🏠 الرئيسية دليل الخدماتمجتمع ومنوعاتمال وأسواقانتخاباتبيانات رسميةتكنولوجيا وعلوم
🏠

"رقم صعب" في الأخبار.. مسعود بارزاني: "المرجع الأخير" الذي عجزت "سايكس بيكو" عن تحجيمه

هذا اليوم 2026/01/23 22:28

بينما تقترب عقارب الساعة ببطء وثقل من ظهيرة يوم غد السبت، موعد انتهاء "الإنذار الرئاسي" الذي حدده الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع لاندماج الحسكة الكردية بالقوة تحت سلطته، على خطى صديقه دونالد ترامب المؤمن بعقيدة السلام بالقوة، لا يبدو الزعيم الكردي مسعود بارزاني زعيما سياسيا يراقب المشهد اينما كان فحسب ، ولا مجرد زائر دبلوماسي إلى روما ؛ بل يمثل اليوم باعتباره "المرجع الاستراتيجي" الأوحد الذي يمتلك القدرة على قراءة ما بين سطور الخرائط المحترقة في سوريا

وبينما كان نجله، رئيس الحكومة القوي مسرور بارزاني، يحول أروقة منتدى "دافوس" الاقتصادي إلى منصة تحشيد سياسي عالمي لتأمين مظلة دولية للكرد، كان "الزعيم الأب" يمسك بخيوط اللعبة المعقدة، مستنداً إلى إرث رجل قوي يعرف كيف يرتدي "البدلة" في القصور، ومتى يعود إلى "الجمدانة" وسلاح البيشمركة في قمم الجبال، ماسكاً "عصا التوازنات" من المنتصف في عالم لا يعترف إلا من اتبع ملتهم.

ولفهم الثقل الذي يمثله البارزاني في هذه اللحظة الوجودية الفارقة، يتعين على المرء أن يتجاوز الصورة الذهنية البروتوكولية للزعيم السياسي، وسبر أغوار تكوين "المقاتل المخضرم" الذي ولد تحت قصف الطائرات وعجنته حروب العقود الطويلة وانهار الدم وخسارة الرفاق.

لا يخدعنّ أحداً هدوء الرجل أو صمته الطويل لأن خلف هذه الكاريزما تكمن عقيدة قتالية صلبة وعقلية "زهد ثوري" يدركها الخصوم قبل الحلفاء، كما يقول المقربون منه.

بارزاني، الذي خبر حياة الكهوف والخنادق، هو القادر في لحظة الخطر الداهم أن يترك خلفه كل مظاهر السلطة والرفاهية ليعود إلى الجبل، يعيش أشهراً وسنوات على "كسرة خبز، حبة طماطم، كوب شاي، وربما لفافة تبغ"، متحملاً أقسى الظروف المناخية واللوجستية دون أن تنحني له قامة. 

هذه القدرة على "تصفير الاحتياجات" والعودة إلى الجذور النضالية هي التي تمنح تهديداته اليوم وزناً مرعباً، وتجعل تعهداته بحماية الكرد "شيكاً مصدقاً" بالدم والتاريخ، وليس مناورات سياسية عابرة فحسب.

اليوم، وعندما تتهاوى قلاع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) شرق الفرات مثل أحجار الدومينو، لا بد لكل منصف أن يتذكر "النبوءة البارزانية" التي طالما تجاهلتها قيادات قسد. لسنوات طوال، دأب بارزاني على إسداء نصائح استراتيجية لمظلوم عبدي ورفاقه، محذراً إياهم من مغبة "الانقطاع عن الجذور" وقطع حبل السرة مع إقليم كردستان العراق، داعياً إياهم لرفع علم كردستان رمزا جامعا يحميهم في العواصف القادمة، بدلا من الأعلام الأيديولوجية الضيقة.

كان تحذيره الأبرز والأخطر يتعلق بـ "الرمال المتحركة" في المناطق العربية؛ تلك العشائر التي لا تؤتمن ولاءاتها في بيئة متقلبة، إذ أثبتت الأيام صحة رؤيته "السوسيولوجية" بدقة مرعبة.. فالعشائر العربية التي صفقت لبشار الأسد سابقاً، ثم بايعت تنظيم "داعش" لاحقاً، وانضوت بعدها تحت راية "قسد"، هي ذاتها التي انقلبت خلال 48 ساعة فقط، مسلمة مدنها ومناطقها لقوات الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بلا طلقة واحدة، تاركة المشروع الكردي في سوريا عارياً أمام عاصفة "الاندماج بالقوة". 

يقول بارزاني مستحضراً نصائحه السابقة: "سبق أن قلت لمظلوم عبدي وغيره: هذه المناطق العربية ستخلق لكم مشكلة، جدوا لها علاجاً". لكنهم لم يسمعوا، فكانت النتيجة ما نراه اليوم.

وفي خضم هذا الانهيار، تتكشف فصول "الخيانة الأمريكية" المكررة. يروي بارزاني تفاصيل مشهد سريالي يلخص الموقف: "اتصل المبعوث الأمريكي توم براك وقال نرغب بالمجيء إلى أربيل للاجتماع، ومعه كان قائد قسد عبدي. وبينما كنا في الاجتماع، كانت الرسائل تصلنا تباعاً تفيد بانطلاق المعارك وسقوط المناطق". 

هذا المشهد الدرامي لم يفاجئ بارزاني الذي يمارس "الواقعية السياسية" بأقصى درجاتها، ولم يضع كل بيضه يوماً في السلة الأمريكية المثقوبة؛ بل وازن ببراعة بين علاقاته الاستراتيجية مع الغرب، وبين فتح قنوات اتصال ندية ومباشرة مع محيطه الإقليمي، وما زيارته إلى روما إلا دليلا على ذلك.

ومع بدء العد التنازلي لمهلة الشرع، أدار بارزاني حراكاً دبلوماسياً معقداً يشبه "السير في حقل ألغام". يكشف الزعيم الكردي أنه ومنذ اللحظة الأولى لاندلاع معارك حلب، بادر بإرسال رسالة عاجلة للرئيس أحمد الشرع عبر "صديق عربي" مشترك، تضمنت معادلة أمنية واضحة: "إن المواجهات السياسية بين طرفين (قسد والجيش السوري) أمر يمكن احتواؤه، لكن التعدي على الكرد ومناطقهم مرفوض جملة وتفصيلاً، وله تبعات يجب الحذر منها".

هذه الرسالة الحازمة لم تتوقف عند الوسيط، بل تطورت إلى اتصال هاتفي مباشر بطلب من الشرع نفسه، أكد فيه الأخير أن المساس بالكرد "مستحيل ولن يحصل". 

هذه الضمانات التي انتزعها بارزاني لم تأتِ من فراغ، بل من إدراك دمشق الجديدة أن "البارزاني" يمتلك مفاتيح السلم والحرب في المعادلة الكردية، وأنه الرجل الذي يلتزم بكلمته.

تتجلى فلسفة القوة لدى مسعود بارزاني في هذا المنعطف التاريخي بوضوح؛ فهو، وإن كان يؤكد دائماً "لم أكن يوماً مع الحرب وأسعى للحلول السلمية"، إلا أنه يرسم خطوطاً حمراء بالدم لا بالحبر. 

في حديثه عن الأزمة، استدعى بارزاني ببراعة سيناريو "كوباني 2014" كسابقة قياس عسكرية، مؤكداً بلهجة لا تقبل التأويل: "لو كان لدي فرصة مثل تلك التي مُنحت عام 2014، لأرسلت قوة فورية للدفاع عن كوباني وكردها".

هذا التلويح بالتأكيد لا يعد حنينا للماضي، انما هو رسالة ردع للمستقبل، مفادها أن إقليم كردستان يمتلك "قوات بيشمركة" وقوة ذاتية تجعل التفكير في الاعتداء عليه أو على عمقه القومي ضرباً من الجنون، وأن المعادلة تتغير جذرياً "عندما تصل الأمور إلى معاداة الكرد واجتثاثهم"، حينها "نكون كلنا يداً واحدة، ومستعدون لفعل أي شيء".

وعلى الضفة الأخرى، تتابع باريس بقلق بالغ تداعيات هذا الانهيار، حيث يحاول الرئيس ماكرون لعب دور الوسيط، مصدوماً من التفرد الأمريكي وقرارات الانسحاب. لكن باريس تدرك اليوم أن "مفاتيح الحل والتهدئة" لم تعد في واشنطن المتخبطة، بل في أربيل.

وبينما تقترب المهلة من نهايتها ظهر السبت، وتستعد قوات الجيش السوري الجديد للتحرك، يبقى إقليم كردستان بقيادة بارزاني "الرئة الوحيدة" والعمق الاستراتيجي الذي يتنفس منه كرد سوريا. "كردستان لم تبخل يوماً"، يقول الواقع؛ فتحت حدودها للنازحين، وسارعت بتقديم المساعدات، ووفرت الغطاء السياسي، رغم المرارة من تجاهل النصائح السابقة.

في المحصلة، ومع اقتراب عقارب الساعة من ساعة الصفر، لا يمثل المشهد الحالي خسارة عسكرية لفصيل أو مكسباً لآخر فخسب، بل هو درس بليغ في "فقه البقاء" يلقيه بارزاني على مسامع الشرق الأوسط؛ درس مفاده أن "البندقية المستأجرة" قد تصنع معركة لكنها لا تبني وطناً، وأن الرهان على "الظهير الأمريكي" هو رهان على سراب. 

اليوم، وحين يغرق الآخرون في رمال التحالفات المتحركة، يقف "جنرال الجبل" راسخاً ليثبت حكمةً ستكتب بماء الذهب في سجلات التاريخ: أن القيادة العظمى ليست تلك التي تقود شعوبها إلى الانتحار بشجاعة، بل تلك التي تملك الجرأة لإنقاذهم بحكمة، مؤكداً للعالم أن من يستند إلى جباله وشعبه وعمقه الاستراتيجي لا يكسره خذلان الغرباء، وأن من يملك "البوصلة" الصحيحة لا يضيره أبداً احتراق الخرائط من حوله.. فما يصيب كرد العراق يصيب كرد سوريا والعكس صحيح.

قد يتبادر إلى ذهن المراقب الخارجي تساؤل مشروع عن طبيعة العلاقة التي تمنح زعيماً "عراقياً" مثل بارزاني حق التدخل في الشأن "السوري"، لكن الإجابة تكمن في عمق العقيدة السياسية التي يمثلها الرجل؛ فهذا الرجل الطيب لا يتصرف بصفته رئيساً لحزب أو إقليم إداري فحسب، بل بصفته "المرجع القومي" العابر للحدود، ووريث الزعامة التاريخية للملا مصطفى البارزاني التي تحظى بقدسية خاصة لدى الأكراد في الأجزاء الأربعة. 

بالنسبة لأربيل وعموم الكرد، لا تعتبر مناطق "روج آفا" (شمال شرق سوريا) مجرد جوار جغرافي، بل هي "العمق الاستراتيجي والبشري" الذي لا يمكن التفريط فيه. علاوة على ذلك، فإن بارزاني هو الراعي الرسمي والداعم لـ "المجلس الوطني الكردي" (ENKS)، الممثل السياسي الموازي في سوريا، وهو الذي درب وسلح "بيشمركة روج" التي مُنعت من العودة بقرار من "قسد". لذا، فإن تحركات بارزاني تنطلق من مبدأ أن الحدود السياسية التي رسمتها الخرائط الدولية قد تفصل الإدارة، لكنها لا تعفي "المرجع" من مسؤوليته الأخلاقية والتاريخية في حماية "الدم الكردي" أينما كان، خاصة حينما تكون أربيل هي الرئة الوحيدة والشريان الاقتصادي والمنفذ الحدودي الأوحد الذي يربط كرد سوريا بالعالم الخارجي.