سرعان ما أوجد حيدر العبادي رئيس الوزراء ومقتدى الصدر زعيم التيار الصدري أرضأ حراما هي المسافة الفاصلة بين ساحة التحرير في الباب الشرقي عند نصب الحرية وبين بوابة المنطقة الخضراء عند تخوم مطعم فلافل حيدر دبل.
فلا الصدر وفقا لتصريحه الاخير في وارد إقتحام الخضراء على الرغم من تطميناته للسفارات العربية والأحنبية ماعدا سفارتي الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا اللتين التزمتا الصمت حيال ما بدا تهديدا جديا لهما ولا العبادي وفقا لبيانه الأخير الخاص بالبدء في إحالة كبار الفاسدين الى القضاء والنزاهة في وارد التراجع تحت ضغط الكتل السياسية عما طالب به من تغيير “جوهري” عملت الكتل السياسية طوال الأسابيع الثلاثة الماضية ما بوسعها من حيل وأساليب ومماحكات في سبيل إفراغه من محتواه.
الصدر التقط رأس الخيط من العبادي وبدا بممارسة الضغوط عليه بدء من تظاهرة ساحة التحرير التي حشد فيها التيار الصدري مئات الآلاف من أنصاره وهو ما فاجأ الجميع والتي كرست الصدر زعيما لا يبارى بين أبرز زعماء العملية السياسية لا السيما الشيعة منهم الذين يراهنون على شعبيتهم من خلال الشارع وكذلك تظاهرة المنطقة الخضراء التي ضمت عشرات الالاف وهي السابقة الاولى لتظاهرة تقام عند بوابة المنطقة الخضراء.
الضغوط التي مارسها الصدر وإن تخطت العبادي الى الشركاء الآخرين داخل التحالف الوطني لكنه لم يتمكن من التعاطي معها أول الأمر الا من بوابة باقي الشركاء. وهي المرة الثانية التي لم يلتقط العبادي فورة الشارع لصالحه مثلما حصل خلال التظاهرات التي كانت خرجت منذ شهر اب عام 2015 والتي منحته مع قوة دخول المرجعية الدينية على الخط فرصة كبيرة لإجراء أي تغيير يريده بمن في ذلك تشكيل حكومة تكنوقراط منذ شهور وليس مثلما بات ينادي بها الان بعد ان بدا أن الإصلاحات فشلت أو إنها على الأقل بقيت حبرا على ورق وهو ما أدى الى أن تصمت المرجعية خلال خطب الجمعة وهو الصمت الذي يعبر عن احتجاجها العنيف حين قالت ان “صوتها بح” دون ان ترى اصلاحا. الشارع الغاضب والذي اجج غضبه الصدر لم يلق استجابة من قبل الكتل السياسية. فالسنة والاكراد لم تصدر عن أي طرف منهم او منهما مجتعمين مبادرة لتطويق خلافات اخيهم الاكبر “التحالف الشيعي” او الاعلان عن خريطة طريق من شانها انقاذ البلاد والعباد من مجموعة ازمات متلاحقة ومتداخلة مثل الازمة المالية الخانقة وازمة داعش ومخاطر سد الموصل واخيرا حكومة التكنوقراط التي دخلت الان في “حيص بيص” المناكفات السياسية وما يطرح خلف الكواليس من كلام لا ينتمي الى ما يريده الشارع الذي تحول بقدرة قادر من وجهة نظر هذه الكتل والاحزاب الشيعية منها او السنية او الكردية الى مجرد شارع صدري يتقاسم فيه الاحتجاجات مجموعة من رموز التيار المدني او الشيوعيين ممن لم يحالفهم الحظ في الانتخابات فيسعون الى ركوب موجة التظاهرات. فالكتل السياسية التي سبق لها ان تعاملت مع التظاهرات منذ عام 2015 وحتى اليوم بمزيد من “التطنيش” وعدم الاهتمام خصوصا بعد ان خفت بريقها مما جعلها تصر على الدفاع عن وزرائها بمن فيهم الافسد بين الجميع فانها اليوم ومن خلال ما يصدر عنها من تصريحات وبيانات لم يعد امامها سوى الاستمرار في سياسة الهجوم على بعضها البعض بوصفها افضل وسيلة للدفاع.
وطبقا لمجريات ما يجري فانه وبرغم اعلان العبادي انه ارسل وثيقة الاصلاح المكونة من كذا ورقة وملف وهي نفس ماطرحه امام شركائه الشيعة قبل مدة فوصفوها بالانشاء فان راي الشريكين الاخرين السني والشيعي لن يكون بافضل مما صدر عن زملائهم الشيعة. وحيث ان شعار الجميع في العراق كتلا وجماهير اشتدي ازمة تنفرجي فان زخم التظاهرات بتراجعه من الخضراء الى ساحة التحرير يعني انخفاض منسوب الغضب الى المعدل المقبول والذي يمكن وضعه تحت السيطرة. كما ان ما مطالبات العبادي لوزراء تكنوقراط لن تتعدى الحزبيين ممن ترشحهم الكتل السياسية بعد ان رفعت هذه الكتل سقوف مطالبها الى حدها الاعلى بمطالبة العبادي نفسه الخروج عن حزب الدعوة. ولكون العبادي لم يخرج عن الدعوة وان اعطى رسائل باحالة الكبار الكبار الى النزاهة والقضاء وهو ماجعل زعيما شعبيا مثل الصدر يلتقط هذه الاشارة على انها ربما تعني خصمه اللدود رئيس الوزراء السابق نوري المالكي فان باقي الشركاء سوف يمطرون العبادي وفي الربع ساعة الاخير بوزرائهم التكنوقراط دون ان يسمحواله “تجييك” شهاداتهم ليس في اوكسفورد اوالسوربون بل حتى في سوق مريدي.