🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

بأمر ترامب.. سافايا في بغداد: "الانصياع الكامل أو الاقتلاع الشامل

بغداد اليوم 2026/01/17 21:55
بغداد اليوم – بغداد مع أنباء وصول مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العراق، مارك سافايا، اليوم أو غدا إلى بغداد وهو يحمل "حقيبة مفخخة" بالملفات والعقوبات وما تسميه واشنطن "الهدايا الصعبة"، تتجه الأنظار إلى واحد من أعقد العناوين في الاقتصاد العراقي: شبكات تهريب الأموال، وغسلها، وتدوير العملة الصعبة خارج المسارات القانونية، وسط ترقب لمدى اتساع دائرة الاستهداف التي قد تطال مصارف وشركات ورجال أعمال وشبكات مرتبطة بالفصائل المسلحة، وما يمكن أن تتركه هذه الخطوة من أثر على استقرار الاقتصاد وسعر الصرف وموازين القوى السياسية داخليا. سافايا: مبعوث بـ"لغة الأرقام" مارك سافايا رجل أعمال عراقي أمريكي من أصول كلدانية، يتولى منذ تشرين الأول 2025 منصب المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى العراق، بصلاحيات تربط الملف العراقي مباشرة بالبيت الأبيض. خلال الأيام الأخيرة، عقد سلسلة اجتماعات في واشنطن شملت وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسث، ومدير مكافحة الإرهاب، قبل أن ينتقل إلى وزارة الخزانة الأمريكية، حيث أعلن عن اتفاق على "مراجعة شاملة" لسجلات المدفوعات والمعاملات المالية المرتبطة بمؤسسات وشركات وأفراد في العراق، ممن تُربط أسماؤهم بالتهريب وغسل الأموال والعقود والمشاريع الاحتيالية. الخبير في الشأن الاقتصادي والمالي أحمد التميمي يرى أنّ هذا المسار "يعكس توجهاً أمريكياً متصاعداً لتشديد أدوات الضغط خلال الفترة القليلة المقبلة"، موضحاً لـ"بغداد اليوم" أنّ واشنطن تقدّم هذه الخطوات على أنها جزء من "محاولات حماية النظام المالي الدولي ومنع استغلاله في عمليات غسل الأموال وتمويل أنشطة غير مشروعة". من قيود الدولار إلى عقوبات انتقائية خلال الأعوام الماضية، شدّدت الولايات المتحدة القيود على وصول المصارف العراقية إلى الدولار، عبر منصة التحويلات الخارجية والتعامل مع البنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، ما انتهى إلى تقييد تعاملات عدد من المصارف الأهلية وحظر أخرى من استخدام الدولار، بدعوى الحد من تهريب العملة إلى الخارج. هذه الخلفية تجعل التهديد الجديد الذي يلوّح به سافايا امتداداً لمسار قائم، لكنه أكثر استهدافاً لأفراد وشركات وشبكات محددة. التميمي يشرح جانباً من طبيعة العقوبات المحتملة، مبيناً أنّ "الحزمة قد تشمل تجميد أصول، وقيوداً على التحويلات المصرفية، وحظراً على التعامل مع مؤسسات مالية وشركات يُشتبه بضلوعها في مخالفات جسيمة"، الأمر الذي يعني أنّ بعض الكيانات الاقتصادية قد تجد نفسها فجأة خارج شبكة التعاملات الدولية، أو تحت تدقيق مشدد يرفع كلفة أي نشاط خارجي لها. من المستهدف على الأرجح؟ رغم غياب لوائح معلنة حتى الآن، إلا أنّ نمط العقوبات الأمريكية في ملفات مشابهة يسمح برسم ملامح أولية للفئات المرشحة للاستهداف: -مصارف وشركات صيرفة تتكرر أسماؤها في تقارير الامتثال وغسل الأموال، أو ارتبطت بتحويلات بالدولار جرى حجبها في الفترات الماضية. -شركات واجهة في مجالات المقاولات والتجهيز والتجارة العامة، تعمل كغطاء لعقود حكومية أو توريد سلع أساسية، مع شبهات بوجود "هوامش" تعود إلى جهات سياسية أو فصائل مسلحة. -رجال أعمال ووسطاء ماليون يتولون إدارة شبكة معقدة من التحويلات والعقود العابرة للحدود، خصوصاً مع دول تخضع لعقوبات أو رقابة مشددة. -كيانات مرتبطة بفصائل مسلحة مصنفة أو شبه مصنفة على لوائح العقوبات، سواء عبر شركات أمنية، أو جمعيات، أو واجهات تجارية وإعلامية. في هذا الإطار، يشير التميمي إلى أنّ "الرسالة ليست موجهة فقط إلى الأسماء التي ستوضع على اللائحة، بل إلى الحلقة الأوسع حولها"، لأنّ أي رجل أعمال أو مصرف أو شركة يقترب من هذه الدائرة سيجد نفسه تحت مجهر أنظمة الامتثال الدولية، حتى لو لم يرد اسمه مباشرة في قرارات العقوبات. كيف سيتأثر اقتصاد العراق؟ اقتصادياً، لا تنحصر آثار العقوبات في تجميد حساب هنا أو حظر مصرف هناك، بل تمتد إلى صورة السوق العراقية ككل أمام البنوك المراسلة والمستثمرين. التميمي يحذر من أنّ "أي توسع في دائرة العقوبات سيؤدي عملياً إلى تشديد أكبر من جانب المصارف الأجنبية، التي قد تذهب إلى ما يسمى بـ(الامتثال الزائد)، أي الامتناع عن التعامل مع أطراف عراقية لمجرد خشية التعرّض للعقوبات". هذا التشدد ينعكس في ثلاثة مسارات رئيسية: -رفع كلفة التحويلات والتجارة الخارجية: كلما ارتفع معامل المخاطرة في التعامل مع العراق، زادت العمولات والفترات الزمنية للتحويلات، وربما رُفضت بعض العمليات من الأساس. -ضغط إضافي على سعر الصرف: إذا تراجعت تدفقات الدولار النظامية، أو توسعت دائرة المصارف المقيّدة، سيزداد الاعتماد على السوق الموازي، ما يهدد باستنزاف القدرة الشرائية للمواطن وتوسيع الفارق بين السعرين الرسمي والموازي. -تباطؤ الاستثمارات والمشاريع الكبرى: الشركات الدولية ستعيد حساباتها، خصوصاً في القطاعات التي تتداخل فيها العقود الحكومية مع أطراف محلية معرضة للعقوبات أو الشبهات. المواطن في قلب العاصفة: من الدولار إلى الأسعار رغم أن العقوبات تُصاغ قانونياً على أنها "موجهة" لأفراد وكيانات محددة، إلا أنّ خبرة السنوات الماضية في العراق وإيران وسوريا تظهر أن المواطن غالباً ما يتلقى الضربة الأشد. التميمي يوضح أنّ "أي اضطراب في تدفق الدولار أو تشدد في التحويلات ينعكس بسرعة على أسعار السلع المستوردة، من الغذاء إلى الأدوية والمواد الإنشائية، لأن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة عالية على الاستيراد". ومع ارتفاع الكلف على المصارف والشركات، تُنقل الأعباء تدريجياً إلى المستهلك النهائي عبر: -زيادة أسعار السلع والخدمات. -تقليص فرص العمل في القطاعات التي تتأثر بالعقوبات أو بالتشدد المصرفي. -تضييق الوصول إلى القروض والتمويل، خصوصاً للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. بهذا المعنى، تصبح كيفية إدارة الحكومة لهذا الملف عاملاً حاسماً في تخفيف أثر العقوبات على الشارع: كلما توفرت بدائل منظمة للتجارة والتمويل، وكلما جرى ضبط السوق الموازي ومنع الاحتكار، تراجعت قدرة المضاربين على تحويل العقوبات إلى فرصة للربح على حساب المواطن. هل سيتأثر السياسيون وتختل المعادلة؟ سياسياً، تحمل عقوبات من هذا النوع القدرة على إعادة ترتيب جزء من موازين القوى داخل النظام السياسي العراقي: -الكتل التي يمثل المال السياسي عصب قوتها قد تواجه تضييقاً على شبكات التمويل التقليدية، ما يحد من قدرتها على إدارة الحملات الانتخابية، أو شراء الولاءات، أو تمويل أذرع إعلامية وخدمية. -بعض السياسيين المرتبطين برجال أعمال أو مصارف مشمولة بالعقوبات قد يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما محاولة النأي بالنفس عن هذه الشبكات، أو الدخول في مواجهة سياسية وإعلامية مع واشنطن، بما يحمله ذلك من كلفة داخلية وخارجية. -قوى أخرى قد تستثمر العقوبات لتقديم نفسها بوصفها "أقل كلفة" بالنسبة للغرب، عبر خطاب إصلاحي ووعود بالامتثال المالي، ما يضيف بعداً خارجياً إلى المنافسة الداخلية. في المقابل، تسعى بعض الفصائل إلى التقليل من شأن تهديدات سافايا، بل إنّ بعض خطابها يذهب نحو الاستهزاء بأي جهة سياسية أو اقتصادية تتعاطى بجدية مع ملف العقوبات أو تحاول فتح قنوات تفاهم معه، وصولاً إلى تهديدات مبطنة لكل من "يتجاوب" مع المسار الأمريكي. هذه الرسائل قد تقلل من جرأة بعض الفاعلين على الاقتراب من مسار الإصلاح المالي، لكنها لا تلغي واقع أنّ العقوبات تُفرض من خارج الحدود، وأن كلفتها ستطال الجميع بدرجات متفاوتة. مساران متوازيان: العقوبات والضربات "الجراحية" دلالة أخرى لا تغيب عن مراقبي المشهد تتمثل في ترتيب لقاءات سافايا في واشنطن: وزارة الخزانة من جهة، ووزارة الحرب من جهة أخرى. هذا الجمع، في نظر كثيرين، يعكس مسارين متوازيين في طريقة تفكير إدارة ترامب تجاه العراق والمنطقة: -مسار مالي – عقابي تقوده وزارة الخزانة، عبر مراجعة السجلات، وتشديد الامتثال، وفرض عقوبات على الأفراد والكيانات. -مسار أمني – عسكري "جراحي" يبقى حاضراً كخيار احتياطي، يقوم على ضربات محددة ضد أهداف تُصنف كتهديد مباشر للمصالح الأمريكية أو لشركائها، وهو مسار شهد العراق نماذج منه في السنوات الماضية عبر ضربات بطائرات مسيرة أو صواريخ دقيقة استهدفت قيادات ومواقع لفصائل مسلحة. الاختلاف هذه المرة، وفق تقديرات سياسية، يكمن في موقع سافايا نفسه؛ إذ يُقدَّم في الأوساط السياسية بوصفه مبعوثاً شخصياً لترامب، تربطه به علاقة وثيقة وخلفية تجارية مشتركة، ما يعني أنّ درجة تفويضه السياسي قد تكون أوسع من مجرد مبعوث تقليدي، وأنّ توصياته في ملفي العقوبات والضربات "الجراحية" ستكون أقرب إلى دائرة القرار في البيت الأبيض. أحمد التميمي يحذّر من أنّ "الجمع بين الأداة المالية والأداة الأمنية يرفع مستوى المخاطر؛ فإذا لم تُحدِث العقوبات وحدها التغيير المطلوب من وجهة نظر واشنطن، قد ترتفع شهية استخدام أدوات أخرى، والعراق خبر هذه المعادلة أكثر من مرة". اختبار لإرادة الإصلاح قبل أن يكون صراعاً مع واشنطن في المحصلة، لا تختزل قضية "عقوبات سافايا" بصراع ثنائي بين بغداد وواشنطن، بقدر ما تكشف عن اختبار داخلي لإرادة الإصلاح في العراق: -إن تحركت الحكومة بسرعة لتطهير النظام المالي، وتشديد الرقابة على المصارف والشركات، وتحصين سوق الصرف من المضاربات، يمكن احتواء جزء من الضغوط وتحويلها إلى فرصة لإعادة بناء الثقة. -وإن جرى التعامل مع التهديد على أنه "مجرد جولة سياسية عابرة"، مع الاكتفاء بخطابات إنكار أو تصعيد لفظي، قد يجد العراق نفسه أمام حزمة عقوبات أوسع، تتقاطع فيها مصالح البيت الأبيض مع أجندات إقليمية، فيما يدفع المواطن الكلفة الأعلى على شباك الصيرفة ورفوف السوق. بين هذين المسارين، ستراقب واشنطن وحلفاؤها مسار الأحداث، مثلما يراقب الشارع العراقي سعر الصرف وكلفة المعيشة وفرص العمل. الفارق أن الأول يمتلك أداة العقوبات و"الجراحة"، فيما لا يملك الثاني سوى أن يترقب نتائج لعبة الأرقام والقرارات التي تُصنع بعيداً عنه، ليكتشف لاحقاً إن كان سيدفع ثمنها وحده، أم أن إصلاحاً حقيقياً سيبدأ هذه المرة من الداخل قبل أن يفرضه الخارج. تقرير: محرر قسم الشؤون السياسية في بغداد اليوم
لقراءة الخبر كاملاً من المصدر (بغداد اليوم)