لم تكن ليلة الحسم في مجلس النواب العراقي مجرد محطة عابرة لاستكمال الهيكل الرئاسي التشريعي، بل كانت مسرحاً لعملية سياسية جراحية دقيقة نفذها الحزب الديمقراطي ببرود أعصاب يُحسد عليه، قالباً الطاولة على خصوم أرادوا له التعثر، ليخرج من المعركة وفي جعبته انتصار يتجاوز الظفر بمنصب النائب الثاني.
ولا يختلف اثنان فإن قراءة ما حدث بعين فاحصة تكشف لنا بوضوح أن "البارتي" لم يذهب إلى بغداد بخطة يتيمة، بل كان يتأبط ملفات بديلة وسيناريوهات متعددة، مدركاً أن دهاليز السياسة العراقية، وتحديداً تلك التي تُحاك في الغرف المظلمة من قبل بعض المنافسين، تتطلب نفساً طويلاً وقدرة فائقة على المناورة، وهو ما ظهر بوضوح لحظة استبدال المرشحين والدفع بفرهاد الأتروشي إلى الواجهة.
لقد توهم الخصوم، وتحديداً الذين راهنوا على إحراج الديمقراطي عبر عرقلة مرشحه الأول شاخوان عبد الله، أنهم سجلوا نقطة ثمينة في مرمى أربيل، وأن المنصب سيظل شاغراً أو سيذهب لمرشح ضعيف يسهل "أكله" سياسياً، لكن المفاجأة التي أربكت حساباتهم كانت في سرعة استجابة الحزب الذي سحب من كمه ورقة "الجوكر" المتمثلة بفرهاد الأتروشي.
بالتأكيد، هذا الانتقال السلس من خيار إلى آخر لم يكن وليد الصدفة، بل عكس تكتيكاً مدروساً بعناية يوجه رسالة قاسية للمتربصين مفادها أن الحزب مؤسسة ولادة للكفاءات، وأنه إذا أُغلق باب بوجه مرشح، فسيُفتح الباب لآخر أشد بأساً وأكثر خبرة.
وبدلاً من الدخول في جدل عقيم وصراخ إعلامي لا طائل منه، قدم الحزب شخصية يصعب رفضها؛ محافظ سابق لدهوك لست سنوات عجاف أدار فيها الأزمات بحنكة ، وبرلماني مخضرم خبر دهاليز لجنة النفط والطاقة في دورات سابقة ، وأكاديمي يحمل درجات علمية رصينة من جامعات عالمية. وبهذا الاختيار، جرّد الديمقراطي خصومه من كل ذرائع الرفض، وأجبرهم على التصويت لمرشحه، ليتحول "الفيتو" الذي لوحوا به سابقاً إلى مبايعة قسرية تحت قبة البرلمان.
وفي زاوية أخرى من المشهد، يسلط ما جرى الضوء بشكل ساطع على الفجوة الآخذة بالاتساع بين الحزب الديمقراطي ومنافسه التقليدي الاتحاد الوطني الكردستاني. فبينما يثبت "البارتي" يوماً بعد آخر أنه اللاعب الأساسي الذي يمتلك مفاتيح الحل والعقد في بغداد، والذي يجيد اللعب مع الكبار (السنة والشيعة) بلغة المصالح والتوازن، يبدو الاتحاد الوطني وكأنه ينكمش تدريجياً نحو الهامش، متأثراً بتضاؤل مقاعده النيابية دورة تلو أخرى، وغياب الرؤية الاستراتيجية التي تجعله شريكاً فاعلاً لا رد فعل فحسب. يدرك المراقب للمشهد أن الاتحاد بات يفتقد لتلك الديناميكية التي كانت تميزه سابقاً، وأصبح دوره محصوراً في المناكفات الجانبية التي لا تغني ولا تسمن من جوع سياسي، وهو ما يجعله الخاسر الأكبر في معادلة النفوذ الكردي في العاصمة، حيث الأرقام والمقاعد هي اللغة الوحيدة المسموعة.
ولعل الدرس الأبلغ الذي يجب أن يُقرأ بعناية من قبل صناع القرار داخل الحزب الديمقراطي نفسه، هو ضرورة الاستمرار في هذا النهج الجديد المتمثل في الدفع بشخصيات "تكنوقراط سياسي" تتمتع بالرصانة والكفاءة وشبكة العلاقات الواسعة، بدلاً من الشخصيات "الهجومية" التي قد تجيد الخطابة لكنها تفشل في بناء الجسور.
إن نجاح تمرير الأتروشي، بما يملكه من هدوء وخبرة إدارية متراكمة ، يؤكد أن المرحلة المقبلة، سواء في بغداد أو الإقليم، تتطلب "مهندسين" قادرين على تفكيك الألغام السياسية والاقتصادية بهدوء، وليس "محاربين" يزيدون المشهد تعقيدًا وهو المعقد أصلاً، فالسياسة في العراق باتت تعتمد على التفاهمات العميقة والمصالح المتبادلة، والشخصيات المقبولة من الأطراف الأخرى هي وحدها القادرة على جلب المكاسب الاستراتيجية لكردستان وسائر العراق.
و أخيراً وليس آخر، لا يمكن فصل ما جرى في بغداد عما ينتظر إقليم كردستان في الأيام المقبلة، فالنجاح في حسم عقدة رئاسة البرلمان الاتحادي بذكاء وتخطيط، قد يكون سوى "إحماء" لمفاجأة أكبر يحضرها الحزب الديمقراطي فيما يخص تشكيل حكومة الإقليم.
المؤشرات تشي بأن الحزب، المنتشي بانتصاره التكتيكي وتماسكه الداخلي، ربما يذهب نحو خيارات غير تقليدية في أربيل، قد تصل حد تشكيل حكومة أمر واقع تحرج المنافسين الذين يبالغون في مطالبهم رغم تراجع أوزانهم الانتخابية، وتضعهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بحجمهم الحقيقي والمشاركة وفق الاستحقاق الانتخابي البحت، أو البقاء خارج دائرة القرار والتفرج على المشهد من مقاعد المعارضة الهامشية.
الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، وما شهدته قاعة مجلس النواب العراقي لم يكن سوى الفصل الأول من رواية جديدة يكتبها الديمقراطي بحبر "الواقعية السياسية" ونفس "القوة الهادئة".



