لنتوقف قليلاً عن تخدير أنفسنا بالشعارات القديمة. الدول إن صحت التسمية في منطقتنا، ولا سيّما تلك التي أعيد تشكيلها بالحديد والنار، ليست دولاً ذات سيادة بالمفهوم الرومانسي الذي درسناه في كتب التربية الوطنية وبكل مراحلنا الدراسة. الحقيقة المرة التي يتهرب الجميع منها و من معرفتها ومواجهتها مواجهة صريحة هي أن هذه الكيانات ليست سوى "شركات"... صدقوني بلداننا ليست سوى شركات محدودة أو مساهمة، فقد حُددت حدودها بل وأُسست بقرارات خارجية، وثمة من دفع رأس مالها، ومن الطبيعي جداً أن يسهر هذا المؤسس على أمن استثماراته فيها حسبما يراه ويريده.. وحين لا تجري الرياح كما تشتهي سفنه، أو حين يقرر "الموظفون" لديه سرقة الخزنة في غفلة منه، فإنه يتدخل محاولاً إعادة هيكلة مجلس الإدارة أو حتى حله.. فهذا الملعب ملعبه! والكرة كرته!
من السخرية أن يخرج سياسي (محلي)، هو في الواقع "موظف" في هذا الهيكل الإداري الضخم، ليصرخ في وجه "المدير العام" أو المؤسس مطالباً إياه بعدم التدخل في الشأن الداخلي.. هذه ليست نكتة، بل هي "مسخرة" بمعايير السوق والسياسة معاً.
المسألة حسابية هنا وليست عاطفية. لنأخذ العراق نموذجاً لهذا "الاستثمار" العملاق.. لم ترسل الولايات المتحدة جيوشها الجرارة ولم تفتح خزائنها كجمعية خيرية لوجه الله تعالى. شخصياً أحب لغة الأرقام لأنها لا تكذب حيث تشير تقديرات "مشروع تكاليف الحرب" في جامعة براون وتقارير الكونغرس إلى أن الفاتورة الأمريكية في العراق تراوحت بين 1.1 تريليون دولار نفقات مباشرة وقفزت إلى ما يتجاوز 2 تريليون دولار عند احتساب التكاليف طويلة الأمد ورعاية المحاربين والفوائد وغيرها.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل يعقل أن يدفع طرف ما تريليوني دولار لتأسيس نظام جديد، وبناء هيكل سياسي من الصفر، ثم يأتي "وكيل محلي" ليقول له: "شكراً، انتهى دورك، لا تتدخل في سيادتنا"؟
يا صديقي، أمريكا لا تزال هي المؤسس، وهي صاحبة رأس المال الجريء في مشروع "العراق الجديد"، فهي من سلفنت "العملية السياسية" من الألف إلى الياء، وهي من وزعت الحصص ورسمت الكعكة ومذاقها وألوانها وحتى موادها وطرق إعدادها وطباخيها ومورديها وموسقيها، وهي من صاغت العقد التأسيسي ومواثيق الشرف.. ولها الفضل في حقن الدماء كما يُزعم ويُقال... هذه للأسف حقيقة مرة لأن القول بأن ليس للبيت الأبيض الحق في التدخل هو جهل ببديهيات عالم المال والسياسة.. جهل بكل أبجديات لعبة الأمم.. سذاجة بأبسط مقومات الفهم والاستفهام والاستدراك عما نراه نحن وما يراه المؤسس.
ما يجري اليوم وما نطالعه في شتى أنواع الشاشات، وما نسمعه من شعارات رنانة ضد "الشيطان الأكبر"، ليس صحوة.. السبب الحقيقي هو أن قواعد اللعبة داخل "الشركة" قد تغيرت.. ومن يزعم أن يتنبأ بالقادم فهو واهم...
قبل ما ينيف على عقد من الزمان، كانت الصراعات تدار في الغرف المظلمة، وكانت "السرقات" أو توزيع الأرباح، وهذا لي وذاك لك يتم بطريقة "ودية" تحافظ على استمرار العمل. الآن، أصبح اللعب على المكشوف. الوكلاء المحليون، أو مديري الأقسام في هذه الشركة، بدأوا يضربون بعضهم بعضاً في منافسة غير شريفة للاستحواذ على كامل الإيرادات.. متجاهلين مصلحة "المساهم الأكبر".
لا يريد المؤسسون سواء واشنطن أو غيرها، من هذه "الدول المحدودة" أن تكون ديمقراطيات مثالية كما يزعمون في الإعلام، هم يريدونها مجرد "بواخر" تسير في بحار الشرق الأوسط لخدمة مصالحهم التجارية والأمنية.. وأحياناً ثمة أكثر من مساهم للشركة الواحدة والمشكلة أن الطاقم المحلي حولها إلى قرصنة.
أما الضحية في هذا التوصيف الذي اكتبه بمرارة، فهو المواطن، فهو ليس شريكاً ولا مساهماً، إنما هو "راكب" على متن هذه السفينة. يدفع ثمن تذكرته يومياً وبشكل باهظ؛ يدفعها من عمره في طوابير الانتظار، ومن كرامته في مراجعات الدوائر البالية، ومن صحته في بيئة ملوثة بالفساد. ورغم أن هذه "الشركة" استنزفت حياته وأهانت آدميته بشكل لا يصدق، تجده يتشبث بها بكل قوته. ليس حباً في الإدارة، ولا ثقة في القبطان، ولا زهداً أو راحة، لكنه يائس لأنه ينظر حوله فلا يجد سوى طوفان هائج ومرعب.. هو يتشبث بالسفينة المهترئة ببساطة لأنه لا لا يقدر أن يجري عكس التيار ولا يجيد السباحة ومقاومة الأمواج، ولا يملك تذكرة للعبور إلى ضفة أخرى.. ومن يفعل ذلك فذاك هو الفذ.. ذالك سيعيد ترتيب أوراقه.. ثم يعود ليقلب الطاولة على "المساهمين" الكبار و"المنتفعين" الصغار معاً، لينتشل ما تبقى ومن تبقى.. إكراماً لدماء أهله التي سُفكت رخيصةً، وحفاظاً على البقية الباقية من كرامة "الركاب" المتعبين المثقلين بالهم والغم، قبل أن تغرق السفينة بمن فيها وما فيها.
هذا اليوم