شفق نيوز- واشنطن
مصطفى هاشم
شهد نادي الصحافة الوطني في العاصمة الأميركية واشنطن، يوم الخميس،إطلاقاً رسمياً لـ"مبادرة البحار الأربعة"(The Four Seas Initiative)، وهو مشروع استراتيجي عابر للأطلسي يهدف إلىربط الخليج العربي، وبحر قزوين، والبحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود عبر ممرترانزيت وأنابيب طاقة يمر من خلال سوريا وتركيا.
وجرى الحدث الذي حضرته وكالة شفق نيوز، بتنظيم من معهد نيو لاينزللاستراتيجية والسياسة (New Lines Institute forStrategy and Policy) ، وبحضور رفيع المستوى ضم مسؤولين وممثلي دبلوماسيينومستشارين من الدول المنخرطة في المشروع والمعنية بمستقبل المنطقة.
نقاشات معمقة
وانطلقت فعاليات إطلاق المبادرة بكلمات افتتاحية ألقاها شخصيات بارزة،من بينهم، رئيس قسم الاستراتيجية في معهد نيو لاينز، الدكتور عظيم إبراهيم،والمستشار الأقدم بالمعهد، تيمستوكليس أستينيديس، إلى جانب مشاركة نيابية أميركيةمتمثلة في السيناتور جين شاهين وعضو الكونغرس جو ويلسون.
كما شهدت الافتتاحية حضوراً دبلوماسياً لافتاً من الدول المعنية، تمثلفي كلمة للقائم بأعمال السفارة السورية في واشنطن، محمد قناطري، وسفير العراق لدىالولايات المتحدة، نزار الخير الله.
وتوزعت أعمال المؤتمر على جلستين رئيسيتين:
الجلسة الأولى: ركزت على "الاقتصاد السياسي لمبادرة البحارالأربعة"، وأدارتها الدكتورة دانيا عريسي من معهد نيو لاينز، بمشاركة خبراءمن معهد دول الخليج العربية في واشنطن ومعهد الشرق الأوسط.
الجلسة الثانية: ناقشت "الجانب السياسي للمبادرة"، وأدارهاالدكتور سلطان العامر من مجلس سياسات الشرق الأوسط، وشهدت نقاشات مستفيضة حولالتوازنات الإقليمية بمشاركة ممثلين عن مجلس الأعمال الأميركي السوري، ومعهد الشرقالأوسط، وبرنامج تركيا التابع للمجلس الأطلسي.
جوهر المبادرة
وتأتي هذه المبادرة، المستوحاة من "مبادرة البحار الثلاثة"المدعومة أميركياً في أوروبا، لتمتد على طول 6,300 كيلومترات مستفيدة من شبكةالأنابيب السورية القابلة للاستصلاح والبنية التحتية التركية القائمة.
وتقوم المبادرة على أربعة ممرات متداخلة تلتقي عند الحدود السوريةالتركية:
1. ممر الخليج - البحر الأبيض المتوسط: يربط السعودية والإمارات والكويتعبر الأردن وسوريا وصولاً إلى محطة بانياس، مع إحياء خط "التابلاين"التاريخي ليتسع لنحو 1.5 إلى 2 مليون برميل يومياً، متجاوزاً مضيق هرمز وقناةالسويس.
2. ممر العراق - سوريا: يهدف لإعادة تأهيل وتوسيع خط أنابيب كركوك-بانياسالمغلق منذ عقود.
3. ممر قزوين - الأناضول: لربط البنية التحتية السورية بخط أنابيب الغازالطبيعي العابر للأناضول (TANAP) لتصديرالغاز الأذربيجاني والتركماني إلى أوروبا.
4. تحديث خط غاز العربي: بتكلفة 1.2 مليار دولار لإعادة تأهيل الخطالرابط بين مصر والأردن وسوريا ولبنان، وإدماج الغاز المصري والقبرصي واللبناني.
اللحظة الاستراتيجية
ووفقاً للوثائق الرسمية الصادرة عن المعهد، فإن ثلاثة تطورات رئيسيةجعلت من عام 2026 التوقيت المثالي لإطلاق المشروع:
الواقع السياسي الجديد في دمشق: عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانونالأول/ ديسمبر 2024، وانخراط حكومة أحمد الشرع المؤقتة مع الغرب والخليج وتركيا،مع رفع العقوبات وإعادة ربط البنك المركزي السوري بنظام "سويفت" العالمي.
الضغوط على الممرات المائية: مع التوترات المستمرة في مضيق هرمز وبابالمندب، أصبح وجود بديل بري لنقل الطاقة ضرورة استراتيجية قصوى.
الاتفاقيات الأولية المبرمة: تم التوقيع بالفعل على صفقات طاقة كبرى،منها اتفاقية طاقة أميركية-قطرية-سورية-تركية بقيمة 7 مليارات دولار في أيار/ مايو2025، ومذكرة تفاهم بين شيفرون وقطر للطاقة، وتأسيس صندوق استثماري سعودي لسوريابقيمة ملياري دولار في شباط/ فبراير 2026.
الجدوى الاقتصادية
ويسعى المشروع لتحقيق أهداف استراتيجية غربية وإقليمية مشتركة، أبرزهاتعزيز سيادة الطاقة الأوروبية عبر تقليل الاعتماد على الموردين الخصوم (مثلروسيا)، وضمان الصدارة التجارية للشركات الأميركية في سوق الغاز المسال، فضلاً عنمواجهة التمدد الصيني الاقتصادي ومشاريع "الحزام والطريق" في المنطقة.
ومن الناحية الاستثمارية، يقدر رأس المال المبدئي للتحالف بـ 8 إلى 10مليارات دولار، وإجمالي الاستثمارات بنحو 25 إلى 30 مليار دولار على مدى 10 سنوات.
ومن المتوقع أن تدر المبادرة على سوريا عوائد سنوية تتراوح بين 8 إلى12 مليار دولار بحلول مطلع الثلاثينيات، مما يوفر قاعدة تمويل ذاتية لإعادةالإعمار دون الاعتماد الكلي على أموال المساعدات الدولية.
حوكمة المشروع
ويقترح تقرير المعهد هيكلاً تنظيمياً للمشروع يتضمن "منتدى وزاريللبحار الأربعة" يجمع وزراء الطاقة من الدول المعنية (سوريا، تركيا، العراق،السعودية، الإمارات، قطر، الأردن، مصر، الكويت) إلى جانب الولايات المتحدةوالاتحاد الأوروبي.
وفي المدى البعيد، تضع المبادرة رؤية مستقبلية للتوسع تتحول بموجبهامن "البحار الأربعة" إلى "مشروع البحار الخمسة" بحلول عام2042، ليشمل الممر المائي للبحر الأحمر ويربط موانئ العقبة، وجدة، وعدن، وجيبوتي،وبورتسودان، والسويس، في منطقة جغرافية تضم 700 مليون نسمة وناتج محلي إجمالييتجاوز 5 تريليونات دولار.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن "مبادرة البحار الأربعة ليستعملاً خيرياً تجاه سوريا، بل هي خطوة استخباراتية واستراتيجية من الغرب، لإنشاءبنية تحتية ستحدد أمن الطاقة للنصف القادم من القرن".