تعيش ضفتا الفرات توترات أمنية بسبب المناوشات التي تحدث بين القوات الحكومية والعشائر من جهة و"قسد" من جهة أخرى (اندبندنت عربية)
تعيش ضفتا الفرات توترات أمنية بسبب المناوشات التي تحدث بين القوات الحكومية والعشائر من جهة و"قسد" من جهة أخرى (اندبندنت عربية)
ثلاث عمليات عسكرية خاضها الجيش التركي في الشمال السوري منذ عام 2016 وانتزع أراضٍ واسعة، خصوصاً مع ذروة وتطور الحراك الشعبي والثوري على نظام الأسد وتحوله من سلمي إلى قتال دامٍ.
وظلت الذريعة التركية في ذلك الوقت حماية حدودها الجنوبية وأمنها القومي مما تصفه بالإرهاب، وما زالت إلى اليوم تشير بإصبعها إلى القوات المقاتلة الكردية على أنها تهديد أمني محتمل على رغم سقوط النظام السابق ووصول نظام جديد يحكمه التيار الإسلامي المقرب من إسطنبول.
اليوم تركيا الحليف الاستراتيجي الأول لدمشق العاصمة، تحاول جاهدة كسب الأرض وتعزيز قواعدها العسكرية، وعينها باتت على الجنوب السوري حيث النار تخرج من السويداء مع شهية إسرائيلية بتنفيذ "طريق داوود" الذي يمر بدرعا والسويداء وصولاً إلى الفرات عبر قاعدة "التنف" الأميركية، وهذا أشبه بكابوس يراود الأتراك، وعين ثانية على ما بقي من أراضٍ في شمال شرقي البلاد وخوفها من صوت الانفصال الكردي المرتفع.
بين ذلك وذاك، تتوالى التعزيزات التركية العسكرية إلى سوريا، وآخرها وحدات مقاتلة إلى منطقة سروج مقابل منطقة عين العرب أو "كوباني"، في ريف حلب الشمالي الشرقي والخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية ("قسد" تحالف عسكري يضم مختلف المكونات العرقية والدينية في المنطقة الشمالية والشرقية تشكل لمقاومة خطر تنظيم "داعش" ومحاربته بدعم أميركي)، مما يشي بحسب أوساط مراقبة بإشارات تركية إلى القبضة العسكرية بعد تعثر الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي في الـ10 من مارس (آذار) الماضي.
بركان قابل للانفجار في أية لحظة
يصف مراقبون ما يدور في منطقة الفرات بأنه أقرب إلى "بركان قابل للانفجار في أية لحظة"، خصوصاً بعد منح أنقرة 30 يوماً لإدارة قوات سوريا الديمقراطية حتى تحسم أمر الانضمام إلى دمشق والجيش الجديد وتسليم الحكم في المنطقة إلى الإدارة الجديدة، في وقت تنأى واشنطن عن الدفاع عن "قسد" في حال نشوب حرب جديدة.
المجلس الأعلى للعشائر يتمنى ألا تكون هناك حرب في المنطقة (اندبندنت عربية)
وأكد رئيس المجلس الأعلى للعشائر في سوريا الشيخ مضر حماد الأسعد وجود تعزيزات عسكرية كبيرة في مناطق منبج وسد تشرين ونبع السلام وتعزيزات ضمن الدرباسية والقامشلي وغيرهما، قائلاً إن تركيا جاهزة ومستعدة بصورة كبيرة للدخول في حرب واسعة النطاق حال فشلت الحلول السياسية وبقيت قيادات "قسد" ملتزمة موقفها، ولا سيما بعد مؤتمر الحسكة الأخير، وسيكون هناك عمل عسكري كبير من جانب تركيا والحكومة السورية، ومدعوم من أبناء العشائر والقبائل من أبناء منطقة الجزيرة والفرات، ومن بينهم مليون عربي يريدون العودة لمناطقهم وهؤلاء لا يريدون العودة إلا بعد طرد "قسد".
وأضاف الأسعد خلال حديث إلى "اندبندنت عربية" أن "أنقرة كانت أعطت ’قسد‘ مهلة من أجل تنفيذ اتفاق الـ10 من مارس الماضي، لكنها تجاهلت الفترة الزمنية، ودائماً ما تتجاهل النداء التركي بالاندماج بينها والجيش الجديد، والتحذير بأنه سيكون هناك عمل عسكري كبير لأن تركيا لن تسمح بتقسيم سوريا وإعطاء ’قسد‘ أية امتيازات في جنوب تركيا لما تعده تأثيراً في أمنها، ومصدر إرهاب عليها، بخاصة أن حزب العمال الكردستاني وكثيراً من قياداته ممن رفضوا الاتفاق مع تركيا انتقلوا من العراق وجبال قنديل وتركيا إلى منطقة الجزيرة والقامشلي والحسكة والرقة".
الفرات وطبول الحرب
وتعيش ضفتا الفرات توترات أمنية بسبب المناوشات التي تحدث بين القوات الحكومية والعشائر من جهة و"قسد" من جهة أخرى، كان آخرها اختطاف مجموعة من قوات سوريا الديمقرطية مؤلفة من ستة عناصر في بلدة غرانيج، ريف دير الزور الشرقي"، تزامناً مع قصف بقذائف الهاون من الضفة الغربية لنهر الفرات ضمن المناطق الحكومية باتجاه مواقع "قسد".
وذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان" ومقره لندن أن "قسد" أطلقت عملية تمشيط واسعة بحثاً عن المختطفين، إذ أفرج عن اثنين منهم، ونقل المرصد عن تلويح إدارة "قسد" باقتحام المنطقة في حال عدم إطلاق المحتجزين، كما وجهت اتهامات إلى قائد الفرقة 86 المعروف بـحاتم أبو شقرا لأن المسلحين يتبعون لإمرته على خلفية قيامه باستفزازات ضد قواتها وإدخال عناصر إيرانية ومقاتلين من "الحشد الشعبي"، وعلى أثر ذلك طالب الأميركيون بخروجه من دير الزور.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الأثناء توقفت حركة نقل البضائع عند معبري دير حافر، ريف حلب الشرقي، ومعبر السلمية (الطبقة) عن التدفق بعد قرار بإيقاف مرور شاحنات نقل البضائع، والسماح للمدنيين بالعبور وسط حال توتر، سبقها وصول تعزيزات من القوات الحكومية ومن بينها وصول قوات تعرف بـ"السلطان سليمان شاه" إلى مناطق خطوط التماس الممتدة من دير حافر شرق حلب وصولاً إلى بلدة عكيريش في ريف الرقة الشرقي، ويأتي هذا التطور بعد اشتباكات غير مسبوقة في محيط دير حافر في الثالث من أغسطس (آب) الجاري في خرق لقرار وقف إطلاق النار هو الثاني من نوعه، مع مؤشرات إلى تصعيد ميداني سبق خرقاً لوقف النار في الـ15 من يوليو (تموز) الماضي.
كل هذه الأحداث تدور حول موقع "سد تشرين" الحيوي، نظراً إلى مكانته الاستراتيجية التي تتنازع عليها القوات الحكومية و"قسد"، إذ أقدمت الأخيرة على التقدم نحو هذا الموقع والسيطرة عليه، إضافة إلى السيطرة على منطقتي دير حافر ومسكنة بعد سقوط النظام السابق في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، وبعد أشهر من النزاع اتفقت الأطراف في الـ10 من أبريل (نيسان) الماضي حول إدارة "سد تشرين" بانسحاب كامل القوات منه، خصوصاً أنه يعد موقعاً يوفر الماء والكهرباء لنسبة كبرى من القاطنين في المنطقة، فضلاً عن أنه "باب جهنم"، كما يصفه مراقبون بالنسبة إلى "قسد"، بحيث يعد المدخل الرئيس لمناطق سيطرتها على شرق الفرات، ولا تريد أن تعطي هذه الفرصة للقوات الحكومية قبل إجراء تسوية سياسية.
استنفاد الفرص
بالحديث عن التعزيزات التركية إلى سوريا ودخولها الحرب، يفسر لنا من إسطنبول الباحث التركي علي أسمر خلال حديث خاص ما يدور في أروقة السياسة الخارجية لبلاده، قائلاً إن "أنقرة تؤمن بالمسار السياسي المتمثل في التواصل مع الولايات المتحدة وحكومة أربيل وحكومة دمشق حول ملف قوات سوريا الديمقراطية".
واستدرك أسمر "لكنها تبقي الخيار العسكري على الطاولة، أي إن تركيا جاهزة لكل السيناريوهات، ولا تحتاج إلى التجهيز فهي جاهزة دائماً، وأعتقد بأنه لا يزال لدينا أمل بالحل السياسي، ولكن إذا استنفدت تركيا والحكومة السورية المسار السياسي، فمن الممكن أن نشهد عملية عسكرية من قبل الحكومة السورية بدعم من القوات التركية، وليس العكس، وهذا هو الطبيعي".
ويرجح أنه في حال فشلت كل الحلول السياسية، فإن الحل العسكري مطروح، ولكن هذه العملية ستكون مختلفة عن العمليات السابقة، فالآن توجد حكومة سورية تتطابق في الرؤى مع تركيا، أي إن العملية يجب أن تبدأ من سوريا، ثم تدعمها تركيا، ولن تكون عملية عسكرية تركية خالصة، بل مساندة للجيش السوري، بحسب وصفه.
وكان الجيش التركي خاض ثلاث عمليات عسكرية تحت تسميات ("نبع السلام" و"درع الفرات" و"غصن الزيتون") في مسعى منه لإنشاء منطقة عازلة بعمق 30 كيلومتراً على الحدود الجنوبية، وأوقفت الولايات المتحدة عملية رابعة في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن.
ومع ذلك يرى رئيس المجلس الأعلى للعشائر في سوريا الأسعد أن مماطلة "قسد" في تنفيذ اتفاق الـ10 من مارس ستكون له آثار مدمرة عليها وعلى من يعمل معها لأن المماطلة وانتهاء الصبر لدى تركيا والحكومة السورية والعشائر والرهان كذلك على الفلول أو ما يحدث في السويداء أو الدعم الخفي الذي يتلقونه من إيران وروسيا ومواصلة السيطرة على الموارد النفطية والغازية والغذائية لن تفيد، لأن العلم السوري سيرفع في مختلف المناطق، بحسب رأيه.
وأشار إلى أن "المجلس الأعلى للعشائر يتمنى ألا تكون هناك حرب في المنطقة بعد الصراع والجوع والحصار والحرمان ونتمنى من ’قسد‘ أن تفي ببنود الاتفاق ودخول الجيش إلى المنطقة لحماية الشعب السوري وتجنيب المنطقة الحرب".
اتفاق وتفاهم أمني
وكانت دمشق وأنقرة وقعتا على اتفاق تعاون مشترك بحضور وزيري دفاع البلدين يشمل دورات تدريبية لرفع الجاهزية العملياتية للجيش السوري وتعزيز القدرة على العمل المشترك والتدرب على المهارات الاختصاصية بما يشمل مكافحة الإرهاب وإزالة الألغام والدفاع السيبراني والهندسة العسكرية واللوجستيات وعمليات حفظ السلام.
ويفسر الباحث التركي الأسمر مذكرة التفاهم بأنها حول التدريب والاستشارات العسكرية وتهدف إلى رفع جاهزية الجيش السوري والقوى الأمنية السورية ضد أي تهديد تواجهه سوريا، سواء كان داخلياً أو خارجياً. وأيضاً، هذه الخطوة ستحد من الأخطاء الفردية التي وقعت بها بعض العناصر المنفلتة في الساحل والسويداء.
ويعتقد الأسمر بأن مذكرة التفاهم هي خطوة تمهيدية لتوقيع معاهدة دفاع مشترك بين تركيا وسوريا، بخاصة أن المبعوث الأميركي توم بارك صرح سابقاً بأن الولايات المتحدة لا تمانع أي تعاون عسكري بين تركيا وسوريا الجديدة.