القامشلي (هذا اليوم)- في اللحظة التي وقع فيها الجنرال مظلوم عبدي على وثيقة التفاهمات الأخيرة مع دمشق، كان يدرك أنه يضع توقيعه على نهاية مرحلة "الحكم الذاتي" بشكله العسكري، لكنه في المقابل كان يفتح مساراً اضطرارياً لإنقاذ الكتلة البشرية الكردية من سيناريوهات كارثية كانت تحيط بها من كل جانب.
الرجل الذي وصفته دوريات استراتيجية غربية بأنه "الرقم الصعب" في المعادلة السورية، أثبت عبر هذا القرار أنه قائد يجيد قراءة الخرائط الجيوسياسية بنفس دقة قراءته لخرائط المعارك، مفضلاً "مرارة التنازل" التكتيكي على "انتحار" المشروع بالكامل.
بالنسبة للمراقبين، يمثل عبدي نموذجاً للقيادة البراغماتية التي استطاعت -رغم التخلي الدولي- أن تحجز للكرد مقعداً على طاولة التفاوض النهائي، بدلاً من أن يكونوا بندا مجردا في قوائم الضحايا، مستنداً إلى إرث عسكري وتنظيمي يمتد لأكثر من ثلاثة عقود.
من "هندسة البناء" إلى "هندسة التنظيم"
ولد فرهاد عبدي شاهين في تاريخ يحمل رمزية قومية خاصة، يوم "نوروز" الموافق 21 مارس 1967، في قرية تابعة لمدينة كوباني (عين العرب).
وخلافاً للصورة النمطية لقادة الفصائل، يحمل عبدي شهادة في الهندسة المدنية من جامعة حلب. ويرى عارفوه أن خلفيته الهندسية انعكست على أسلوب قيادته؛ فهو يميل إلى البناء المؤسساتي والتخطيط طويل الأمد، وليس الاندفاع العاطفي، وهو ما مكنه من بناء هيكلية "قسد" المعقدة.
انخرط في العمل السياسي عام 1990، ورغم حداثة سنه آنذاك، استطاع نسج علاقات تنظيمية متقدمة. دفع ضريبة نشاطه مبكراً، حيث اعتقلته أجهزة الأمن السورية 5 مرات خلال حقبة التسعينيات، وهي تجربة أكسبته فهماً عميقاً لعقلية النظام الذي يفاوضه اليوم.
الشريك الموثوق
لم يكن صعود نجم عبدي عالمياً وليد الدعاية، بل نتاج نتائج ميدانية ملموسة على الأرض.
معركة كوباني (2014)
شكل رفضه للانسحاب من مدينته "كوباني" أمام زحف تنظيم داعش، رغم النصائح الغربية، نقطة التحول الكبرى. صموده الميداني أجبر التحالف الدولي على تغيير استراتيجيته واعتماده كشريك رئيسي، كما يقول محبوه.
استطاع تحويل مجموعات متفرقة (وحدات حماية الشعب) إلى جيش شبه نظامي (قوات سوريا الديمقراطية) قوامه يتراوح بين 70,000 إلى 100,000 مقاتل، يتميز بضبط وربط عسكريين في فصائل المنطقة، مما جعله القوة الوحيدة القادرة على دحر داعش من الرقة ودير الزور.
العملية الاستخبارية الأبرز
يُسجل له النجاح الاستخباري الأهم في الحرب على الإرهاب، حينما تمكنت شبكته الأمنية في أكتوبر 2019 من اختراق الدائرة الضيقة لزعيم داعش "أبي بكر البغدادي"، وتوفير الدليل البيولوجي (DNA) الذي قاد للعملية الأمريكية، مما دفع الرئيس دونالد ترامب لمخاطبته بلقب "الجنرال" وشكره علناً.
بين "الإرهاب" و"الجنرال".. جدلية التصنيف
يعيش عبدي وسط تناقض دولي حاد يعكس ثقل دوره:
في أنقرة: هو "المطلوب رقم 9" على القائمة الحمراء لوزارة الداخلية، ومصنف كإرهابي خطير برأس يقدر بـ 9 ملايين ليرة تركية (وفق تحديثات القوائم)، نظراً لتاريخه القديم في حزب العمال الكردستاني.
في واشنطن وأوروبا: هو "الجنرال مظلوم"، الحليف الموثوق والمنضبط الذي يمكن الاعتماد عليه في الملفات الأمنية المعقدة، والشخصية التي تمتلك "الكاريزما" لتوحيد المكونات الكردية والعربية والسريانية تحت مظلة واحدة.
"مسؤولية تاريخية"
في ظل المتغيرات العاصفة مطلع عام 2026، وتغير أولويات الإدارة الأمريكية، وجد عبدي نفسه أمام "اختبار القيادة" الأصعب.
تشير القراءات إلى أن قراره بالاندماج مع الجيش السوري لم يكن نابعاً من ضعف عسكري بقدر ما هو "قراءة واقعية" لميزان القوى. لقد اختار عبدي:
حماية الحاضنة الشعبية: تجنيب مدن القامشلي والحسكة وكوباني مصير "غزة" أو سيناريوهات التهجير القسري التي كانت تخطط لها تركيا.
المأسسة بدلاً من الحل: بدلاً من حل قواته وتشتتها، فاوض على دمجها ضمن هيكلية الدولة، مما يضمن (نظرياً) بقاء العنصر الكردي مسلحاً ومدرباً ولكن تحت مظلة الشرعية الدولية للدولة السورية.
انتزاع الاعتراف: محاولة تحويل المكسب العسكري إلى مكسب دستوري وثقافي، عبر ضمان حقوق الكرد في الدستور الجديد مقابل التنازل عن "الإدارة الذاتية" المنفصلة.
"رجل المرحلة"؟
قد يختلف الكثيرون حول خيارات مظلوم عبدي السياسية، لكن الثابت هو أنه الرجل الذي قاد شعبه في أصعب عشر سنوات في تاريخ المنطقة.
وينظر إلى قراره الأخير بالانحناء للعاصفة إلى أنه "الاستدارة الاستراتيجية" التي حفظت الوجود الكردي من الزوال، محولاً نفسه من "قائد ميليشيا" في نظر خصومه، إلى "رجل دولة" يحاول تأمين مستقبل شعبه ضمن الممكنات المتاحة في جغرافيا لا ترحم الضعفاء.