لبنان و»حزب الله» عندما قررت سلطات الاحتلال شنّ هجوم واسع النطاق، خلف سقوط الآلاف بين شهيد وجريح.
القصف الإسرائيلي على لبنان، وقبله عملية انفجار أجهزة الاتصالات اللاسلكية «بيجر» حدث عندما كان رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، ووزير خارجيته، فؤاد حسين، يجريان زيارة رسمية إلى نيويورك الأمريكية، لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ79.
ومن الولايات المتحدة الأمريكية، أصدر السوداني بياناً صحافياً قال فيه إن «المواقف المعلنة لحكومتنا كانت واضحة وصريحة منذ البداية برفض العدوان الغاشم على غزّة، وعلى كل فلسطين الصامدة، فضلاً عن اعتداءات الكيان الغاصب على سيادة بعض الدول في المنطقة».
وأضاف: «مثلما دعونا باستمرار الدول الكبرى والمنظمات الأممية والدولية، وجميع الدول العربية والإسلامية، للعمل على إيقاف آلة الحرب الصهيونية المجرمة، وبناءً على هذه التطوّرات، يدعو ويعمل العراق لعقد اجتماع طارئ لقادة وفود الدول العربية (المتواجدين حالياً في نيويورك) والعمل لعقد قمة إسلامية، لبحث تداعيات العدوان الصهيوني على شعبنا الآمن في لبنان، والعمل المشترك لوقف سلوكه الإجرامي، وتحشيد الرأي العالمي، الذي لم يكن عبر تاريخ القضية الفلسطينية، بأكثر اطلاعاً بالظلم الواقع على الفلسطينيين، وما يطال اليوم لبنان الآمن المستقر».
وأعلن السوداني أيضاً مضي حكومته في «تنظيم الجهود ونقل المساعدات التي يحتشد فيها الجهد الشعبي والرسمي، استجابةً لدعوة المرجعية العليا وتوجيهاتها، في بذل كل ما من شأنه أن يخفف من معاناة الأشقاء في لبنان، من خلال جسر جوّي وبرّي، وتسهيل إرسال الوقود لتشغيل محطّات الكهرباء التي تحتاجها المستشفيات والمؤسسات الخدمية اللبنانية، فضلاً عن أبوابنا المفتوحة لاستقبال الجرحى والمصابين في المستشفيات العراقية، وبذل كل ما يعزز صمود لبنان أمام ما يتعرّض له من اعتداءات وجرائم إرهابية على يد الإجرام الصهيوني».
وبادرت الحكومة ومؤسسات مدنية وأحزاب وشخصيات دينية، بإطلاق حملات لإرسال عشرات الأطنان من المواد الإغاثية للبنانيين، عبر الطائرات أو الشاحنات البرية.
وحسب المحلل السياسي واثق الجابري، فإن «سلطات الاحتلال تحاول بكل الوسائل توسعة دائرة الحرب» معتبراً أن «ما يحدث في لبنان هو تكرار للسيناريو نفسه الذي انتهجه الكيان الصهيوني في غزّة من الإبادة الجماعية وتهديم المنازل وتشريد العائلات».
وأشار إلى أن العراق «بدأ حملات كُبرى لإغاثة الشعب اللبناني».
ولم يستبعد الجابري أن «نشهد إيغالاً في الحملات الإسرائيلية الوحشية في لبنان، وهذا من شأنه أن يحرك الفصائل المسلحة» لافتاً إلى أن «محور المقاومة اليوم يعتقد بوحدة الساحات والأهداف. قد تختلف الأدوات من فصيل إلى آخر أو من دولة إلى أخرى، لكن الاعتقاد واحد بأن هذا الكيان المجرم يرتكب مجازر بحق الفلسطينيين واللبنانيين».
وطبقاً للجابري، فإن «من غير المستبعد أن تعمد إسرائيل على قصف الفصائل العراقية ومخازن عتادها، وهذا الأمر قد حدث بالفعل قبل (طوفان الأقصى) وسبق أن اخترقت إسرائيل الأجواء العراقية وتجاوزت على سيادة العراق، وضربت مواقع للفصائل والحشد الشعبي. فهم لا يتعرفون بكل القوانين والأعراف الدولية».
وترتبط تصريحات المحلل السياسي العراقي بشكل وثيق مع تحذيرات أطلقها المسؤول الأمني لكتائب «حزب الله» العراقية، أبو علي العسكري، من احتمال تنفيذ «عدوان صهيوني» داخل العراق.
وفي 25 أيلول/ سبتمبر الماضي، ذكر العسكري في «تدوينة» له «نلاحظ نشاطاً مكثفاً في الأجواء العراقية من الأمريكان والصهاينة، وهذا ينبئ باحتمال تنفيذ عدوان صهيوني داخل العراق، وعليه تجدد كتائب حزب الله تحذيرها: بأن ردها لن يقتصر على الكيان فحسب، بل يشمل كل مفاصل الوجود الأمريكي».
ودعا فصائل المقاومة الإسلامية في العراق، الدعمة لفلسطين ولبنان، إلى أن «تزيد من منسوب وحجم عملياتها ومستوى تهديدها للعدو، للمساهمة في تعجيل كسر إرادة العدو العسكرية والأمنية، ولتكون أكثر تأثيراً وإيلاماً في هذه الحرب المعقدة، إذ إن العمليات بشكلها الحالي لا تلبي طموح بيئة المقاومة والمرحلة الراهنة».