بغداد (هذا اليوم)- لم يعد الحديث في أروقة الدوائر الحكومية والشارع يدور حول "نص القرار" الذي صدر مؤخرا فحسب، بل غدا صدمة تتعلق بـ "لغة الأرقام" وقوت العوائل.
وكشفت قراءات مالية دقيقة عن كارثة معيشية ستضرب شريحة واسعة من الموظفين، وتحديداً حملة الشهادات العليا، جراء قرارات التقشف الأخيرة.
انهيار الرواتب
وفي تفاصيل الأثر المباشر للقرار، حذر مراقبون ومختصون في الشأن المالي من أن إلغاء المخصصات الجامعية سيؤدي فوراً إلى انخفاض حاد وتآكل في الرواتب الشهرية، ستكون وطأته الأقسى على الموظفين المعينين حديثاً.
وتشير التقديرات الأولية وجداول الرواتب المتوقعة إلى أن راتب الموظف الحاصل على شهادة عليا (ماجستير أو دكتوراه) سينخفض من مستويات كانت تقارب (900) ألف دينار، ليهوي إلى ما يقارب (600) ألف دينار فقط.
يقول موظفون ان هذا الانحدار المفاجئ وضع آلاف الأسر أمام عجز حقيقي عن مواجهة متطلبات الحياة، في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة.
مفارقة "الداخل" و"الخارج"
هذا الانخفاض الكبير أثار موجة سخط عارمة ومقارنات "موجعة" تداولها ناشطون وأكاديميون، حيث قارنوا هذا الراتب المتدني بما يتقاضاه اللاجئون العراقيون في أوروبا والتي تصل إلى ما يعادل (1.2) مليون دينار عراقي، دون أن يقدموا أي خدمة وظيفية أو يمتلكوا شهادات عليا سوى انهم من شريحة رفحاء.
ويرى المنتقدون أن هذه المفارقة تعكس خللاً فادحاً في "سلم أولويات الإنفاق الحكومي"، حيث يتم استهداف الكفاءات الوطنية العاملة بدلاً من دعمها، ويتم قص شريط "الإصلاح" من رواتب صغار الموظفين، دون المساس بالامتيازات السياسية – بحسب وصفهم.
تأتي هذه القراءات المالية التشاؤمية ترجمة عملية للقرار الذي وقعه نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس المجلس الوزاري للاقتصاد فؤاد حسين، في الثالث عشر من الشهر الجاري، والذي وصفه موظفون بـ "الزلزال الإداري".
الوثيقة التي حصلت هذا اليوم على نسخة منها، تضمنت حزمة قرارات تقشفية صارمة، كان أبرزها:
- إلغاء قرار مجلس الوزراء رقم (344) لسنة 2011: وهو السند القانوني الذي كان يمنح مخصصات بنسبة 50% لحملة الشهادات العليا في الوزارات (خارج وزارة التعليم).
- إغلاق الآفاق العلمية: نص القرار على إيقاف جميع القنوات الدراسية الخارجية المعتمدة حالياً، وتوجيه وزارة التعليم بإعادة النظر بالجامعات المعترف بها.
- تقليص المبادرة التعليمية: تخفيض مخصصاتها بنسبة 50%.
- حصر مخصصات الخدمة الجامعية: منع صرفها لغير المتفرغين للتدريس في وزارتي التعليم والصحة بشكل قاطع.
تظاهرات ورفض قاطع
كرد فعل مباشر على هذه الإجراءات، لم تتأخر الاحتجاجات، حيث شهدت الأيام القليلة الماضية خروج تظاهرات غاضبة في بغداد وعدد من المحافظات، نظمها حشود من حملة الشهادات العليا والموظفين المتضررين.
ورفع المحتجون لافتات ترفض تحميلهم فاتورة العجز أو الإصلاح الاقتصادي المزعوم، مؤكدين أن المساس بالراتب الاسمي ومخصصاته "خط أحمر"، ومطالبين رئيس الوزراء بالتدخل لإلغاء مقررات المجلس الوزاري للاقتصاد قبل دخولها حيز التنفيذ الفعلي في قوائم الرواتب المقبلة.