كيف نرتجي حناناً في زمنٍ قاحلٍ جفّت فيه ينابيع المودة؟ كيف تتوق الأم لحنية أبنائها وهي لا تمدّهم بذاك الرغيف الدافئ الذي عجنته يداها، رغيفٌ لطالما كان قبلة الحياة وصورة من صور الحب الذي لا ينضب؟ كيف يمكن أن يُقال بعد اليوم "خذ كل المدن وأعطني رغيفاً من خبز يد أمي"، على ما يذكر الراحل موفق محمد.. لكن المخبز لم يعد قلب البيت أيها الناس، بل آلة صمّاء لا تضخّ سوى الكتل الباردة؟
كيف لنا أن نجد الأجوبة لأسئلة تتراقص في فضاء الحزن، بلا أرض تهوي عليها أو تحط.. ولا سماءٍ تحتضنها؟ كيف نستعيد دفء الأمس وعبق الذكريات حين كانت الحنية خبزاً يومياً يُقدّم على مائدة الروح؟ كيف نُخبر أطفالنا عن زمنٍ كان فيه للرغيف قيمة تتجاوز جوعه، وحكاية تُروى عن أمٍ أودعت فيه خلاصة وعصير روحها؟
لم تبقَ للحنية فسحة.. لقد ابتلعتنا السرعة، وغيّرتنا التقنية، فأصبحنا نركض ونركض ونركض تاركين خلفنا فتات المشاعر. كيف نُفسّر هذا التحوّل الجذري في نفوس البشر؟ كيف نُشير إلى نقطة الانعطاف التي جعلت العلاقات الإنسانية أشبه بصفقات تجارية، تُقيّم ليس بالحب والوفاء بل بالمكسب والخسارة؟
حتى الملابس التي كنا نرتديها من إخوتنا وحتى أخواتنا، والتي كانت تحمل بين مكوناتها وشائج لا تحصى عن التشارك والمودة، أصبحت ذكرى بعيدة.. أبعد مما نتصور. كيف لأطفالنا أن يفهموا معنى "البُخل الجميل" حين كنا نرتدي بقايا الأمس بفخر، وحين كانت الألوان المختلفة في ثيابنا لا تُقلّل من شأننا، بل تُضيف إلى قصتنا؟ كيف نُقنعهم بأن قيمة الثوب ليست في جدّته أو قدمه، بل في الروح التي سكنت فيه، وفي الذكريات التي علقت به؟
في هذا الزمن تغيّرت كل الأشياء…
حتى ضحكات الأطفال صارت تُباع في مقاطع قصيرة، وحتى حكايات الجدّات صارت حروفاً على شاشات زرقاء.. وفي أحيان أخرى للسخرية..!
هل فقدنا القدرة على الحنية؟
أم أن الحنية نفسها رحلت، تاركةً لنا آلات بشرية بلا قلب، وزمناً بلا ذاكرة؟
أين الحنية في كل هذا؟ كيف نُشير إليها وهي تتوارى خلف ستار العزلة والانشغال؟ كيف نُدرك غيابها وهي تتسلل من بين أيدينا كالماء؟ أسئلةٌ جمة تتراكم، تضغط على الصدر، وتُنهك الروح، ولا تجد لها إجابةً شافية... ربما فثمة أسئلةٌ لا أجوبة لها..
فإن كنّا قد خسرنا الحنية، فبأي شيء نعوّضها؟
بالأجهزة؟ بالشاشات؟ بالخبز الجاهز بلا روح؟
إن فقدنا خبز الأمهات، إن فقدنا دفء الملابس القديمة، إن فقدنا ضحكات الجدّات… فماذا بقي منّا؟
إن كانت الحنية هي آخر ما يُبقي الإنسان إنساناُ، فاحذروا…
حين تموت الحنية، يولد جيل لا يعرف كيف يضمّ ولا كيف يُضمّ، جيل بارد كالمعدن، حادّ كالآلة…
وحينها، لن نسأل: أين الحنية؟
بل سنبكي لأننا نسينا حتى كيف تُسأل.!
مرتضى اليوسف



