بغداد اليوم – بغداد
حذر مراقبون للشأن السياسي من اندلاع صراع جديد في المنطقة على خلفية التطورات الأخيرة في
سوريا، في وقت تكثف فيه واشنطن مساعيها للحفاظ على حلفائها واحتواء المطالب التركية، والعمل على تفكيك فتيل التصعيد ومنع تفجر جبهات جديدة، فيما تحولت
أربيل اليوم إلى محطة مفصلية لاجتماع حساس يجمع القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، بالمبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك، وبرعاية
مباشرة من قيادة إقليم
كردستان.
أستاذ القانون والعلوم السياسية جمعة بندي قال، في حديث لـ"بغداد اليوم"، إن "الاجتماع الذي عقد اليوم في أربيل بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي، وتوم باراك السفير الأمريكي لدى أنقرة والمبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى سوريا، بالغ الأهمية، ولا سيما أنه جرى بمبادرة ومشاركة مباشرة من رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، ورئيس الإقليم، وبدعم من حكومة الإقليم".
احتواء أبواب الصراع الجديدة
ويشير بندي إلى أن "أهمية هذا اللقاء تنبع من توقيته الحساس، خاصة في أعقاب المواجهات التي شهدتها المناطق الكردية في مدينة حلب، وتحديدا في حيي الشيخ مقصود والأشرفية خلال الأسبوع الماضي"، مبينا أن "عدم احتواء التطورات الأخيرة قد يفتح أبواب الصراع من جديد في المنطقة، ولا سيما بين قوات قسد والمجموعات المسلحة المنضوية ضمن التشكيلات العسكرية السورية الحالية".
ويحذر من أن "أي انزلاق جديد نحو المواجهة سيضع الاتفاق المبرم بين مظلوم عبدي وأحمد الشرع في 10 آذار 2025 على المحك، إذ إن استمرار التوتر الميداني قد ينسف التفاهمات السياسية والأمنية التي جرى التوصل إليها بشق الأنفس خلال العام الماضي، ويدفع الأطراف إلى العودة إلى منطق السلاح بدل مسار التسوية".
سوريا.. مرحلة انتقالية دقيقة تحت ضغط الصراعات
ويضيف بندي أن "المنطقة لا تحتمل اندلاع صراعات جديدة، في وقت تمر فيه سوريا بمرحلة انتقالية دقيقة، تحاول خلالها القوى المحلية والدولية إعادة صياغة توازنات الحكم وحدود النفوذ"، لافتا إلى أن "الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على حلفائها في إطار الحرب ضد تنظيم داعش، بالتوازي مع احتواء المطالب التركية، والعمل على تفكيك فتيل التصعيد ومنع تفجر جبهات جديدة على طول الشريط الحدودي".
ويوضح أن "جزءا من التطورات الأخيرة في حلب يرتبط بالتفاهم الأمني الذي جرى بين سوريا وإسرائيل في باريس الأسبوع الماضي، وما أعقبه من تشكيل خلية تنسيق أمنية واستخباراتية مقرها الأردن، الأمر الذي أتاح إعادة انتشار بعض الفصائل المسلحة من جنوب سوريا باتجاه حلب ومناطق الشمال، بما في ذلك مناطق قريبة من مناطق نفوذ قسد، وهو ما يرفع منسوب الاحتكاك والمخاطر".
الحكم اللامركزي والمناطق العازلة وملف الموارد
وبين أستاذ العلوم السياسية أن "أبرز الملفات الخلافية التي يسعى المبعوث الأمريكي إلى معالجتها مع مظلوم عبدي تتمثل في شكل النظام السياسي المقبل في سوريا"، موضحا أن "الكرد يطالبون بصيغة لامركزية تمنحهم قدرا أوسع من الصلاحيات في إدارة مناطقهم، في مقابل تمسك حكومة دمشق بالمركزية الإدارية والسياسية وتركيز القرار في العاصمة".
ويتابع أن "الحوار يشمل كذلك ملف مناطق الاشتباك وإمكانية إنشاء منطقة عازلة مشتركة بين الجيش السوري وقسد بإشراف أمريكي – تركي، بما يخفف من حدة الاحتكاك المباشر ويطمئن أنقرة من جهة، ويحافظ على حضور قسد في المشهد الأمني من جهة أخرى".
كما يشير إلى أن "إدارة المعابر وملف النفط والغاز يشكلان أحد أهم محاور الحوار، بحكم أن هذه الموارد تمثل عصب التمويل في شمال وشرق سوريا، وأي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستمرار من دون ترتيب واضح لعائدات النفط وآليات توزيعها وإدارة المعابر الحدودية مع العراق وتركيا".
دمج قسد في الجيش السوري.. عقدة العقد
ولفت بندي إلى أن "آلية دمج قوات قسد في الجيش السوري تظل من أكثر القضايا تعقيدا على طاولة التفاوض"، مبينا أن "الجانب التركي يصر على أن يتم الدمج على مستوى الأفراد، بما يعني عمليا حل قسد كقوة منظمة وإلغاء هياكلها واسمها وشعاراتها العسكرية، في حين يطرح قادة قسد صيغة مختلفة تقوم على الإبقاء على الهيكلية ودمجها ككيان ضمن المؤسسة العسكرية السورية، مع الاحتفاظ بخصوصية معينة في القيادة والانتشار".
ويؤكد أن "هذه النقطة تمثل اختبارا حقيقيا لمرونة الأطراف، لأنها تتصل مباشرة بمفهوم السيادة لدى دمشق، وهواجس الأمن القومي لدى أنقرة، ومستقبل المكاسب السياسية والعسكرية التي حققتها قسد خلال سنوات الحرب، ولذلك لا يتوقع أن تحسم بسهولة أو في جولة واحدة".
ويضيف أن "مهمة المبعوث الأمريكي في هذا الملف لن تكون سهلة، غير أن واشنطن تسعى إلى التوصل إلى اتفاق
مباشر مع مظلوم عبدي يضمن الحد الأدنى من التوافق بين الأطراف كافة، ويحول دون انزلاق المشهد من جديد إلى مواجهات مفتوحة".
لماذا أربيل بالذات؟
وختم بندي بالقول إن "اختيار أربيل لاستضافة هذا الاجتماع لم يكن عابرا، بل جاء نتيجة عدة اعتبارات متراكمة"، موضحا أن "دور مسعود بارزاني وقيادة الإقليم في جمع الفرقاء على طاولة واحدة كان حاسما، بحكم علاقاتهم المفتوحة مع مختلف الأطراف الكردية والسورية والدولية".
ويشير إلى أن "لإقليم كردستان مكانة دبلوماسية وحصانة سياسية نسبية في علاقاته مع الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا وأطراف الصراع السوري، إلى جانب موقعه الجغرافي القريب من مناطق شمال شرق سوريا، ولا سيما معبر سيمالكا في فيشخابور بوصفه شريانا حيويا لمدينة القامشلي ومناطق الإدارة الذاتية".
ونوه بأن "نجاح هذا المسار التفاوضي يبقى ضروريا للحفاظ على استقرار المنطقة، في ظل ظروف لا تحتمل مزيدا من النزاعات أو موجات نزوح جديدة، وفي حال تعثره قد تعود الساحات الشمالية إلى دائرة التصعيد، بما ينعكس على أمن العراق وتركيا والأردن وبقية دول الجوار".
وفي وقت سابق من اليوم، وصل إلى أربيل قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك، بحسب ما أفاد به مراسل "بغداد اليوم"، مشيرا إلى أن "اللقاء يأتي ضمن جهود لتسوية الوضع السياسي والعسكري في مناطق شمال وشرق سوريا، بعد سنوات من التوتر بين قسد والحكومة السورية".
المصدر: بغداد اليوم+ وكالات