الدكتور خالد حوير الشمس
   يمكن وصف رواية كؤوس السنين الصادرة سنة 2025 م في بغداد للروائي القدير حسن عبد الرزاق، المتحصل على دكتوراه في تخصص البايلوجي، بالآتي:
  لا يمتلك النقد السردي صرامة في تحديد مفهوم المكان، بل يجعله سيالا، فعلى الرغم من تقديره أن المكان بوصفه عنصرا سرديا، يدل على الرقع الجغرافية في النص الإبداعي، لكن طبيعة التوظيف له، وطبيعة تمازجه مع الجانب النفسي للروائي، والسارد، والبطل، والمتلقي يجعلك توقن أن المكان هو العمل الإبداعي برمته، فلا قص، ولا رواية سيستقيمان، أو ينوجدان، فهو ذاكرة مليئة بالأبعاد الجغرافية، والنفسية، والقصدية، والتكوين، لها صلة بالشخصيات السردية، وبالأحداث، معتمدة على طريقة الصياغة اللغوية، والوصف، والتقرير، فقد يكون المكان مجازيا، وقد يكون حقيقيا، وبحسب الدور المنوط به من لدن الروائي. 
   سأقف في هذا المقال على عدد من أنواع الأمكنة في رواية كؤوس الشياطين، مع الاقتراب من دلالاتها، وسماتها، وارتباطها بالشخصيات، والأحداث، مراعيا أن الرواية هذه هي تجليات مكان، وذاكرة فرد في مدينة، يتضمن موضوعها خطين متوازيين، يحملان بعدين سيميائيين عظيمين، غير قابلين للزوال، والانقضاء، وإنما فعَّالان على مدى الحياة، هكذا يريد أن يجلد السلطة في الخط الأول من روايته، لوجود تحقيق، ومصداق لهذا التصور على مستوى تاريخ العراق الحديث بدءا من سنة 1958 وهو زمن الرواية وصولا إلى الوقت الراهن 2015، والاعتماد على تحول الشخصيات الحاكمة للعراق الجديد، تحولا شكليا، والإبقاء على كنهها السارق، واللائط، والخمار، والمتحزب، والمخادع، والقاتل. ليصل إلى الخط الثاني من الرواية، وهي تأخر الهامش، وعيشه بمأساة، وعوز اقتصادي، وإقصاء، وتدمير، وتحطيم. ضمن زمن الرواية المحدد، ولوضوح صورة هذين الخطين في الذاكرة العراقية عند الروائي، وعند المتلقي، لجأ حسن عبد الرزاق إلى طريقة انتقاء الأزمنة، وتقسيم روايته على فصول، جعل لها عنوانات تاريخية، نحو: 1958، 1961، 1694، وهكذا وصولا إلى 2015م، حتى يتولد سؤال في داخلي: لماذا جعل زمن الرواية غير موحد، بل جعله متعددا غير متواصل؟ يبدو أنه اختار الذاكرة الملحمية للفرد العراقي ضمن المجريات الأبرز في العراق، والأكثر أكشنا، فيما يخص السلطة، وتضييعها للفرد العراقي، فضلا عن ترجيحه لسمة الاختصار في روايته، التي حوى إطارها العام ذاكرة ماض، فقد اهتم السارد العليم باسترجاع المدينة القديمة (الناصرية)، وعرج على ذاكرة السياسة، والمجتمع في أزمنة الرواية ولاسيما عام 1958م، وغيرها، فأعطانا صورة دقيقة عن أحيائها، وساكنيها، وأسواقها مع تغييب واضح للشخصيات المباشرة، وتقليل لها ولا سيما في 1958م. 
   ثمة أنواع للمكان في رواية كؤوس السنين، أكتفي بثلاثة منها:
-المكان الرئيس: أي المكان الكلي في الرواية، وهو الناصرية بأزقتها القديمة، وشوارعها الكثة، ومهنها البسيطة، واضطرابها الحزبي، والسياسي، وبيان المعتركات، والمفرقعات التي تقوم بها السلطة لتدمير ذلك المكان، عبر أذرعها، ومنهم النقيب سامي، الذي يختلس شرفَ قريبهِ جبار، ويراود زوجته فضة، التي جاءت من مضارب الغجر، ولكنها أعلنت الحب لجبار، والتوبة، بحثا عن النعيم، والاستقرار، ومغادرة حياة الغجر الذين أسكنهم الروائي بمسافة 90 كيلو متر عن الناصرية، ليمزج غيرته على الناصرية بغيرة الشعب الناصري على النساء، إذا جاءهن مكروه، فلم تمنع خرائبية البيوت، وهندستها المتشظية أن يحمي الجيران وجود فضة من عبث النقيب سامي حينما يراودها بعد ذهاب زوجها إلى العاصمة، أو حينما يضايقها بطل الرواية عظيم عبد الكريم، الذي يبحث عنها، بعد أن وقع بهيامها، وحبها، وأدام البحث عنها، وضحى بحياته، فقدم من بغداد، وترك نعيم عيشه مع والده التاجر، وأمه زكية اليهودية، التي حبت عبد الكريم متعب، وأنجبت منه عظيما، الذي حدث تحول في شخصيته من صعلوك، وهامشي إلى مسؤول في الدولة العراقية الحديثة بعد سقوط حكومة البعث، فصار مركزا، ولكنه لا يرغب في إقصاء الهامش. 
   ثمة قصد واضح في اختياره لهذا المكان، إذ يرغب بإيقاد العيش عبر الأمل، والإيمان بالتضحية، والقبول بالأمكنة على صورتها المتهرئة، مقابل احترام الحب، وتحقيقه عند البطل عظيم عبد الكريم، الذي يقاوم السلطة، ويقاوم القبح عبر العمل، والكسب بوصفهما مسارين يسهمان في صناعة الإنسان، ومقاومة شظف الحياة، عبر التنقل من مهنة إلى أخرى ((استبدلت الفترينة الثابتة بعربة متحركة أبعدتني عن مجاورة جدار الشرطة، وأصبحت بائع كبة تصنعها لي زوجة رجل أصله من مدينة الموصل)).
   يريد الروائي، وتقنياته السردية أن يقرروا عبارة واحدة عبر اختيار الناصرية مكانا رئيسا في هذه الرواية، العبارة هي: الناصرية مملكة الألم، أي الألم الذي تحدثه السياسة، ويحدثه المجتمع الإقصائي، والعنيف، الذي يؤمن بأن خيانة النفس، وخيانة الصداقة هي الباب الذي يدخل منه الرؤوساء، والزعماء للهيمنة على الشعب، فجاءت روايته على أنها رواية تاريخية، كتبت بكفاية لغوية دالة عند الروائي، أرفع من اللغة العادية، ولكنها غير مبالغ في كتابتها الرمزية، والجمالية؛ لكونها تختصر تاريخ العراق السياسي الحديث؛ ليبين المكان الرئيسُ قيمةَ الكدح عند الفرد العراقي الحديث، وتوضيح تخاذل الشعب، وخواء السلطة، التي تنظر إلى تقاتل أبناء الشعب، من دون ردع، أو معالجة، في واحد من أمكنة الناصرية، وهو السوق القديم، حيث حدثت مشاجرات ببن بعض الشبان، في سنة 1966م، وتطور الشجار أمام مرأى الشرطة، ((من مكان اختبائي، وهما يمران بجانب سيارة النجدة شاهدت شابا ضخما لم أتبين ملامحه، يلاحق شابا آخر شبيها له بالضخامة، سكينة مرفوعة بيده، ولسانه البغدادي يطلق توعدات الذبح، فيما كانت الدماء الغزيرة تسيل منه، وتصبغ وجهه بلونها، والشرطة ينظرون من نوافذ السيارة بحيادية وكأنهم ينظرون إلى مشهد سينمائي ليس إلا)).
   رسم الروائي خرائط الناصرية، وأبنيتها في روايته على وفق معيار الشكل المتهرئ، فأورد أمكنة غير راقية، ومنها الخرائب، والبيوت القديمة، والشوارع المتعثرة، والفندق البائس (فندق الشناشيل)، ومقرات الأحزاب ذات الطراز القديم؛ ويحمل ذلك الاستحضار قصدية الدمار المستمر في مدينة الناصرية، وقصدية التأثير الثقافي على طابع المدينة في زمن الرواية، ولاسيما مدة الخمسينيات، والستينيات، والثمانينيات، إذ تكون بعض النهضات العمرانية فردية، ومن ذوات الأهالي دون ذات الدولة، ثم تأكيد إهمال السلطة حينما فضلت الدولة العراقية رعاية الحرب العراقية- الإيرانية، وإهمال الجانب العمراني في المدينة، وكذلك التركيز على سرقات البلد بعد 2003م، وليس على الازدهار، إذ هنالك مشهد سردي في الرواية يقارن فيه عظيم عبد الكريم بين شوارع الناصرية قبل وبعد 2003، فيرى شارع الجمهورية أسوء من قبل: ((وجدت الشارع في وقتها كما وجدته في عام 1990، هرما متآكلا مغطى بتراب الفقر، لكنه لا يزال واقفا على قدميه، يقاوم الزمن، ويحلم بالتجديد)).  
  ناهيك عن تلك التوظيفات للمكان المتهرئ، والخرِب، يأتي توظيف مساند لها؛ ليحاول أن يصنع الانسجام بين الأمكنة الرديئة وهوية الشخصيات المتحولة من الرثاثة إلى الرتابة، ولاسيما شخصية جعفر سبنسر، وشخصية عظيم نفسه، وعازر اليهودي؛ لكونهم تحلوا بثقافة السلب، والحطام، وبقيت هذه الهُوية ترافقهم بعد سقوط النظام البعثي، وقيامهم بحكم العراق بعده، فكانت هذه الأمكنة الخربة هي التي صدرتهم، فيريد أن يقول إنها شخصيات قادمة من الحضيض، والمستنقعات؛ بسبب وجود علاقة جسيمة بين المكان والسمو الثقافي، ((ليكون تأريخ المكان على نحو ما تأريخا للإنسان بما يختزن من خبرة الزمان وعبرته، مثلما يكون سموه ووضاعته مدلولين بليغين لدال الإنسان في رفعته واندحاره)).
-المكان القمعي: وأقصد به المكان الذي يسهم في قمع وجود الذات الحقيقية للإنسان، ويصادر كيانه، ولاسيما الأمكنة التي تشرف عليها السلطة، أو التي تسمح بوجودها العبثي، مما يساعد هذا المكان على فرض مجموعة من القيود، تمنع ممارسة الحرية، سواء أكانت حرية الفعل، أو القول، أو الذات.
   كوخ الغجر واحد من تلك الأمكنة التي استحضرها حسن عبد الرزاق، لدحض الذات البشرية، والتخلص من العفة الذاتية عند الرجل، والمرأة لحظة دخول بطل الرواية عظيم عبد الكريم على غجرية ليمحق ذاته، ويمحقها في الوقت نفسه مقابل ثمن بخس أول لحظة، ((داخل كوخ غجري مهلهل، ناديتها باسمها الذي عرفته، وأنا أدفع ثمن الدخول، ثم تجمدت أنا والكلام، وصرت صنما من ثلج يحدق في قشطة الساقين المنزاح عنهما الثوب الأحمر...)). 
   وقد سعت الذات الواعية، واللوامة لدى عظيم أن يتحرر من قمع نفسه، وقمع هذه البنت فضة، القادمة من الشمال بحسب لهجتها، فأراد أن يخلصها حينما ناداه لا شعوره بعشقها، والهيام بها، وحبها، فتصنَّم، ولم يمسها، وماتت فحولته، طمعا بتحررها من القمع الذي فيه، وطمعا بزواجها في المستقبل.
   استهوت الكاتب خطوات تقزيم السلطة، وعرَضَ جزءا من أفعالها تُجاه الشعب، والأمكنة، وقد جوبه ذلك بردود أفعال شعبية بوصفها معادلا موضوعيا، يحطم واحدة من قيود الملكية، ذات القمع، وهي بناء المتصرفية، البناء الإداري، ذو الهيبة، الخاص بالحكم السياسي الملكي للعراق، الذي انتهى سنة 1958، عبر نقمة الشارع العراقي في مظاهرات عارمة، وثورة أودت بالنظام الملكي إلى الإنهيار، فيسرد لنا السارد العليم ما حدث في مكان الرواية من خطاب مماثل لما حدث في مدن العراق الأخرى، وهو يشاهد عبر شرفة فندق الشناشيل الذي يسكن فيه، ويكون هو وصحبه في الفندق متفرجين لا غير: ((أصوات هادرة مفاجئة هي التي أجهزت على لذة نوم الفجر، وأخذتنا جميعا نحن النزلاء، من السطح الذي ننام على قريولاته الحديدية إلى السياج المطل على الشارع، وجعلتنا نرى بركانا منفجرا، يرمي بحمم هتافاته على مبنى المتصرفية، ودائرة الشرطة الملاصقة له)). 
   يستحضر الروائي السجن على أنه مكان قمعي في إطار البنية الموضوعية في تقزيم السلطة، والنيل منها حينما حكمت العراق الحديث في سنة 1969م، بعد انقضاء حكومة المشير، وانتقال الحكم إلى أخيه عبد الرحمن عارف، فقامت الحكومة باعتقال عظيم عبد الكريم، ونقله إلى بغداد، ليصل إلى السجن المريب، والمرعب وهو قصر النهاية، وهو التمثيل الأبرز للمكان القمعي، إذ تصل قمعيته أن يشبهه بالقبر، وعتمته، ((وهناك في قصر النهاية، وفي غرفة تعتبر تمرينا أوليا للتعود على عالم القبر، عرفتني الخيزرانات، والمراوح السقفية، والشتائم المبتذلة بهويتهم الحقيقية)). 
  ترى الرواية في أسها الكلي، وقصدها الشمولي _مع تبدل الحكومات العراقية الحديثة_ ثمة عامل مشترك بينها، هو الرقابة الشديدة على المواطن، وممارسة المكان القمعي معه، بلحاظ اكتظاظ السجون، وعدم الاهتمام بها، وبلحاظ عدم وداعة المسؤولين عن المحاكم، فقد صورت لنا الرواية واقع المحكمة العراقية، بوصفها مكانا قمعيا، يحمل دلالة الترهيب، والموت، فقد صارت محكمة الثورة من لحظة استلام حكومة البعث إلى لحظة سقوط النظام هاجسا مخيفا، وحاملة دلالة الإعدام، وهاهو عظيم عبد الكريم يصف لنا لحظة الإرباك، والخذلان الذي مر به حينما تم اعتقاله بسبب تحريضه على الحكومة وهو في واحد من البارات، بعد أن وصل إلى لحظة السكر العميق، منتصرا لإعدام ميادة بعد أن وشى بها هو نفسه لسلطة البعث، فتابعته أعين البعث، ودخل قفص الاتهام ((دخلت، ووقفت غي قفص الاتهام بانحناء سعفة نخيل يابسة، حاملا وجها باكيا بلا دموع، منتظرا من رئيس محكمة الثورة لحظة رحمة مستحيلة تطرأ على قلبه القانوني)).
   وقد يبالغ الروائي في دحض السلطة، والإفصاح عن تشديد رقابتها على الفرد العراقي المحطم مثل عظيم، فجعل تسلسلا، وتداخلا بين الأمكنة في الرواية، فأدى المكان القمعي الأول (محكمة الثورة) إلى المكان القمعي الثاني (سجن أبو غريب)، ((ثم دحرجوني إلى مديرية الأمن العامة، بعدها إلى محكمة الثورة، ثم إلى مقبرة الأحياء (سجن أو غريب) )). الذي يشكل همًّا نفسيا للثائر على حكومة البعث الصدامي، فيعبر عنه بعبارة تحمل معنى الثبات، والوقوع، والرصف المجازي الصريح؛ حين جعل السجن مقبرة، وللأحياء، مفيدا من تقنية الترتيب الكتابي، فقدم الوصف، والمجاز هذا على الجملة الخبرية، (سجن أبو غريب). 
   وحين يحدث التحول في الخطاب السردي في الرواية بناء على تحولات الخطاب الاجتماعي، والسياسي في المجتمع، يحدث تحول في النظر إلى المكان القمعي عند الروائي، والسارد، فقد يرصدان الثورة ضده، ولاسيما دائرة (المحافظة)، التي يديرها البعثية، ويحاصرها المتظاهرون سنة 1991 في الانتفاضة الشعبانية، ليثوروا ضد القمع الذي فيها، منتظرين الخلاص من حكم صدام حسين، فقاموا بمحاصرة المحافظة بقيادة شخصية يسارية قد تحولت إلى إسلامية، ((غير أن وصولي إلى بناية المحافظة المحاصرة بالبنادق، والحقد، أنساني الشكل الجديد الذي بدا عليه صاحبي القديم، وأدخلني في موجة أخرى جديدة قوامها الهتافات، والشتائم، والأزيز، والانتقام)). 
-المكان الحر: الذي يشترك فيه أبناء البلد، أو المدينة الواحدة، وقد انماز المكان الحر الذي استدعاه في روايته، بأنه مكان تدميري، ينتمي إلى عوالم الرواية، والإنسان الهامش، المحطم، فلم يتجاوز الأمكنة الهشة، والرمادية، التي تنتمي إلى طبقة المجتمع المنهارة، فلم يتجاوز (الخربة)، وسط مدينة الناصرية، فقد دخلها عظيم عبد الكريم تحديدا سنة 1959م، في سياق لعب القمار، مع مجموعة آسنة من الرجال الكبار، وحينما يحتقن وسط الخسارات، وتناول المسكرات، يصل إلى حد الاحتقان، فذهب إلى الخربة؛ ليفرغ حمولاته المائية، ((وبسبب هذا جنحت نحو الخربة المجاورة عند خروجي لكي أتخلص من الحمولة المائية الثقيلة))، دالا على العبث، والعيش بلؤم، وعدم تطور المدن في القرن العشرين، ومالخربة إلا مقبرة لخراب المجتمع، ومن مساوئها أنها تأوي مقتولا، على شكل جثة، ارتطم بها عظيم، وتفاجأ بذلك، وأخذ بالصراخ، وأخبر عليه المجاورون له، وسجنته الشرطة بتهمة القتل.
والمقاهي الشعبية، التي تدلل على عبثية روادها، وعبثية مالكها، ومنها مقهى الأشرم، التي جاء منها أحد روادها، وخفف من روع الصدمة التي عاناها عظيم بعد ارتطامه بالجثة، وهو الشخص الغريب القادم إلى الناصرية، والذي يجهل دهاليز تلك المدينة، فأودى به جهله إلى دخوله الخربة، وتفاجأ بما حدث، وبقي هول الموقف يغمي عليه، ((لولا مجيء جعفر من مقهى الأشرم أثر سماعه الضجيج، وتهدئته لي وإنعاش وجهي برشة ماء، ثم الذهاب بي إلى فندق الشناشيل)).
ثم سوق الطيور، حينما جعله مكانا عاما، يأويه من الاغتراب الذي يعيشه بطل الرواية عظيم عبد الكريم، بعد ملاحقته فضة، التي بحث عنه كثيرا، فوجدها، ثم حاولت التنصل عنه، فاستنجدت بالمارة في الشارع، ثم حاول هو الاختباء في سوق الطيور، ((ذهبت بعد مدة مقدارها شاي، وسيكارة شربتهما ذهولا في مقهى صغير يرتاده القرويون الى سوق مربي الطيور لكي احتمي بزحامه من أنظار صرت أتخيل أنها تلاحقني بسخريتها من فشلي، وإهانتي)).
 فضلا عن شارع البتاوين، بوصفه المكان المنبوذ في نظر الحقيقة المجتمعية. وهي الموئل الأول لأمه اليهودية، التي أحبت أباه على الرغم من نشأتها في أسرة نبيلة، يهودية في أصلها، ولكنها أحبت الرجل المسلم ((جرها حبل الغرام من بيتها اليهودي في البتاوين، وأدخلها بيت عبد الكريم متعب المسلم، تزوجته رغما عن داوود أبيها، وعن أمها سليمة، اعتنقت دينه، وماتت على الدين نفسه)). فلم تمنع دلالة التشظي، والتشرذم في هذا الشارع من صناعة حدث إثني مهم، يدل على العلو، والرفعة، وهو انتصار قيمة الحب، وتحقيق الزواج بين الحبيبين. 
   ولم يغب عن سرده البيت المعتم، والمكروه، الذي استدعاه في تحقيق الحدث السردي المنطوي على عقد اجتماع سري مع الجهة المعارضة لنظام الحكم الدكتاتوري البعثي، بعد أن استقطب عبد العظيم؛ لكونه معارضا قديما، يمتلك الخبرة في المقاومة، والرفض، فاقتاده شاب يتحرك على وفق ثقافته الدينية، إذ تصوره الرواية أنه ذو لحية ((وسرت مع الشاب الملتحي حسب خطة ميادة التي وضعتها ظهرا، ودخلت في زقاق مظلم لم يتوسع منذ زمن الملك فيصل الأول، ومن الزقاق دخلت إلى بيت معتم الدهليز أيضا، كادت عتمته أن تخترق صدري لو لا حزم الضوء التي طلعت عند انزياح ستارة الباب)).
وكذلك البار، المكان الذي يستعمل لشرب الخمور، المنفذ الأكبر لمجتمع الرواية، وشخصياتها الرئيسة، الذين تحولوا إلى رجال نظام حاكم بعد سنة 2003 وهو عازر، وجعفر سبنسر، وعظيم عبد الكريم. لحظة لقاء شخصيات الرواية الثلاث الرئيسة في المهجر، وتحديدا في امريكا، فقد دار حديث صريح بين عظيم وجعفر سبنسر في واحد من لقاءات التخطيط، والثورة، والتهيئة لإسقاط نظام البعث، وحينما كان عظيم مطلعا على تاريخ سبنسر السلبي، رغب الثاني نسيان ذلك في سياق حوار ساخر، طالبا منه أن لا يناديه بسبنسر، والتغاضي عن ذلك التاريخ الأهوج، مستحضرا القيمة السلبية للبار، قائلا له: ((أنا شاهدتك خلال الانتفاضة قرب بيت حسون ولم استطع الاقتراب منك. لم انتبه لوجودك. سبنسر، أنا مشتاق لك جدا. ههههههـه، [انسى] سبنسر، ادفنه هناك في بارات الناصرية كما دفنته أنا. آه، آسف)). 
   وآخرها الحديقة المهجورة بفعل السلطات، التي لم تفكر يوما بترميمها؛ لتقي الإنسان هجران الحياة، ولم يفد منها المجتمع سوى ملاحقة جعفر سبنسر لطفلين صغيرين؛ بغية ممارسة البغاء مع أحدهما، وحينما لم يفلح ارتطم واحد منهما بصخرة كبيرة في رأسه فمات بسبب الهرب؛ حتى لا يكون ضحية لواط مع رجل سكران هو سبنسر، فيقص لنا السارد العليم تلك السفرة الى الحديقة المهجورة، بعد أن دخلها الرجل المثقف، والسكران سبنسر، ((توقفنا معا في هذه الحديقة الخالية المهجورة منذ أن اجتاح المنطقة فيضان قديم أجبر أهلها على استبدال مكانهم)).
‏  ثمة خطان آخران متوازيان في الرواية، الأول موضوع الحب بين عظيم عبد الكريم وفضة، وتضحية عظيم من أجلها، والآخر تهشيم السلطة عبر مصادرتها للهامش، فأورد عددا من الأمكنة فضلا عما سبق، استدعى قاعة السجن، وبغداد مسكن والده، إذ هجرها صوب جنوب العراق، والعيش في الناصرية، بحثا عن العشيقة التي أغوته بساقيها، وبياض خديها، ثم استدعى في وقت آخر بساتين السديناوية، ومقهى الزهاوي، ونادي كلية الآداب في جامعة بغداد، وشقة عظيم في ديترويت، وغير ذلك مما له صلة بصياغة أحداث السرد في كؤوس السنين العلقم التي تنطبق على الفرد الجنوبي، إلا أنه اعتنى بالمكان المهيمن، الذي جاء بأنواعه الثلاثة :الناصرية بوصفها بيئة للرواية، والمكان بثوبه القمعي فضلا عن المكان بنطاقه السلبي من قبيل الحديقة، والخربة، والمقهى، كانت تلك الأمكنة أدوات خطاب أو كانت أدوات صياغة بناء كلي للمعنى ضمن السرد الذي أراد أن يصوِّر عبره حسن عبد الرزاق مفاهيم الإنسان المدمر الذي يعيش هامشا، وحدثت تحولات في شخصيته الاجتماعية، والثقافية، والدينية، فيتحول من قيمة الهامش إلى قيمة المركز؛ لتكون النتيجة لهذا التحول المركزي عدم إدارة الحياة، والبلاد، والسياسة، والفكر بصورة سليمة؛ لأنه نبع من منبع غير سليم.
   حوَّل المكان إلى معنى، يقبع في التراكيب، وصاغت تلك الأمكنة طوابع النقد السياسي، وولدت الأحداث السردية من قبيل بطش السلطة، وعبث الأفراد في أنفسهم، وفي مدنهم، وفي الغلمان التائهين بسبب السياسة، والإدارة السيئة، فضلا عن تصويره لحالة التأخر العمراني، والفقر الاقتصادي، وتفشي الأمية، وغير ذلك من السياقات التي أضيئت عبر المكان، ليفيد من روايته في وضع بعض النصائح السردية للمتلقي، بوصفها مثابات عيش، وعمل، وسلوك، ومنها أن مواجهة الأقوياء تحتاج إلى أسلحة قوية، ولا يتحدى الضعيفُ الكبير مالم تتوافر ظروف الغلَبة، وعلى الإنسان أن يترك التشرد، ويؤمن بأهله، ومحيطه، ويجب أن يكون الهيام بالجسد الطاهر لا ببنات المضارب، وتجنب خطوة الخيانة الأولى؛ لأنها تؤدي بك إلى الثانية، والنصيحة السردية الأبرز أن بئر السياسة مالح إياك أن تشرب منه، ويصل به المطاف ليرشد المتلقي إلى صياغة الحياة بعد التعثر، وعدم التوقف، ثم التوجيه بأن الكتب، والقراءة مخلص للإنسان .