خطأ نتمنى تجنبه
محمد عبد الجبار الشبوط
من الخطأ ان ينحصر مفهوم الإصلاح السياسي بالتعديل الوزاري سواء كان شاملا او جذريا او جزئيا. لا فرق. البلد بحاجة الى اصلاح شامل. والعملية السياسية بحاجة الى اصلاح شامل لعيوب التأسيس وأخطاء الممارسة. وليس التعديل الوزاري الا احدى أدوات تحقيق الإصلاح السياسي وليس هو الإصلاح السياسي. العملية السياسية تعاني من عيوب تأسيس وأخطاء ممارسة لا يمكن ان تعالج من خلال استبدال كل او بعض الوزراء. لن يملك الوزراء الجدد عصا سحرية لمعالجة كل هذا لاسيما ان الوقت المتبقي ليس كثيرا والإمكانات المالية شحيحة. ولن يستطيع الوزراء معالجة عيوب التأسيس او اخطاء الممارسة اذا افترضنا انهم تكنوقراط. يحتاج الوزراء الجدد الى بيئة جديدة تجعل من الممكن اصلاح العملية السياسية والقضاء على الفساد او الحد منه. لهذا وجدنا ان ورقة الإصلاح الشامل التي قدمها رئيس الوزراء لا تقتصر على استبدال الوزراء بل هي تتحدث عن أمور كثيرة اخرى. ذكرت الوثيقة عدة محاور للعمل مثل المحور الامني ومحور اعادة الاستقرار والإعمار في المناطق المحررة ومحور تفعيل الإقراض للمشاريع الصناعية والزراعية والسكنية. كما تتضمن الورقة كلاما مهما عن الإصلاح المالي والاداري والاقتصادي ومكافحة الفساد وغير ذلك. ولا نعلم ان كان الوقت المتبقي من عمر الحكومة الحالية يتسع لانجاز كل هذه المهمات لكن وثيقة الاصلاح يمكن ان تضع أسساً متينة لعملية اصلاحية طويلة الامد تتواصل مع تتابع الحكومات الجديدة على سدة السلطة والحكم. وكل هذا بحاجة الى عمل متواصل تأسيسي وتراكمي. كما انه بحاجة الى ثقافة سائدة مساندة للاصلاح ورافضة للفساد.
حتى الدعوة الى تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلين بالتشاور مع الكتل السياسية بحاجة الى صدقية كبيرة لجهة استقلالية الوزير التكنوقراط. يشكو رؤساء الوزارات عندنا من ان وزراءهم لا يخضعون لسلطتهم انما لسلطة كتلهم السياسية وزعماء هذه الكتل، ما يجعل الوزير مضطرا الى ان ينظر بعين الى رئيس الوزراء وبالاخرى الى رئيس الكتلة والغلبة دائما ستكون للثاني. السؤال الحساس هنا الى أي مدى سوف توافق الكتل السياسية على ترشيح وزراء تكنوقراط مستقلين فعلا وبعيدين عن سلطتها وهيمنتها؟.
نسيان هذه الامور والانشغال فقط بالتغيير الوزاري يخرج الورقة عن مقاصدها الأصلية. بل ان الورقة نفسها غضت النظر عن بعض الامور لإدراك واضعها انه ليس كل ما يتمناه المرء يمكن تحقيقه. الان الخطأ وقع والمطلوب تدارك الامر قبل استفحاله. ويتم التدارك بالتعامل مع وثيقة الاصلاح من خلال افقها الواسع وتشعباتها الكثيرة. لقد جاءت الوثيقة حصيلة جهود كبيرة شارك بها خبراء ومتخصصون بذلوا جهدا كبيرا في اخراجها بالشكل والمضمون الحاليين. ومن الحرام اجهاض هذا الجهد الكبير من خلال اختزاله باستبدال عدد معين من الوزراء قل او كثر.