🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

تحقيق: بين "أوهام الكتاب المدرسي" و"واقع الأرقام".. كيف تزرع المناهج العراقية ثقافة الإنكار والتفوق الزائف؟

هذا اليوم 2026/01/12 21:09

بغداد (تحقيق خاص): في صفحة رقم 67 من كتاب "قراءتي" للصف الرابع الابتدائي في العراق، يواجه التلاميذ تمريناً لترتيب جمل مبعثرة، تتصدرها عبارة تقريرية حازمة: "ينفرد وطننا العراقي من دون بلدان العالم بكثرة أشجار النخيل". 

العبارة أعلاه، التي تُحفظ عن ظهر قلب لملايين الأطفال سنوياً، لا تبدو مجرد معلومة جغرافية عابرة، بل يرى فيها مراقبون وتربويون "حجر الزاوية" في بناء نسق فكري يمجّد الذات الوطنية استناداً إلى معطيات لم تعد موجودة، مما يخلق فجوة معرفية ونفسية بين الطالب العراقي والعالم الخارجي.

يكشف هذا التحقيق كيف تساهم المناهج الدراسية "الجامدة" في تعزيز نبرة "الغرور القومي" غير المبرر، وكيف يصطدم هذا الخطاب بواقع اقتصادي مرير يكشف أن "أرض السواد" باتت تستورد تمورها من دول الجوار التي يتجاهل المنهاج تفوقها.

"ينفرد".. كلمة تُلغي الآخرين

يستنكر خبراء في علم الاجتماع التربوي استخدام مصطلحات الحصر والإطلاق مثل "ينفرد" أو "من دون بلدان العالم" في المناهج العلمية والاجتماعية. 

وفي الوقت الذي يتجه فيه التعليم الحديث نحو النسبية والدقة الرقمية، تصر المناهج العراقية على استخدام "لغة التفخيم".

يقول د. (م. س)، باحث في شؤون تطوير المناهج (فضّل عدم ذكر اسمه): "عندما تخبر طفلاً في التاسعة من عمره أن بلده هو الوحيد الذي يمتلك كثرة من النخيل، فأنت لا تعلمه الجغرافيا فحسب، بل تزرع فيه بذرة الانغلاق. 

وتابع: "أنت تقول له ضمنياً: (لا يوجد منافس لنا، نحن الأفضل، ولا داعي للنظر إلى ما يفعله الآخرون). هذه التربية تنتج جيلاً يميل إلى المبالغة (أو ما يُعرف محلياً بـ"الهمبلة")، ويرفض تصديق أن هناك دولاً ومدناً سبقت العراق بمراحل ضوئية".

ويضيف الباحث: "هذه النزعة تخلق حالة من (الإنكار المعرفي)، حيث يكبر المواطن وهو يعتقد أن بلاده هي مركز الكون زراعياً وحضارياً، وحين يصطدم بالواقع المتطور في الخليج أو العالم، يختار التقوقع أو التشكيك بدلاً من المنافسة".

لغة الأرقام: سقوط أسطورة "الاحتيكار"

بينما يدرس تلميذ الصف الرابع أن بلاده "تنفرد" بالنخيل، تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) لعام 2023-2024 إلى واقع مغاير تماماً ينسف هذه السردية.

لقد فقد العراق، الذي كان يمتلك في السبعينيات أكثر من 30 مليون نخلة، مكانته كمنتج أول للتمور في العالم منذ عقود بسبب الحروب، التجريف، الملوحة، والإهمال الحكومي. 

وتظهر القائمة الحقيقية لأكبر منتجي التمور في العالم تفوقاً كاسحاً لدول أخرى:

الترتيب العالمي الدولة الإنتاج السنوي (طن تقريبي) الحالة في السوق العالمي
1 مصر 1,740,000 المنتج الأول عالمياً
2 المملكة العربية السعودية 1,565,000 ريادة في التقنيات والصناعات التحويلية
3 إيران 1,300,000 مصدر رئيسي للتمور المصنعة للعراق
4 الجزائر 1,150,000 تميز في أنواع التمور الفاخرة
5-6 العراق ~ 650,000 تراجع ملحوظ بسبب الإهمال وتجريف البساتين

* المصدر: تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) - تحديث 2024.

أما العراق، فيتأرجح بين المرتبة الخامسة والسادسة، بإنتاجية تعاني من ضعف التسويق ورداءة التعبئة مقارنة بالمنافسين. وبالرغم من ذلك، لا يزال المنهاج يصر على مفردة "ينفرد"، متجاهلاً النهضة الزراعية الكبرى في دول الجوار.

مفارقة الاستيراد: الوهم في الكتاب والتمر الإيراني في السوق

لعل المفارقة اللافتة التي رصدها هذا التحقيق، هي الفجوة بين ما يقرأه التلميذ وما يأكله في منزله. فبينما ينسخ التلميذ جملة "كثرة أشجار النخيل" في دفتره، تغرق الأسواق المحلية العراقية بالتمور المستوردة والمغلفة بعناية.

تشير تقارير تجارية ومصادر جمركية إلى أن العراق يستورد كميات كبيرة من التمور المصنعة وعجينة التمر من إيران، والإمارات، والسعودية، لسد النقص في الصناعات التحويلية ولتلبية ذائقة المستهلك التي لم يعد التمر المحلي (المعبأ بطرق بدائية غالباً) يرضيها.

يعلق أحد تجار الجملة في سوق "الشورجة" ببغداد: "نحن نستورد التمر المعلب والمحشو بالمكسرات والشوكولاتة من الخارج".

وأضاف أن التمر العراقي موجود، لكنه يُباع كعلف حيواني أحياناً أو يُصدر بأسعار بخسة ليعاد تغليفه في دول الجوار ويُباع لنا مجدداً بأسعار مضاعفة."

ومضى يقول: "الكتاب المدرسي يتحدث عن تاريخ، ونحن نعيش في اقتصاد السوق".

من يكتب المناهج؟ تساؤلات حول "الجمود المزمن"

تفتح هذه القضية الباب واسعاً أمام التساؤل عن الآلية التي تُدار بها مديرية المناهج العامة.

ويشير منتقدون إلى أن القائمين على وضع هذه النصوص يعيشون حالة من "النوستالجيا" (الحنين للماضي)، ويقومون بإعادة تدوير نصوص كُتبت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي دون إخضاعها لمشرط التدقيق المعلوماتي الحديث.

إن الخطر الحقيقي، وفقاً لخبراء النفس، لا يكمن في المعلومة الخاطئة بحد ذاتها، بل في "المنهجية الفكرية" التي تُبنى عليها. 

عندما يعتاد الطالب على تقبل معلومات تتناقض مع الواقع المحسوس، تتشكل لديه شخصية "ازدواجية"؛ شخصية تمتدح الوطن في العلن وبشعارات رنانة، بينما تدرك في قرارة نفسها حجم التراجع، مما يولد حالة من الإحباط المكبوت أو الانفصال عن الواقع.

بينما يتسابق العالم نحو اقتصاد المعرفة والبيانات الدقيقة، لا يزال تلميذ الصف الرابع الابتدائي في العراق يُجبر على ترتيب جمل تمجد "انفراد" بلاده بثروة لم يعد يمتلك زمامها.

ويتفق كثيرون على ان إصلاح التعليم في العراق لا يتطلب فقط بناء مدارس جديدة، بل يتطلب "نسف" السرديات الوهمية التي تُخدّر الأجيال، واستبدال لغة "نحن الأفضل" بلغة "أين موقعنا الحقيقي؟ وكيف نلحق بالآخرين؟". 

وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى الطالب العراقي يحفظ أن بلاده "فريدة من نوعها" في الصباح، ويشتري تمراً مستورداً في المساء.

 

المصدر: وحدة التحقيقات - قسم شؤون التعليم والمجتمع.