"إنها أول مصمم عمراني في العصر الحديث يتمكن من العثور على دربه التي أبعدته عن الجماليات السائدة منذ تيار البوهاوس المعماري. ويبدو اليوم واضحاً أن القيمة الواضحة لإبداعها تماثل القيمة الجمالية للشكل الشاعري الأكثر سمواً. بالنظر إلى أن قدرة خيالها أكثر من رائعة". هذه العبارات التي من الواضح بالنسبة إلينا هنا، أنها تتحدث عن فن زها حديد المعماري، لم يقلها مؤرخ في عالم الهندسة ولا ناقد فني، بل قالها عام 2007 واحد من كبار مصممي الأزياء في زمنه كارل لاغرفيلد الذي على رغم أنه كان يعيش أيامه الأخيرة آنذاك وجد لديه من القوة والذائقة الرفيعة ما جعله يوصف العمل العمراني الرائع الذي يحمل عادة توقيع تلك المعلمة العمرانية العراقية - البريطانية الكبيرة، والتي لن تلبث بدورها أن ترحل عن عالمنا بعد رحيل لاغرفيلد بسنوات.
والحقيقة أن تصريح لاغرفيلد لم يأت يومها من فراغ، أو من مجرد إعجاب شخصي، بل لأنه كان في ذلك الحين وحتى آخر سنوات حياته، المدير الفني لواحدة من أكبر وأرقى دور الأزياء في العالم "شانيل"، ولأن زها حديد كانت في ذلك العام بالذات تشتغل على ذلك المشروع الذي سيستغرق منها جهود خمس سنوات ويكون واحداً من المشاريع الفنية "الخالصة" التي ختمت بها حياتها القصيرة.
ونقول "الخالصة" لأن المشروع لم يكن على ضخامة تلك المشاريع التي كانت سيدة المعمار الحديث على الصعيد العالمي، قد اعتادت تحقيقها في مدن كبرى في العالم على شكل مكتبات ودور أوبرا ومسارح وأبراج وما شابه. وما لا بد من قوله هنا في مستهل هذا السياق، وطالما أننا بدأناه بالإشارة إلى كارل لاغرفيلد، هو أن المشروع الذي نتناوله إنما هو ذاك الذي حققته حديد لحساب دار كوكو شانيل بإدارة هذا المصمم الفنان نفسه. وهو المشروع المعروف اليوم باسم "موبيل – آرت"، أي الفن المتحرك.
معمار يتجول في العالم
والحقيقة أن هذا المشروع، على صغره النسبي – وربما بفضل ذلك – يقف اليوم فريد نوعه في عالم الهندسة. ولكن ترى، أفلا يمكننا أن نشير إلى هذه الفرادة بصدد الحديث عن العدد الأكبر من مشاريع زها حديد، ولا سيما منها مشاريعها الأخيرة التي للأسف الشديد لم تنجز إلا بعد رحيلها المؤسي عن 60 سنة أو أكثر قليلاً، وفي سن بلغت فيها أوج عطائها وشهرتها؟ وربما نفكر هنا، بخاصة، بمحطة المترو الرائعة التي باتت منذ أشهر علامة فارقة وسط مدينة الرياض في السعودية، والتي تبدو في وسط هذه المدينة الناهضة والمتطلعة إلى آفاق لم تكن متوقعة منذ عقدين من الزمن، علامة أساسية على ذلك التطلع؟ أو بمسرح الرباط عاصمة المغرب الذي يشع جمالاً وقوة على ضفة أبي الرقراق؟ أو حتى بالمبنى الذي ينجز اليوم تشييده مقابل واجهة بيروت البحرية بعد تعرضه لويلات عديدة كادت تطفئ جذوته في مهدها؟
إن هذه الصرح كلها تتقاسم سمة أساسية وهي أنها ومن مسافات بعيدة تلوح منتمية إلى فن تلك السيدة العربية التي ربما يمكن اعتبارها من قلة من مهندسي الحداثة عرفت كيف تضفي طابعاً شخصياً على إنجازاتها، بحيث إن كل صرح من تصميمها وتحقيقها يبدو وكأنه منحوتة مقامة وسط مدينة خلابة.
ولئن تحدثنا هنا عن ذلك القاسم المشترك بين المشاريع الثلاثة التي أشرنا إليها، فإن هناك قاسماً مشتركاً آخر أقل مدعاة للبهجة صنعته الأقدار، وهو أن السيدة لرحيلها المبكر لم تشهد أياً من تلك المشاريع منجزاً. لكن هذا، ولحسن الحظ، لا ينطبق على المشروع الذي تحدث عنه لاغرفيلد، والذي أتاحت الأقدار له ولمبدعة المشروع رؤيته منجزاً ورصد ردود الفعل المذهلة التي جابهته وتناولت عدة أنماط من فرادة تميز بها.
حقيبة نسائية ضخمة
الحقيقة أن أول مظهر من مظاهر تلك الفرادة يكمن في أن زها حديد سعت منذ البداية إلى ربط المشروع عضوياً بالتاريخ الفني لكوكو شانيل نفسها. وهي لئن كان أمامها حلول عدة في هذا السياق فإنها اختارت ما يمكن اعتباره، وبالتأكيد، الحل الأنسب إنما غير المتوقع، وهو جعل تصميم المبنى يتخذ الشكل نفسه تقريباً الذي تميزت به واحدة من أشهر حقائب اليد النسائية التي أطلقتها كوكو شانيل في تاريخها فباتت من فورها ذات حظوة لدى نساء العالم، القادرات على شرائها بالطبع قبل أن تقلد وتنتشر في العالم أجمع. وهو الشكل الذي لا يمكن رصده إلا من منظور فضائي على أية حال.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما ثاني مظهر من مظاهر فرادة هذا المشروع الذي تصل مساحته الجوانية إلى 700 متر مربع، فهو أنه من التحف العمرانية النقالة النادرة في تاريخ هذا الفن. فلقد صنعته حديد من مواد لا تنكسر قابلة للتفكيك والتركيب بسرعة قياسية، وذلك انطلاقاً من الغاية الأساسية المتوخاة منه، أن يكون معرضاً ومتحفاً فنياً متنقلاً كنوع من هدية من دار شانيل إلى العالم، وإلى عالم الفن وجمهوره بصورة خاصة.
أثبت هذا المشروع جدواه خلال أكثر من دزينة من أعوام مضت على افتتاحه عام 2011، حيث إنه بيسر شديد تمكن حتى الآن من التنقل بعروضه وغرابته وسحره الفائق، بين هونغ كونغ التي كان له فيها أول افتتاح ونشاط هندسي وإبداعي وفي عالم الأزياء في آن معاً إلى طوكيو، حيث أذهل اليابانيون وصولاً بعد ذلك إلى نيويورك ونال أوراق اعتماده الأميركية كمشروع إبداعي فريد من نوعه وفي صيغته.
ومن بعد الحاضرة الأميركية كان لا بد للمشروع في نهاية الأمر أن يصل إلى باريس، حيث كانت المفاجأة الكبرى في أن أصحاب المشروع وفي خضم انبهار الباريسيين به، قدموه هدية إلى معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية. وكان ذلك في مبادرة تخطت أحلام صاحبة المشروع التي كثيراً ما كانت تعبر عن أساها لأنها لم تكن هي من عمر مبنى ذلك الصرح العربي الذي بات منذ أكثر من نحو ثلث قرن الآن معلماً أساساً من معالم مدينة النور يقدم عن العرب صورة تختلف تماماً عن تلك التي ينشرها الإعلام ليلاً نهاراً، علماً أن تمني زها حديد كان لا يتناقض مع إعلان إعجابها الشديد بالمبنى الحالي للمعهد كما بناه جان نوفيل.
خيمة شانيل "العربية"
الحال أن تلك المبادرة التي قامت بها دار شانيل وانتهت بجعل خيمة دار الأزياء الباريسية تلك، جزءاً من تراث عربي – من إبداع عمرانية عربية – جعلت كثراً منذ ذلك الحين يطلقون على المبنى لقب "خيمة شانيل العربية". وكان في شأن كارل لاغرفيلد وزها حديد معاً أن يرتاحا لذلك اللقب لولا أنهما رحلا تباعاً قبل أن ينتشر منذ بات "المبنى" جاثماً هنا مُضفياً سحراً وجمالاً على الفناء الخارجي للمعهد، ولكن على أهبة دائماً لأن يفك ويركب في أي مكان يتطلب الأمر، بالتوافق بين المعهد ودار الأزياء، أن يوجد فيه، ولكن هذه المرة عبر صيغة عربية التصقت به بالتأكيد وتحت اسمه الشعبي الذي لم يكن في الحسبان "خيمة شانيل العربية".
وربما يكون ذلك بالتحديد لأنه إذا كان للصرح من أعلى، سمة الحقيبة النسائية، فإنه يبدو على مستواه الطبيعي أشبه بخيمة متعددة السقوف يبلغ عرضها 29 متراً وطولها 45 متراً مع ارتفاع إجمال يبلغ متوسط ستة أمتار. ولئن كانت قاعة العروض الوسطى فيه تصل في مساحتها إلى 65 متراً مربعاً، فإن مساحته النافعة الإجمالية كما أشرنا، لا تقل عن 10 أضعاف ذلك ما يتيح توسيع قاعات العرض عدة أضعاف، بل حتى إقامة معارض عدة متجاورة فيه. فهو في النهاية بنيان نقال قابل للتكيف بطرق عدة، إذ إن قطعه الأساسية التي لا يزيد عرض أكبرها على مترين وربع المتر يمكن أن تركب وتفك بكل سهولة وسرعة وتنقل عبر القارات بالطائرات لخفة وزن الواحدة منها.
وربما نجد تفسير ذلك في ما قالته زها حديد عنه من أنه "عمل لا شك يدين بكثير لتكنولوجيات الحاسوب المستحدثة التي حولته من حلم مستحيل إلى واقع ملموس بالنظر إلى أننا استخدمنا في حساباته تقنيات الرقمنة التي لم تترك مجالاً لأي خطأ في الفك والتركيب".