دمشق (هذا اليوم)- يبدو أن مفهوم “سياسة الإلهاء” إلى عاد الواجهة بقوة، مع تحوّل جريمة ما يعتقد انه "مقتل" لا وفاة الفنانة السورية هدى شعراوي، الشهيرة بشخصية “أم زكي”، إلى حدث طاغٍ يشغل الرأي العام العربي، في توقيت يراه مراقبون حساسا سياسيا وحتى اعلامياً.
في الذاكرة الشعبية السورية، ثم العربية، ثمة وجوه لا تحتاج إلى تعريف. وجوه دخلت البيوت بلا استئذان، وصارت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية. هدى شعراوي بين هذه الوجوه المميزة، “أم زكي”، المرأة التي خرجت من نص “باب الحارة” لتستقر في الوجدان الجمعي.
اليوم، تُقتل “أم زكي” على يد عاملة منزلها، وفق ما أعلنته نقابة الفنانين السوريين، في حادثة صادمة سرعان ما تحوّلت إلى ترند واسع، غطّى الشاشات ومنصات التواصل، واحتل صدارة الأخبار.
من الصدمة إلى التضخيم
لا جدال في فداحة الجريمة، لكن السؤال الذي بدأ يتردد بهدوء:
لماذا هذا التركيز الكاسح؟ ولماذا الآن؟ وهل فعلا الخادمة قتلتها؟ ولماذا؟
هنا يطرح مفهوم سياسة الإلهاء، وهي استراتيجية معروفة في علم السياسة والإعلام، تقوم على:
-
تضخيم حدث صادم
-
إشغال الرأي العام به
-
تمرير قرارات أو طمس ملفات أكبر في الخلفية
ما هي سياسة الإلهاء؟
تُعرف بـ:
-
تحويل الأجندة (Agenda Diversion)
-
الدعاية السوداء
-
إدارة الضجيج الإعلامي
وهي ليست نظرية مؤامرة، بل ممارسة موثّقة، تحدث عنها مفكرون مثل نعوم تشومسكي، وتُستخدم حين تخشى السلطات أو مراكز النفوذ من رد فعل شعبي على قضايا أكثر خطورة.
العراق مثالًا: تسريب يُغطي فاحشة
في العراق، لا يبدو المشهد بعيدا عن جاره السوري. فخلال الايام الماضية انشغل الشارع بتسريب فيديو (علاء)، في وقت تزامن مع محاولات واضحة لاحتواء قضية أخطر تتعلق بفاحشة ضابط.
النتيجة؟
-
ضجيج أخلاقي
-
انقسام مجتمعي
-
تراجع الزخم عن الملف الأساسي
وهو نموذج كلاسيكي لما يُسمّى تمرير الجريمة الأكبر عبر جريمة أكثر إثارة.
الذاكرة السورية… ثم العربية
الشارع السوري يعرف هذا النمط تماما ، من سنوات الحرب:
-
حادثة صادمة
-
قصة إنسانية مؤلمة
-
ثم اختفاء نقاش سياسي أو اقتصادي مهم
ومع انتشار الخبر في المنطقة ، تتكرر الآلية ذاتها:
الحدث العاطفي يسبق التفكير، والصورة تطغى على السؤال.
هل يعني ذلك التشكيك بالجريمة؟
لا.
ولا التقليل من مأساة مقتل فنانة بحجم هدى شعراوي.
لكن الصحافة ليست فقط نقل الحدث، بل طرح التوقيت والسياق:
-
لماذا يتحوّل حدث واحد إلى طوفان إعلامي؟
-
ماذا يحدث في الخلفية؟
-
ومن المستفيد من انشغال الناس؟
بين “أم زكي” والسلطة
“أم زكي” مرآة اجتماعية صريحة، قوية، صدامية، تشبه نساء الحارات اللواتي قلن ما لا يُقال. والمفارقة أن رحيلها، بهذه الطريقة، أعاد فتح نقاش أكبر من الدراما:
نقاش حول الوعي، والإعلام، ومن يقود المزاج العام.
حين تُشغَل المجتمعات بجريمة، لا بد أن يُسأل:
-
هل نحن أمام حدث؟
-
أم أمام أداة؟
في زمن الإعلام المتسارع، ليس كل ضجيج بريئًا، وليس كل صمت عفويًا.
وسياسة الإلهاء، مهما تغيّرت أدواتها، تبقى واحدة:
أشغلهم بما يُبكيهم… ومرّر ما يُقيّدهم.
من منتصر جمرقاني