اخبار العراق الان

هكذا فكر عبدالناصر في إنشاء دولة فلسطينية انطلاقا من غزة (1-2)

هكذا فكر عبدالناصر في إنشاء دولة فلسطينية انطلاقا من غزة (1-2)
هكذا فكر عبدالناصر في إنشاء دولة فلسطينية انطلاقا من غزة (1-2)

2025-03-24 18:00:06 - المصدر: اندبندنت عربية


الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خلال استقباله الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في القاهرة في فبراير عام 1969 (أ ف ب)

تعد الفترة التي تلت العدوان الثلاثي عام 1956 على مصر واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، حيث شهدت تلك الحقبة تحولات كبيرة في خريطة السياسة الإقليمية والدولية، إضافة إلى التفاعلات المعقدة بين القوى الكبرى في العالم والمنطقة العربية، وفي القلب منها القضية الفلسطينية.

بعد فشل العدوان الثلاثي (شارك فيه إسرائيل وفرنسا وإنجلترا ضد مصر) وإتمام انسحاب إسرائيل من قطاع غزة، ظهرت إشاعات وتقارير في ذلك التوقيت تتحدث عن نيات الرئيس المصري جمال عبدالناصر إنشاء كيان فلسطيني مستقل في القطاع.

في تلك الأثناء، كشفت وثائق بريطانية، رفع عنها طابع السرية أخيراً، تفاصيل تلك الفترة المعقدة حول التحركات المصرية مواقف القوى الدولية التي كان لها دور رئيس في إحباط هذه الخطط، لا سيما أن التحرك المصري كان يتطلب كثيراً من التنسيق السياسي والإقليمي، وسرعان ما أثارت قلق الدول الكبرى، بخاصة الدول الغربية والأمم المتحدة.

 

رؤية مصر لغزة ما بعد العدوان

تعد الوثائق البريطانية من بين أهم المصادر التي تسلط الضوء على الوضع في قطاع غزة في أعقاب العدوان الثلاثي. بعد انسحاب إسرائيل من القطاع عام 1957، كانت مصر تسيطر عليه ولكن ضمن إطار معقد من التحفظات الدولية، بخاصة تلك المرتبطة بوجود قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة. وفقاً للتقارير البريطانية، كان الرئيس جمال عبدالناصر يسعى لإعادة تنظيم قطاع غزة بحيث يصبح جزءاً من رؤية أكبر تتعلق بتحقيق الوحدة العربية، وهي رؤية بدأت تتبلور بصورة جادة في إطار الجمهورية العربية المتحدة، التي تم تشكيلها عام 1958 بين مصر وسوريا.

كان الهدف الأساس من هذه السياسات هو منح قطاع غزة حكماً ذاتياً كاملاً تحت إشراف مصر، وتمهيد الطريق لإنشاء كيان فلسطيني يتمتع بالحكم الذاتي ضمن الدولة الأكبر التي كانت مصر تسعى إلى تكوينها. في هذا السياق، أعلن في 26 فبراير (شباط) 1958 عن مشروع قانون أساس لمنطقة غزة يتضمن تشكيل "مجلس تنفيذي" مكون من 10 أفراد، إضافة إلى "مجلس تشريعي" يشمل ممثلين عن البلديات واللاجئين وسكان القطاع المحليين. في الثاني من مارس (آذار) 1958، أفادت الصحافة المصرية أن الحكم الذاتي لقطاع غزة سيعلن في 15 مارس 1958، خلال الاجتماع الأول لما سمي "مجلس التشريع الفلسطيني"، وهو ما عُد خطوة أولى نحو تأسيس دولة فلسطينية جزئية تكون تحت مظلة الجمهورية العربية المتحدة.

من الناحية العسكرية، أُبلغ الجنرال بيرنز قائد قوات الطوارئ الدولية، أن هناك نية لإرسال ثلاث سرايا خفيفة من القوات الفلسطينية إلى غزة لمدة أسبوع للإشراف على الانتخابات الخاصة بتشكيل هذه المجالس. ولكن هذا التحرك قوبل برفض شديد من قبل الأمم المتحدة، حيث أشار بيرنز إلى أن ذلك يتعارض مع الشروط التي كانت قد وضعت لوجود قوات الطوارئ في القطاع. هذه المخاوف كانت تؤكد أن أي خطوة في هذا الاتجاه قد تشكل تهديداً للاستقرار الذي كان يحاول المجتمع الدولي الحفاظ عليه في غزة.

 

من بروكسل إلى القاهرة

بحسب بعض الوثائق المفرج عنها حديثاً، فقد نقل السفير البلجيكي في القاهرة في 19 فبراير (شباط) 1958، برقية تشير إلى خطة كانت تروج لها الحكومة المصرية لإنشاء دولة فلسطينية منفصلة في قطاع غزة. بحسب التقرير، كان من المتوقع إعلان تأسيس هذه الدولة في 14 مارس، مع تعيين المفتي رئيساً لها. كان من المفترض أن تشمل الدولة الفلسطينية المقترحة ليس فقط قطاع غزة، بل أيضاً الأراضي التي كانت تحت الانتداب البريطاني لفلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى الأراضي التي أصبحت تعرف لاحقاً بإسرائيل).

كانت هذه الخطط تمثل تحدياً كبيراً على عدة مستويات، حيث كانت تهدف إلى تجاوز الوضع الراهن الذي كانت تسيطر عليه إسرائيل والأردن، مما قد يؤدي إلى إحداث تغييرات جذرية في الخرائط السياسية والجغرافية للمنطقة. لكن خطة عبدالناصر لقيت صعوبة في التنفيذ بسبب التحديات السياسية التي ظهرت بعد الاتحاد بين العراق والأردن في 1958، الذي أسهم في تغيير الديناميكيات الإقليمية وأدى إلى إجهاض هذه المبادرة.

تقرير السفارة البلجيكية أوضح أن هذه الخطط كانت تهدف إلى لفت الانتباه إلى الوحدة العربية في ظل التهديدات التي كان يتعرض لها الملك حسين، وقد تم استدعاء "جميع القادة الفلسطينيين" إلى القاهرة في 25 فبراير لمناقشة خيارات العمل المستقبلية. وكان هذا التطور يشير إلى الجهود المصرية لتنظيم تحركات فلسطينية ضمن رؤية عربية أوسع.

 

دعم "حكماً ذاتياً" في غزة

في الخامس من مارس 1958، أرسلت السفارة البريطانية في واشنطن برقية إلى لندن مفادها أن صحيفة "الأهرام" المصرية أفادت بأن الحكم الذاتي لقطاع غزة سيعلن في 15 مارس في الاجتماع الأول لـ"مجلس التشريع الفلسطيني". الصحيفة أضافت أن هذا المجلس سيحظى بدعم من الجمهورية العربية المتحدة، وهو الاتحاد بين مصر وسوريا في تلك الفترة. كما أشار التقرير إلى أن السفارة الأميركية لدى القاهرة لم تعلق على هذا التقرير، مما يبرز الموقف الأميركي الذي كان يعكس عدم اليقين تجاه التحركات المصرية في غزة.

كانت هذه التحركات تهدف إلى تعزيز النفوذ المصري في القطاع، وتعكس أيضاً محاولات مصر لتوسيع سيطرتها على الأراضي الفلسطينية، وهو ما يتماشى مع طموحات جمال عبدالناصر في توحيد الدول العربية. كان هذا المسعى يشير إلى بداية مرحلة جديدة من الفعل السياسي الفلسطيني تحت إشراف القاهرة، وهو ما كان يشكل تهديداً لمصلحة القوى الغربية وإسرائيل على حد سواء.

 

وفي 13 مارس 1958، أرسل المفوض السامي البريطاني في كندا برقية إلى مكتب علاقات الكومنولث البريطانية تشير إلى تصاعد التوترات في شأن تحركات القوات الفلسطينية في غزة. وفقاً للمعلومات التي تلقتها السلطات الكندية، تم تنسيق المعلومات بين كندا والأمم المتحدة في هذا الشأن، حيث أفيد بأن الجنرال بيرنز قد أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة عن هذه التحركات، وعدها غير ملائمة في ظل الوضع الحساس في القطاع. رغم ذلك، لم يسجل أي اضطراب يذكر خلال تلك الفترة، وسُحبت القوات الفلسطينية كما كان مخططاً له في 15 مارس.

 

في 14 مارس 1958، أرسل مكتب علاقات الكومنولث البريطاني برقية إلى المفوض السامي البريطاني في كندا تتعلق بالتباين بين التحليل البريطاني والكندي حول نيات مصر في قطاع غزة. بريطانيا كانت ترى أن التحركات العسكرية المصرية كانت موقتة وليست جزءاً من خطة لإقامة دولة فلسطينية منفصلة، بينما كان الكنديون يميلون إلى الاعتقاد بأن مصر قد تكون بصدد اتخاذ خطوات جديدة تجاه مطلبها في قطاع غزة، رغم عدم وجود دليل قاطع على ذلك. هذه التباينات تظهر التحديات التي كانت تواجهها القوى الغربية في تحديد نيات عبدالناصر في القطاع.

 

في 12 مارس 1958، أرسلت وزارة الخارجية الإسرائيلية تقريراً يشير إلى المخاوف التي كانت تساور إسرائيل من تحركات ناصر في قطاع غزة. التقرير أشار إلى التكهنات التي انتشرت في الصحافة الإسرائيلية حول نيات عبدالناصر، التي كانت تراوح ما بين ضم غزة أو إقامة دولة فلسطينية تحت إشراف الأمم المتحدة. كما تناول التقرير القلق الإسرائيلي من تأثيرات هذه التحركات على العلاقة مع الأردن، وكذلك على الوجود الدولي في غزة. ولفت التقرير إلى أن التصريحات المصرية في 11 مارس التي نفت وجود حكم ذاتي أو استقلال لقطاع غزة، قد كانت رداً على الضغوط الدولية والإسرائيلية. جاء في البرقية رقم: 129 الصادرة عن السفارة البريطانية في تل أبيب والمرسلة بتاريخ 12 مارس 1958 إلى مرجعيتها في لندن، ما نصه:

"منذ أن بدأت الإشاعات والتقارير بالتسرب في نهاية الشهر الماضي، كان هناك تكهنات حول نيات ناصر تجاه قطاع غزة.

أصبح الموضوع بارزاً في 10 مارس عندما افترض المراسلون السياسيون في "دافار" و"هآرتس" أن الموضوع قد تم مناقشته في اجتماع الحكومة الأسبوعي يوم الأحد، وأفادوا بعدم اليقين بين المراقبين السياسيين. إذا نفذ الضم، فإن ذلك سيوفر وسيلة لزعزعة السيطرة الأردنية على الضفة الغربية، ولكن ذلك كان سيخلق أيضاً مشكلات قانونية وسياسية. كما لم يكن واضحاً ما إذا كان ناصر يهدف إلى الضم بناء على طلب حكومة غزة أو إلى إقامة دولة فلسطينية بموجب قرار الأمم المتحدة. من المشكلات الأخرى التي ذكرها "دافار" حرية حركة اللاجئين ووضع المفتي في المستقبل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

          في 11 مارس، أفاد نفس المعلقين الاثنين بالقلق من احتمال وقوع مغامرة مصرية في أعقاب أنشطة المفتي، وتصريحات ناصر العدائية، وتنبيه جيش الجمهورية العربية المتحدة. وأشارت "معاريف" إلى أن الضم من شأنه أن يقوض قوة الأمم المتحدة في غزة (يونيفيل). بينما اعتقد "هاغوكر" أن إسرائيل لن ترد. ومع ذلك بدا أن "لاميرهاف" و"هيروت" متشككين في أن يعلن الضم فعلياً. في تعليق تحرير "هآرتس"، توقعت الصحيفة إعلان حكومة فلسطين-العرب في القطاع التي ستسعى إلى الانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة. هذا من شأنه أن يشجع العدوان والحرب في المنطقة. ومع ذلك فإن التوسع الإقليمي ليشمل أي جزء من فلسطين السابقة لن ينجح من دون ثورة في الأردن وهزيمة إسرائيل. التهديد العملي كان أكثر خطورة على الأردن.

          تم نشر التصريح المصري في 11 مارس بأن لا وجود لخطة الاستقلال أو الحكم الذاتي لقطاع غزة بشكل بارز اليوم. تشير معظم التعليقات القليلة التي وردت إلى أن هذا هو القرار الذي اتُخذ، وتم عزو موقف ناصر إلى الخوف من تدفق اللاجئين إلى مصر وقوة إسرائيل.

استثناء من ذلك هو الافتتاحية في "جيروزاليم بوست"، التي ترى، من خلال النظر بعيد المدى، أن إنشاء قطاع غزة المستقل هو أفضل وسيلة يمكن من خلالها أن يدمر ناصر الاتحاد العربي عاجلاً أو آجلاً، كما أن تقرير باريس بريس عن دخول فرقة مصرية إلى سيناء يثير بعض الشكوك حول نيات ناصر".

كانت هذه التطورات تشير إلى حال من القلق الشديد في إسرائيل من أي تحرك مصري في غزة قد يغير من توازن القوى في المنطقة، بخاصة في ظل وجود تهديدات من دول عربية تتطلع إلى توسيع نفوذها في الأراضي الفلسطينية.

تظهر الوثائق المرفقة في هذا التقرير مدى تعقيد الأوضاع السياسية في غزة عام 1958. بين طموحات جمال عبدالناصر في إقامة دولة فلسطينية تحت إشراف مصر، والتدخلات الدولية التي كانت تهدف إلى إبقاء الوضع على ما هو عليه، تبرز الفجوة العميقة بين رؤية ناصر لمستقبل القطاع والردود العالمية التي كانت تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار. هذه الأحداث تبين كيف أن القوى الإقليمية والدولية كانت تراقب من كثب تحركات مصر في غزة، وتعمل على تحجيم أي خطوة قد تؤدي إلى تغيير جذري في المنطقة.

هكذا فكر عبدالناصر في إنشاء دولة فلسطينية انطلاقا من غزة (1-2)
هكذا فكر عبدالناصر في إنشاء دولة فلسطينية انطلاقا من غزة (1-2)
هكذا فكر عبدالناصر في إنشاء دولة فلسطينية انطلاقا من غزة (1-2)
هكذا فكر عبدالناصر في إنشاء دولة فلسطينية انطلاقا من غزة (1-2)
هكذا فكر عبدالناصر في إنشاء دولة فلسطينية انطلاقا من غزة (1-2)
هكذا فكر عبدالناصر في إنشاء دولة فلسطينية انطلاقا من غزة (1-2)
هكذا فكر عبدالناصر في إنشاء دولة فلسطينية انطلاقا من غزة (1-2)