بغداد اليوم - خاص
في بلد يمتلك ثروات طبيعية وإمكانات اقتصادية كبيرة، ما تزال البطالة تمثل واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً وتأثيراً على حياة الشباب العراقي، فمع تزايد أعداد الخريجين سنوياً وتراجع فرص العمل، باتت شريحة واسعة من الشباب تواجه مستقبلاً غامضاً يطغى عليه القلق والإحباط.
ولا تقتصر تداعيات البطالة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتلامس الجوانب الاجتماعية والنفسية، عبر تنامي ظواهر مقلقة كالإدمان والانحراف السلوكي والهجرة غير النظامية وحتى الانتحار، حيث بين الباحث الاجتماعي عبد الله المجمعي، اليوم الجمعة ( 19 حزيران 2026 )، إن "السنوات الأخيرة شهدت بروز عدد من الظواهر السلبية التي يمكن ملاحظتها بشكل واضح، وهناك قصص واقعية كثيرة وثّقت سلوكيات منحرفة انتهى بعضها بمآسٍ مؤلمة"، مبيناً أن "هذه الظواهر ما تزال ضمن نطاق محدد، لاسيما أن المجتمع العراقي تحكمه ضوابط قوية، خاصة في الأرياف، وحتى في المدن لا يزال التماسك المجتمعي قائماً رغم الضغوط الكبيرة".
وأضاف المجمعي في حديث لـ"بغداد اليوم" أن "البطالة تسهم فعلياً في دفع بعض الشباب نحو الانحراف السلوكي، لكنها ليست السبب الوحيد أو المباشر"، موضحاً أن "الانفتاح الواسع على منصات التواصل الاجتماعي، التي تتيح بضغطة زر الوصول إلى محتويات تتعارض مع قيم المجتمع المحافظ، أسهم في خلق تراكمات فكرية ونفسية أثرت على ذهنية الشباب، ودفع بعضهم نحو المخدرات أو أنماط سلوكية منحرفة".
وأِشار إلى أن "اللافت أن عدداً من المتورطين في هذه السلوكيات هم من العاملين أو أصحاب المهن، ما يؤكد أن البطالة ليست العامل الحاسم الوحيد، بل إن تلك المنصات تمثل ما يمكن تسميته بـ(النوافذ السوداء)".
من جانبه، أكد الباحث الاجتماعي محمود حسن، في حديث لـ"بغداد اليوم"، أن "البطالة والفقر يشكلان واقعاً مؤلماً في بلد غني بثرواته، إلا أن الفساد وسوء التخطيط ونظام المحاصصة أثرت بشكل مباشر على الأجيال الشابة"، مشيراً إلى أن "هذه العوامل دفعت أعداداً كبيرة من الشباب إلى التفكير بالهجرة غير النظامية، رغم مخاطرها الكبيرة التي تنتهي في كثير من الأحيان بفواجع إنسانية".
وتابع حسن أن "منذ عام 2003 وحتى اليوم، لا توجد مشاريع حقيقية ومستدامة لدعم الشباب أو التفاعل الجاد مع قضاياهم"، موضحاً أن "العديد من النخب السياسية تتعامل مع الشباب بوصفهم خزّاناً انتخابياً، عبر دغدغة مشاعرهم في المواسم الانتخابية، دون تقديم برامج فعلية لمعالجة مشاكلهم".
وأردف، أن "السيطرة على الملاعب الشعبية وتحويلها إلى استثمارات تجارية، تمثل رسالة واضحة بعدم وجود رؤية حقيقية لدعم الشباب".
وحذر حسن من أن "غياب البرامج الجادة أدى إلى ارتفاع معدلات الانتحار، وبروز السلوكيات السوداء بشكل لافت"، مؤكداً أن "أي حديث عن تنمية حقيقية أو استقرار مجتمعي لا يمكن أن يتحقق دون إنقاذ الشباب من شبح البطالة والفقر، وتوفير بيئة داعمة نفسياً واقتصادياً واجتماعياً".
وتشهد فئة الشباب في العراق تحديات متزايدة نتيجة اتساع رقعة البطالة وتراجع فرص العمل في مختلف القطاعات، ما انعكس بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي والنفسي لهذه الشريحة.
وتأتي هذه التحولات في سياق اجتماعي واقتصادي معقد يتداخل فيه الفقر وسوء التخطيط وضعف البرامج الموجهة لدعم الشباب، ما جعل هذه الفئة الأكثر تأثراً بالتغيرات التي يشهدها المجتمع العراقي.