بغداد - واع
أشاد رئيس الوزراء الأسبق، مصطفى الكاظمي، اليوم الخميس، بإجراءات رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، فيما وجه دعوة بشأن مشروع (داري).
وقال الكاظمي في رسالة وجهها إلى رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي وتابعتها وكالة الأنباء العراقية (واع): "أتابع بتقدير واهتمام قرار حكومتكم بإعادة تقييم عدد من المشاريع الاستراتيجية التي أثيرت حولها تساؤلات تتعلق بالجدوى الاقتصادية وآليات التنفيذ والشبهات، وفي مقدمتها مشروعا تطوير مطار بغداد الدولي وخط السكك الحديدية، فضلاً عن المشاريع التي رافقتها انتقادات واسعة تتعلق بسلامة إجراءات التعاقد والتنفيذ وغياب الشفافية في إدارة الموارد العامة".
وأوضح، أن "هذه الخطوة تمثّل مؤشراً إيجابياً على ترسيخ منهج المراجعة المؤسساتية وربط المشاريع الوطنية بمعايير الكفاءة الاقتصادية والاستدامة الفنية وحماية المال العام، بما يعزز ثقة المواطنين بقدرة الدولة على إدارة مواردها وفق اعتبارات المصلحة الوطنية العليا".
وأضاف: "انطلاقاً من هذا التوجه، تبرز الحاجة إلى فتح مراجعة شاملة للسياسات العمرانية الخاصة بالعاصمة بغداد، بوصفها ملفاً سيادياً يرتبط بالهوية الوطنية والذاكرة الحضارية للدولة العراقية؛ فبغداد ليست حيزاً عمرانياً قابلاً لإعادة التشكيل وفق اعتبارات استثمارية آنية، وإنما مدينة ذات قيمة تاريخية وثقافية استثنائية، شكّلت عبر قرون مركزاً حضارياً وإنسانياً على مستوى العالم، وقد انعكس ذلك في بنيتها العمرانية ونسيجها الاجتماعي وطابعها المعماري المميز".
وبين الكاظمي أن "تجارب التخطيط الحضري الحديثة أظهرت أن التوسع غير المنضبط للمشاريع العمودية داخل المدن التاريخية يؤدي غالباً إلى اختلالات بنيوية في منظومات الأمن والنقل والخدمات والبنية التحتية، فضلاً عن تأثيراته المباشرة على الهوية البصرية والبيئية للمدينة، كما أن عدداً من المجمعات والمشاريع السكنية التي أُقيمت داخل النسيج الحضري التقليدي للعاصمة لم تحقق معالجة مستدامة لأزمة السكن أو الاختناقات المرورية، بل ترتبت عليها ضغوط إضافية على شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي والطرق العامة".
وأشار إلى أن "بعض المشاريع التي نُفذت أو يجري تنفيذها في محيط المناطق الدينية والتاريخية داخل بغداد بدأت تؤثر بصورة مباشرة على المشهد البصري وقداسة المراقد والمساجد التاريخية، إلى درجة أصبحت فيها الأبنية المرتفعة والمنشآت التجارية تحجب قبب ومآذن عدد من المراقد الدينية والمعالم التراثية التي تمثل جزءاً من الهوية الروحية والحضارية للعاصمة، وهو أمر يستدعي مراجعة عاجلة للضوابط التخطيطية والارتفاعات العمرانية المحيطة بهذه المواقع ذات الرمزية الدينية والتاريخية".
ولفت الكاظمي إلى أن "التخطيط لمستقبل بغداد ينبغي أن يستند إلى رؤية حضرية علمية يقودها المختصون في مجالات التخطيط العمراني والهندسة المعمارية وإدارة المدن، ضمن إطار مؤسساتي يوازن بين متطلبات التنمية والحفاظ على الهوية التاريخية للعاصمة، فالتنمية الحضرية الرصينة تقوم على إعادة توزيع مراكز النمو العمراني باستحداث مدن جديدة خارج الحواضر الحالية، وتطوير الضواحي والمناطق القابلة للتوسع الأفقي والعمودي وفق بنى تحتية متكاملة، وتكثيف المساحات الخضراء التي تشكّل رئة العاصمة وسياجها البيئي، مع اعتماد سياسات حماية صارمة للمناطق ذات القيمة التراثية والثقافية داخل بغداد التاريخية".
وتابع أن "المسؤولية المهنية والوطنية لأمانة بغداد تقتضي القيام بدور أكثر فاعلية في حماية العاصمة من موجة التشويه العمراني التي طالت أجزاء واسعة منها نتيجة المشاريع غير المدروسة وضعف الالتزام بالمعايير التخطيطية والمعمارية، والعمل على إعادة فرض الضوابط الحضرية التي تكفل الحفاظ على شخصية بغداد البصرية وهويتها التاريخية، ومنع تحوّل القرار العمراني إلى أداة تخضع للمصالح التجارية الضيقة أو النفوذ السياسي أو الاعتبارات غير المدروسة".
وأشار الكاظمي إلى أن "الحفاظ على الطابع العمراني للعاصمة يمثل جزءاً من الأمن الثقافي والرمزي للدولة، لأن المدن التاريخية تفقد كثيراً من قيمتها عندما تتعرض لتحولات عشوائية تُضعف خصوصيتها المعمارية وتفكك علاقتها بذاكرتها الجمعية، ومن هنا، فإن حماية بغداد لا تتعارض مع التحديث، وإنما تؤسس لنموذج تنموي متوازن يربط الحداثة بالهوية ويمنح الأجيال المقبلة مدينة قادرة على التطور دون التفريط بإرثها الحضاري".
وأضاف أن "المسؤولية الوطنية تقتضي إطلاق مشروع استراتيجي متكامل لإعادة تنظيم التنمية الحضرية في العاصمة، يعتمد على الدراسات العلمية والرؤى بعيدة المدى والاستعانة بشركات استشارية دولية، ويخضع لمعايير الشفافية والكفاءة والاستدامة، بما يحفظ لبغداد مكانتها التاريخية والثقافية ويمنع تحوّل القرار العمراني إلى أداة لتحقيق مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة".
وبين أن "الخلل الأكبر، على مدى السنوات الماضية، تمثل في المقاربة غير الرصينة لأزمة السكن، التي بُنيت على قاعدة «معالجة الخطأ بالخطأ»؛ فكانت المشاريع السكنية التي مُنحت للبعض بغطاء سياسي فجّ، وتحت عنوان تحريك العجلة الاقتصادية، بعيدة عن تحقيق الأهداف المعلنة، فلم تعالج الأزمة، بل زادت من حدتها نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الوحدات السكنية، وشوّهت المدينة وصورتها لعدم انسجامها مع إرثها المعماري، ولم تُسهم في تحريك العجلة الاقتصادية بالقدر المأمول، في ظل علاقات نفوذ ومصالح ضيقة أضرّت بالمصلحة العامة وأضعفت قواعد المنافسة العادلة".
وزاد أنه "ومن أجل تحقيق خرق حقيقي في هذا السياق، والاستفادة من التجارب الحكومية السابقة، فإن ما نحتاج إليه لحل هذه الأزمة، وتحريك العجلة الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار بصورة علمية صحيحة، هو استلهام نماذج حضرية متكاملة أثبتت نجاحها، وفي مقدمتها تجربة مدينة بسماية في زمن حكومة المالكي؛ وهو ما عملنا عليه أيضاً في حكومتي بمسمى «مشروع داري»، الذي لم يصل إلى نتائجه الملموسة بعد شيطنته إعلامياً أولاً، ثم تحويله لاحقاً من مشروع مشترك بين الدولة والقطاع الخاص يخدم المواطن إلى مشروع يخدم المستثمر حصراً، بما أفقده كثيراً من أهدافه التنموية الأساسية".
ولفت الكاظمي إلى أن "مشروع «داري» مشروع متكامل، وليس ملكاً لحكومة الكاظمي، بل هو مشروع للشعب العراقي وللعراق. وبإمكانكم إحياؤه والعمل على تطويره، والأرقام موجودة ويمكن مراجعتها، ويسعدني وضعها تحت تصرفكم؛ لأنه سيكون منطلقاً قوياً لحكومتكم في معالجة أكثر الأزمات إلحاحاً، وتعزيز ثقة المواطنين بقدرة الدولة على تقديم حلول مستدامة وملموسة للتحديات الاقتصادية المتراكمة خلال المرحلة الماضية".
وأوضح أن "بغداد تمثل ذاكرة العراق السياسية والثقافية والحضارية، وأي قرار يُتخذ اليوم بشأن شكلها العمراني سيترك أثره لعقود طويلة؛ لذلك فإن صيانة هويتها المعمارية والتاريخية، وإيجاد الحلول الحقيقية المستدامة لأزمة السكن، تمثل مسؤولية وطنية تتجاوز الاعتبارات المرحلية، وتستدعي موقفاً حازماً يحفظ للعاصمة روحها وخصوصيتها، حتى لا نجد أنفسنا أمام حواضر مخنوقة خدمياً، ومعزولة اجتماعياً، تتحول فيها أحياء بغداد العريقة إلى غابات خرسانية وأحزمة فقر وهشاشة اجتماعية، بما يهدد الأمن المجتمعي ويفقد المدينة جاذبيتها الإنسانية والحضارية".
واختتم بالقول: إن "بناء المدن ليس مشروعاً عمرانياً فحسب، بل مشروع لبناء الإنسان والدولة والهوية، وما يُبنى اليوم من حجر وإسمنت سيبقى شاهداً على طبيعة الخيارات التي نتخذها، وعلى شكل العراق الذي نريده للأجيال المقبلة".