بغداد اليوم – بغداد
تأكّد خلال الساعات الماضية هروب أعداد من عناصر تنظيم داعش من سجن الشدادي في شمال شرق سوريا، بعد إعلان قوات سوريا الديمقراطية عن فقدان السيطرة على السجن تحت ضغط هجمات متكررة، في حين تتحدث روايات أخرى عن أنّ جزءًا من السجناء خرجوا خلال حالة فوضى رافقت تغيّر السيطرة على المنطقة، وسط نفي سوري رسمي وتحميل متبادل للمسؤولية بين الطرفين. هذا التطور ترافق مع استمرار المعارك في محيط سجن الأطباق ومنشآت احتجاز أخرى، ليجد العراق نفسه أمام مشهد إقليمي شديد الحساسية، يُعاد فيه فتح ملف سجون داعش وحدود الصحراء الممتدة بين البلدين.
في هذه الأجواء المتوترة، يراقب العراقيون بقلق أخبار السجون والمعارك في شمال وشرق سوريا، بينما تحاول القيادات الأمنية في بغداد توجيه رسائل مزدوجة: الاعتراف بأنّ التطورات على الجانب السوري تحمل مخاطر جدّية، والتأكيد في الوقت نفسه على أنّ الشريط الحدودي يخضع لإجراءات مشدّدة، وأنّ المنظومة الأمنية والاستخبارية الحالية صُمّمت تحديدًا لمنع تكرار سيناريوهات الانهيار الأمني التي عاشها البلد عام 2014.
شبكة سجون ومخيمات متخمة بالمتطرفين
تقديرات المنظمات الدولية والتقارير المتخصصة تشير إلى أنّ شمال وشرق سوريا يحتضن واحدة من أعقد خرائط الاحتجاز في العالم لما بعد "داعش".
ففي سجون تديرها قوات سوريا الديمقراطية، يتوزع ما لا يقل عن ١٠,٠٠٠ من مقاتلي التنظيم المشتبه بهم، كثير منهم من المحترفين الذين خاضوا معارك العراق وسوريا على مدى سنوات، بحسب تقارير إعلامية غربية ودراسات بحثية تابعت الملف منذ سقوط الباغوز عام 2019.
أما في المخيمات، وعلى رأسها مخيم الهول وروج، فما تزال عشرات الآلاف من النساء والأطفال عالقين في فضاء قانوني وأمني معلق. تقارير حقوقية دولية قدّرت أعداد المحتجزين من الأجانب وحدهم بنحو 42,000 شخص من 60 دولة، معظمهم أطفال، في حين تتحدث تقارير أخرى عن ما يزيد على 56,000 محتجز في المخيمات ومراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا، في ظروف وصفت بأنّها غير إنسانية وقابلة للانفجار في أي لحظة .
هذه الأرقام ليست بعيدة عن العراق. آلاف من هؤلاء من حملة الجنسية العراقية، بعضهم مقاتلون سابقون، وغالبيتهم من عوائل التنظيم التي نزحت أو أُخذت إلى تلك المناطق خلال سنوات "الخلافة".
العراق يعيد أبناءه من الهول: تخفيف للخطر أم نقل للمشكلة؟
خلال الأعوام الأخيرة، تحركت بغداد في مسار مواز للمعالجات الأمنية، تمثل في إعادة العائلات العراقية من مخيم الهول إلى الداخل، ضمن برنامج إعادة تأهيل وإدماج اجتماعي يتم عبر مخيم الجدعة في نينوى.
بيانات وزارة الهجرة والمهجرين وتقارير دولية حديثة تشير إلى أنّ العراق أعاد ما لا يقل عن ١٥,٠٠٠ من رعاياه من الهول حتى منتصف عام ٢٠٢٥، بينهم آلاف الأطفال، مع استمرار دفعات جديدة، كان آخرها أواخر عام ٢٠٢٥ بنقل أكثر من ٨٠٠ شخص ضمن ٢٢٢ عائلة عراقية . هذا المسار يهدف، وفق المنطق الأمني العراقي، إلى تقليص عدد العراقيين الموجودين داخل بيئة مضطربة لا تخضع لسيطرة دولة مستقرة، ونقلهم إلى مسار قانوني وأمني محكوم داخل العراق.
في المقابل، يحذر خبراء من أنّ إعادة العائلات من دون برامج تأهيل حقيقية، ودعم اجتماعي ونفسي وتعليمي منظم، يمكن أن يحول الملف من "خطر حدودي" إلى "خطر داخلي مؤجل". لكن وجهة النظر الرسمية العراقية تميل إلى أنّ بقاء تلك العائلات رهائن لمخيمات غير مستقرة، وأحداث أمنية في سوريا، أكثر خطورة من إدارتها داخل بيئة عراقية خاضعة للمتابعة والرقابة.
من حسكة 2022 إلى معارك السجون اليوم: لماذا تبقى السجون عقدة المشهد؟
هجوم داعش على سجن غويران في الحسكة مطلع عام 2022 كان لحظة إنذار مبكر للمنطقة بأكملها. تقارير مكافحة الإرهاب الدولية وثقت آنذاك هجوما معقدا استمر لأيام، وأسفر عن مقتل المئات، وأعاد التذكير بأن التنظيم ينظر إلى السجون بوصفها "خزان احتياط" لإعادة بناء صفوفه متى سنحت الفرصة .
اليوم، ومع الأنباء المتلاحقة عن معارك حول سجون مثل الشدادي أو مرافق احتجاز أخرى في شمال وشرق سوريا، تعود ذات الأسئلة إلى الواجهة: ماذا يعني أن تضم منطقة واحدة آلاف المقاتلين المتطرفين في سجون قريبة نسبيا من حدود العراق؟ وكيف يمكن لأي فراغ أمني، ولو لساعات، أن يتحول إلى موجة هروب يصعب ضبط تداعياتها؟
دراسات بحثية متخصصة في ملف "داعش بعد الخلافة" تؤكد أنّ التنظيم لم يعد يعوّل على السيطرة الجغرافية بقدر ما يركز على بناء شبكات مرنة صغيرة العدد، تستغل الفوضى، وتتحرك بين الصحراء والحدود والمناطق الهشة أمنيا، مستفيدة من أي حدث كبير مثل انهيار سجن أو اضطراب السيطرة على مخيم .
انطلاقا من هذه المعادلة، يصبح الحديث عن "سجن واحد" أو "محاولة هروب محدودة" أكبر بكثير من عدد الفارين، لأنّ كل عنصر يتمكن من الخروج، يمكن أن يتحول إلى حلقة في شبكة أوسع تنشط لاحقا في العراق وسوريا معا.
طمأنة عراقية: حدود ممسوكة وخبرة متراكمة
في مواجهة هذه المخاوف، تحرص القيادات الأمنية والعسكرية العراقية على إرسال رسائل طمأنة متكررة بشأن الحدود مع سوريا.
فمنذ أحداث سجن الحسكة عام 2022، أكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء يحيى رسول، في أكثر من تصريح، أنّ الحدود العراقية السورية "مؤمنة بالكامل"، وأنّ القوات الأمنية ضاعفت جهدها على الشريط الحدودي، مع نشر كاميرات حرارية وأسلاك شائكة وخنادق، إضافة إلى وجود قطعات من الجيش تسند قوات حرس الحدود، لمنع أي محاولة تسلل لعناصر التنظيم .
لاحقا، ومع تجدد التوتر في سوريا أواخر 2024، عاد وزير الداخلية العراقي، عبد الأمير الشمري، ليؤكد أنّ الحدود مع سوريا مؤمنة، وأنّ العراق لم يرصد أي خرق أمني أو محاولة اختراق فعلية، مشيرا إلى أنّ قوات الجيش والحشد الشعبي وقوات الحدود تنتشر في أكثر من خط دفاع، وأنّ معنويات المنتسبين "عالية جدا" على امتداد الشريط الحدودي .
الرسالة ذاتها كررها متحدثون عسكريون آخرون، مؤكّدين أنّ التجربة القاسية لعام ٢٠١٤ دفعت العراق إلى إعادة هندسة منظومة ضبط الحدود، من خلال السواتر الترابية، والخنادق، والدوريات المشتركة، واستخدام الطيران المسير، وربط نقاط المراقبة بغرف عمليات مشتركة، إلى جانب جهد استخباري يلاحق شبكات التهريب والخلايا المتبقية على جانبي الحدود .
الخبير في الشؤون الاستراتيجية رياض الوحيلي يذهب في الاتجاه نفسه، ويقول لـ"بغداد اليوم" إنّ "احتمالات حدوث أي خرق أمني أو عمليات تسلل عبر الحدود العراقية – السورية تعد محدودة للغاية، في ضوء انتشار وحدات حرس الحدود والقوات الساندة، واعتماد خطط ميدانية تراعي طبيعة الأرض، إضافة إلى التكامل بين العمل الميداني والجهد الاستخباري". ويضيف أنّ "استخدام أنظمة المراقبة الليلية والكاميرات الحرارية والطائرات المسيرة، مع التحصينات والسواتر والخنادق، جعل تنفيذ اختراق فعال مهمة شديدة الصعوبة".
قلق مشروع وحدود للطمأنة
مع ذلك، لا تلغي هذه الطمأنة القلق، بل تضبطه داخل إطار سياسي وأمني محدد. اللواء جواد الدهلكي، الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، يلفت في حديثه لـ"بغداد اليوم" إلى أنّ "الاضطرابات في بعض المناطق السورية التي تضم سجونا ومخيمات لعناصر التنظيم وعوائلهم تشكل تهديدا حقيقيا للعراق إذا حدث انهيار أمني أو ضعف في إدارة تلك المنشآت"، محذرا من أنّ أي هروب جماعي أو فوضى في محيط هذه السجون "قد يعيد تنشيط الخلايا الإرهابية ويفتح ممرات تسلل باتجاه الأراضي العراقية".
في المقابل، يشدد الدهلكي على أنّ العراق "يمتلك اليوم خبرة أمنية كبيرة في مكافحة الإرهاب وضبط الحدود"، ويرى أنّ المطلوب حاليا هو "تعزيز الإجراءات الاستخبارية والاستطلاعية على طول الحدود، وتكثيف المراقبة الجوية والتنسيق الميداني، مع إبقاء القوات الأمنية في أعلى درجات الجاهزية، وعدم الاكتفاء بالمعالجات العسكرية فقط، بل تبني مقاربة شاملة تشمل التعاون الأمني والدبلوماسي وتبادل المعلومات".
بين أرقام السجون وخنادق الحدود: أين يقف العراق الآن؟
الصورة العامة تلخص نفسها في معادلة واضحة: هناك شبكة سجون ومخيمات في شمال وشرق سوريا تضم آلافا من أخطر عناصر "داعش" وعوائلهم، موضوعة فوق أرض سياسية وعسكرية هشة، تشهد تغيرا في خرائط السيطرة وتحالفات السلاح. وفي المقابل، يوجد عراق أعاد جزءا كبيرا من رعاياه من تلك البيئة، وطور منظومة ضبط حدود أكثر تشددا مقارنة بما قبل عام 2014، ويؤكد عبر مسؤوليه الأمنيين أنّ الشريط الحدودي ممسوك، وأنّ أي محاولة تسلل واسعة ستكون مكلفة وفاشلة.
لكن ما بين هذين الطرفين يبقى هامش قلق مشروع: أي انهيار مفاجئ في سجن كبير، أو اضطراب في إدارة مخيم يضم آلاف الأطفال والنساء المرتبطين بالتنظيم، يمكن أن ينتج عنه عدد محدود من الفارين القادرين على بناء شبكات صغيرة وخطيرة في آن واحد. وهذا ما يجعل ملف "سجون داعش" في سوريا ملفا إقليميا بامتياز، لا يكفي فيه خطاب الطمأنة، ولا تكفي معه الإجراءات العراقية وحدها، بل يحتاج إلى معالجة مشتركة قانونية وأمنية وسياسية، حتى لا تتحول الحدود من خط دفاع إلى خط عبور لموجة جديدة من العنف في العراق والمنطقة.