اخبار العراق الان

عاجل

انتفاضة غزة إنذار مبكر لطهران

انتفاضة غزة إنذار مبكر لطهران
انتفاضة غزة إنذار مبكر لطهران

2025-03-31 02:00:05 - المصدر: اندبندنت عربية


شارك فلسطينيون في احتجاج مناهض لـ"حماس" مطالبين بإنهاء الحرب مع إسرائيل، في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، 26 مارس 2025 (أ ف ب)

ليس واضحاً المنحى الذي ستتخذه التظاهرات الاعتراضية على سلطة وسياسة "حماس" في غزة وما إذا كانت ستتصاعد لتتحول إلى انتفاضة شعبية كاسحة تحاصر الحركة وسلاحها، وتجبرها على تبني خيارات أخرى، في طليعتها الخروج من المشهد السياسي الذي قاد القطاع إلى الدمار وحوله إلى مقبرة لسكانه، أو أن "حماس" ستتمكن عبر القمع واعتقال الناشطين من وأد ملامح الاعتراض والإدانة.

ينبغي القول بداية أن قادة المنظمات وحتى الدول يمكن أن يقودوا شعوبهم وبلدانهم إلى معارك كبرى، فإذا انتصروا هللت لهم الجماهير وإذا انكسروا انفكت عنهم وحاسبتهم، وبالنسبة إلى غزة لا بد من تسجيل حال النشوة التي سادت في أوساط الجمهور الفلسطيني وبعض العربي والعالمي المساند لقضية الشعب الفلسطيني، في الساعات الأولى لاختراق مقاتلي "حماس" السياج الفاصل مع مستوطنات غلاف غزة، لكن الأمور اختلفت مع تصاعد الرد الإسرائيلي المدمر الذي لم يترك في القطاع حجراً على حجر، وجعل من السكان اليائسين كرة قدم يتقاذفها الجيش الإسرائيلي ترحيلاً، تارة صوب الجنوب وطوراً صوب الشمال، من دون أفق غير أفق الموت والتهجير.

وبنتيجة تطورات عام ونصف من الحرب الهمجية المقفلة على التسويات، تنامت الشكوك في الأوساط الفلسطينية والعربية حول الأهداف والحسابات الحقيقية لما جرى في "طوفان الأقصى"، واعتبر المشككون أن الهدف من عملية "حماس" ضد إسرائيل لم يكن في خدمة النضال التحرري الوطني الفلسطيني، بقدر ما هو استمرار في تكريس الانقسام والتفرد الذي أضعف الفلسطينيين في مواجهة خصومهم وإمعان في الاستجابة لمشروع أو مشاريع خارجية تستعمل القهر الفلسطيني لتحقيق غاياتها.

في اللحظات الأولى لاندلاع معركة غزة وجهت أصابع الاتهام إلى إيران، بوصفها أحد رعاة "حماس" الرئيسين، بأنها دفعت من أجل الاشتباك انطلاقاً من سعيها وتخطيطها و"توحيدها الساحات" لتحرير القدس وفلسطين، كما كانت تقول ولا تزال. وخلال الساعات الأولى، قبل نفيها علاقتها بالعملية، أوحت طهران فعلياً أنها وراء الانفجار. وقال محللوها إن الهجوم هو انتقام لاغتيال قاسم سليماني وإنه ضربة لمشاريع السلام العربي- الإسرائيلي ولخطة الممر الهندي- الخليجي- الأوروبي، ثم استطرد هؤلاء مستعرضين معرفتهم باستعدادات "حماس" وتمريناتها المسبقة تحضيراً ليوم الاقتحام.

وإضافة إلى إيران وجه محللون اتهامات لروسيا بأنها أحد مشجعي الاشتباك، بوصفها من جهة تقيم علاقات جيدة مع الحركة الفلسطينية، ومن جهة ثانية ترحب بأي انفجار آخر على الكرة الأرضية يبعد الأنظار ويحول الإمدادات عن خصمها الأوكراني والحرب التي تخوضها ضده، مما حصل إلى حد كبير، فتركز الاهتمام الأميركي والأوروبي منذ انطلاق "الطوفان" على توجيه الدعم المادي والسياسي إلى إسرائيل في معركتها التي وصفت بـ"الوجودية" وتراجع الاهتمام السياسي والإعلامي بمعركة أوكرانيا.

لكن موسكو اختلفت عن طهران في سلوكها العملي تجاه حرب القطاع، فهي عملت على ضبط الوضع السوري وحيدته عن المعركة، فيما حركت طهران "ساحاتها" للمشاركة في القتال ضد إسرائيل ضمن ضوابط حددتها بنفسها، إسناداً ومشاغلة عبر "حزب الله" في لبنان وقذائف وبيانات من الحشد العراقي وإقفال الملاحة في البحر الأحمر بواسطة الحوثي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأسفرت "المغامرة الإيرانية" في مجملها عن مجزرة في قطاع غزة وتهديد حقيقي بترحيل سكانه، وفي لبنان دمر القطاع الحدودي وأبيدت قيادة "حزب الله" وفرض عليه اتفاق وقعه مع إسرائيل يقضي بنزع سلاحه وتسليمه إلى الشرعية، ولحظة توقيع هذا الاتفاق كان الوجود الإيراني في سوريا في طريقه إلى الزوال مع رحيل رئيس النظام بشار الأسد وفوز المعارضة المسلحة بقيادة أحمد الشرع في المعركة على السلطة.

وانهار الحضور الإيراني الإقليمي بسرعة قياسية لكن الخطاب الانتصاري للمرشد الإيراني وأتباعه لم يتبدل. وما زال "حزب الله" في لبنان يكرر خطاباً لا علاقة له بالواقع ويرتكب ممارسات لا صلة لها بمصالح الفئات التي يدعي تمثيلها، فهو وبوصفه وكيلاً شرعياً لها، يفعل ما يرضيها. ولدى قصف إسرائيل أحد الأبنية في ضاحية بيروت قبل أيام، مثلاً، لم يجد الحزب ما يفعله سوى رفع أعلام إيران فوق البناء المهدم، وعندما ثارت الاحتجاجات في وجهه جمع أطفالاً في اليوم التالي حملهم أعلاماً لبنانية وجعلهم يهتفون "هيهات منا الذلة" و"لبيك يا نصرالله"، قائد الحزب الذي اغتالته إسرائيل في الـ27 من سبتمبر (أيلول) عام 2024.

وفيما جرى "ضبط" الحشد العراقي بإسهام إيران، تم ما يشبه تكليف الحوثي وراثة التحليل الخطابي الذي كرسه نصرالله. فبات الحوثي، وهو تحت الضربات الأميركية المتلاحقة، خطيباً موسوعياً في كل أسبوع ومناسبة، يوزع الدعم والشكر من لبنان إلى فلسطين والعالم الإسلامي مروراً بمقر الإلهام الإيراني، من دون أية إشارة إلى مدى حاجة الشعب اليمني إلى الأمن والسلام والاستقرار والخبز، بدلاً من صواريخ لا تصل إلا في بيانات المتحدث العسكري.

هناك إحباط كامل ليس لدى سكان قطاع غزة فحسب، بل لدى الجمهور في كل ساحات "المحور" الذي أعدته إيران تحت لافتة محاربة إسرائيل، وهي في الحقيقة أرادته متاريس أمامية لحماية نظامها قتالاً أو تفاوضاً. وفي مواجهة هذا الإحباط الناتج من فشل الأوهام الكبرى يصبح الاحتجاج وسيلة تعبير طبيعية بل حتمية.

في غزة رأى متظاهرو بيت لاهيا أن ترداد هتاف "حماس بره" هو الشعار الأنسب لاختصار إرادتهم في خلاص مزدوج من إسرائيل و"حماس" دفعة واحدة، أي من طرفي حرب بلا أفق غير إبادة الفلسطينيين أنفسهم. وفي ساحة المحور الأخرى، لبنان، يتخذ الاعتراض أشكالاً أخرى تظهر في التعبير عن التزام تغيير يتيح إعادة بناء الدولة الشرعية المسؤولة وحدها عن السلاح وقرار السلم والحرب. وفي العراق ضبط للميليشيات وإحياء لشعار لا سلاح خارج الدولة، وليس بعيداً أن نشهد في اليمن انتفاضة من تحت ركام الصواريخ وخطابات التوجيه تعيد إحياء مناخات عام 2011.

لكن الأنظار ستكون محدقة بالوضع الإيراني خلال الأشهر المقبلة، إذ سبق الإيرانيون العرب في الاحتجاج على تدخل نظامهم في شؤون الجيران. وخلال خريف عام 2019 تظاهر الإيرانيون وهتفوا "لا غزة لا لبنان... روحي فدا إيران". وكانت تحركاتهم تتم لأسباب من انهيار الوضع المعيشي، واليوم أيضاً تعاني إيران أزمات داخلية متعددة وحصاراً خانقاً فيما انهار بنيانها الإقليمي دفعة واحدة، مما يجعل احتمال انتفاضة جديدة ضد النظام أمراً وارداً في أي وقت.

ويمكن لانتفاضة الغزيين أن تكون إنذاراً مبكراً لما يمكن أن يحصل في إيران، فغزة التي قامت في منطق المرشد بدور الصاعق الإقليمي عبر "حماس" قد تتحول إلى امتحان إيراني صعب يسقط فيه من قادوا المنطقة إلى الجحيم الراهن.

انتفاضة غزة إنذار مبكر لطهران