ما أشبه اليوم بالبارحة، فالأفاعي وإن غيرت جلودها، لا تتخلى عن سمومها. من رماد مشروع "جمهورية الشام الفيدرالية" الذي وُئِد في مهده بعد أن افتضحت عورته وسقطت عنه ورقة التوت، ينهض اليوم شبحٌ جديدٌ يتشح بعباءة براقة، ويطلق على نفسه اسم "جبهة الاستقلال للحرية والسلام". هو الاسم الجديد لنفس الخنجر القديم، ونفس النوايا الخبيثة التي لا تستهدف سوى تمزيق خاصرة العراق، وابتلاع الحلم الكردي الذي نُحت بالدم والتضحيات.

لقد سقط القناع سريعاً عن مشروع "الجمهورية" المزعومة، حين تبين للعالم أنه كيان هجين، يسرق شعار معهد تربوي سوري، ويستعير علم التركمان العراقيين في عجز فاضح. وظننا حينها أننا قد رأينا قاع الإفلاس الفكري. لكن فصول هذه المسرحية الهزلية لم تكتمل بعد. ففي فضيحة تالية، تبين أن شعارهم المحدث ليس سوى تصميم لشعار لمؤسسة خيالية.

ولكن، حين يظن المرء أن مسرحية العبث قد بلغت ذروتها، تأتي الحقيقة لتصفعنا بمشهد يفوق كل خيال. لقد تبين أن العلم الذي ترفعه "الجبهة" اليوم هو نفسه، وبلا أي تغيير، علم كيان خيالي يُدعى "اتحاد العوالم الموحدة" (Federation of Unified Worlds)، وهو فصيل وهمي من عوالم الخيال العلمي وقصص الإنترنت التي يكتبها الهواة. فبأي عقلٍ يمكن لحركة تزعم تحرير شعوب حقيقية أن تتبنى هوية بصرية مسروقة من أساطير الإنترنت الخيالية؟ إن هذا لا يثبت فقط أننا أمام مجموعة من الهواة، بل يؤكد أننا أمام واجهة فارغة تماماً من أي محتوى أو رؤية أو حتى احترام لعقول من تحاول خداعهم.

ورغم هذه المهزلة، تُحَدِّقُ بوصلة المشروع بثبات نحو كردستان. فالخارطة التي يطرحونها ليست سوى فخٍ منصوب بعناية، يضع درر العقد الكردي - كركوك وأربيل والسليمانية ودهوك - وجواهر المناطق المتنازع عليها - شيخان وخانقين والحويجة وطوزخورماتو - في قلب كيانهم المستوحى من الفضاء الخارجي. إنها ليست دعوة للتحرير، بل هي خطة محكمة لمحو الهوية القومية الكردية، وسلب أرضٍ ارتوت بدماء الأجداد. ويا للسخرية، أن بعض القائمين على هذا المشروع، الذين يتنفسون هواء أربيل الآمن، يهمسون في أروقتها همس الأفاعي، محاولين استمالة قيادةٍ أدركت أن في قربهم الموت، وفي وعودهم السراب.

وما يزيد المشهد قتامةً هو هوية الواقفين في مقدمة الركب. فشخصيات مثل هؤلاء من الذين يغردون خارج السرب الإقليمي بدعواتهم الصريحة للسلام مع إسرائيل، يكشفون عن طبيعة الأجندة التي يخدمونها، وهي أجندة غريبة عن نبض الشارع وهموم الأمة.

وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى التي تَصِمُ هذا المشروع بالزيف المطلق. إن حجر الزاوية في خطاب "الجبهة" هو الثورة على "المقدس البريطاني"، أي خارطة العراق وسوريا. يتشدقون بمعاداة الإرث الاستعماري، بينما لا يملكون حتى هوية بصرية خاصة بهم، فيستعيرونها من عالم وهمي. لقد اعترف كبار المسؤولين البريطانيين أنفسهم بأن لندن دعمت فصائل المعارضة السورية ("الشرع")، في دور يتناغم تماماً مع السياسة الأمريكية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف لعاقل أن يصدق أن أداةً بهذا المستوى من السطحية والإفلاس، التي تبني هويتها على قصاصات من الإنترنت وعوالم الخيال، يمكن أن تُشهر سيفها في وجه مهندسي الخرائط الدوليين؟ كيف لمشروع يزعم أنه سيُمزّق "الإرث المقدس" للمهندس البريطاني أن ينال مباركةً خفيةً من ذات المهندس الذي لا يزال يدير اللعبة؟ إنها مسرحية هزلية، وستار دخان كثيف، يراد منه إخفاء الحقيقة الساطعة: هذه "الجبهة" ليست سوى حصان طروادة جديد، يُراد به تحقيق ما عجزت عنه الجيوش والمؤامرات السابقة: إغراق العراق في فوضى التقسيم، وضرب التجربة الكردية في مقتل، خدمةً لمصالح قوى لا ترى في منطقتنا سوى رقعة شطرنج لم تنتهِ مباراتها بعد.

د. شيرزاد الجاف

كركوك