بقلم: منهل الشيخ

قد يكون أصدق تعبير عن عصرنا هو ذلك الشعور الثقيل بالعجز ونحن نمرر أصابعنا على شاشات هواتفنا. سيلٌ من الأخبار المتدفقة، صور المآسي التي تتوالى، والتحليلات الصاخبة التي تزيد الطين بلة، وفي خضم هذا الركام من اليأس الرقمي، وبينما كنت أقلب صفحات جريدة "الزمان" الإلكترونية، استوقفتني ومضة غير متوقعة، خبر صغير عن دراسة أكاديمية في أربيل، فهو لم يكن خبراً عن السياسة أو الاقتصاد، بل عن شيء يبدو بعيداً كل البعد عن ضجيج عالمنا: قصيدة الهايكو اليابانية. للحظة، شعرت بأنها مفارقة سريالية، كمن يجد زهرة برية تنبت في قلب حقل ألغام.

ربما كان أول ما خطر ببالي هو التساؤل الساخر: في عالم يحترق، من لديه الوقت ليتحدث عن قصيدة من ثلاث جمل عن بركة ماء؟ لكن الفضول دفعني للمتابعة. الخبر تحدث عن أطروحة باحث يدعى مرتضى جابر حمد، جادل فيها بأن هذا الفن الهادئ لم يعد كذلك، بل تحول في أيادي المبدعين حول العالم إلى أداة نقد ومقاومة للإصلاح المجتمعي وكم نحن أحوج إلى مثل هذه الدراسات المهمة.. وهنا بدأت المفارقة تتضح: في عصر الضجيج، قد تكون المقاومة الأكثر فعالية هي الصمت المكثف. وفي عالم الكلمات المستهلكة، قد تكون الرسالة الأقوى هي تلك التي تُختزل في ومضة.

وهنا تكمن عبقرية الفكرة التي طرحتها تلك الدراسة الأكاديمية عندما كشفت كيف أن الهايكو، بإيجازه الحاد، أصبح مشرطاً يشق به الشعراء جسد الواقع المترهل ليكشفوا عن ألمه الخفي، فهو لم يعد مجرد تأمل للطبيعة، بل أصبح في يد ريتشارد رايت صرخة مكثفة ضد عنصرية أمريكا، وفي وجدان شعراء العراق مرآة مكسورة تعكس شظايا وطن أنهكته الحروب. إن ما أثبتته تلك الدراسة هو أن هذه القصيدة الصغيرة لا تهرب من الواقع، بل تغوص في قلبه، وتعود محملة بلحظة حقيقة واحدة، نقية وصادمة، كفيلة بهز وعي قارئها.

إن هذا الاكتشاف هو درس في كيفية إيجاد المعنى في زمن التشظي، في وقت علمنا فيه التاريخ أن السرديات الكبرى كثيراً ما خدعتنا، وأن الخطابات الرنانة غالباً ما كانت فارغة، واليوم، ربما تكمن الحقيقة والنجاة في الأشياء الصغيرة، في الشهادات الفردية الصادقة، في تلك القصائد القصيرة التي لا تدعي امتلاك إجابات، بل تكتفي بطرح السؤال الصحيح في اللحظة الصحيحة، فقد كانت تلك الدراسة عن الهايكو، التي وجدتها بالصدفة وسط عتمة الأخبار، بمثابة شرارة تذكرنا بأن الفن، حتى في أكثر أشكاله تواضعاً، سيظل دائماً فعل مقاومة ضد اليأس.