إلى مهندس الحكومة التاسعة وصانع رؤيتها، السيد مسرور بارزاني؛ نخط لكم هذه السطور في لحظة سياسية فارقة، حيث تتجه بوصلة الأحداث نحو الحسم، وحيث لم يعد الانتظار في ردهات التوافقات الهشة أمراً مقبولاً، بل أضحى مغامرة غير محسوبة العواقب في ظل وضع يغلي على صفيح ساخن. 

لا شك في أن ما تحقق في بغداد قبل ساعات من انتصار دبلوماسي عبر تثبيت ركائز الحزب الديمقراطي في هيئة رئاسة البرلمان، يتجاوز كونه نصراً حزبياً عابراً، إنما هو تفويض متجدد لنموذج الحكم الذي أرسيتم دعائمه، والذي بات لزاماً أن يُتوج في أربيل بخطوة شجاعة تكسر قيد الجمود، وتعلن ميلاد حكومة تنبثق من رحم الاستحقاق الانتخابي وشرعية المنجز الملموس، لا من دهاليز المحاصصة التي أكل الدهر عليها وشرب.

ولا شك في أن المتأمل بعين الإنصاف لمسيرة كابينتكم، يرى أنها تعدت حدود تصريف الأعمال التقليدي لتلامس جوهر "بناء الدولة"؛ ففي الوقت الذي لا تزال فيه الدولة العراقية، بموازناتها الانفجارية، عاجزة عن فك طلاسم أزمة الكهرباء التي ورثتها منذ تسعينيات القرن المنصرم، وتغرق محافظاتها في ظلام دامس ونقص حاد، نجحت إرادتكم في جعل "الكهرباء الدائمة" واقعاً معاشاً على مدار الأربع والعشرين ساعة في مدن الإقليم، محطمين بذلك أسطورة الاستحالة التي روج لها المحبطون، ولم يقف طموحكم عند حدود الطاقة، بل امتد ليفكك عقدة "الأمن المائي" التي أرّقت العاصمة أربيل لعقود، عبر مشاريع استراتيجية عملاقة ضمنت تدفق المياه العذبة وانهاء شبح العطش لثلاثين عاماً قادمة، واضعين حداً لمعاناة المواطن مع الصهاريج والانتظار، في مفارقة صارخة مع مدن الفراتين التي تشكو الظمأ والجفاف.

ولأن البناء لا يكتمل إلا بكرامة الإنسان، فقد نقلتم المواطن من طوابير الروتين الورقي القاتل إلى رحابة العالم الرقمي، مسهلين المراجعات الحكومية عبر أنظمة إلكترونية متطورة اختصرت الجهد والوقت، وحفظت الحقوق المالية في "حسابي" بعيداً عن جيوب الفساد النقدي، وتزامنت هذه الثورة الإدارية مع تحويل مدن الإقليم إلى واحات سياحية عالمية الطراز، تستقطب الملايين سنوياً، عبر توفير أرقى المنتجعات والبنى التحتية التي جعلت من كوردستان قبلة للباحثين عن الجمال والأمان، محققين بذلك أرقاماً قياسية في الإيرادات غير النفطية التي باتت رافداً حيوياً لا يقل أهمية عن الذهب الأسود.

أمام هذه الحقائق الناصعة والناجعة، وأمام التحديات الجيوسياسية المتعاظمة التي تطل برأسها من الجوار السوري المضطرب، وما يفرضه ذلك من ضرورة تحصين الحدود وضبط الأمن القومي، وبالتوازي مع تشكل خارطة سياسية جديدة في بغداد تتطلب مفاوضاً كردياً قوياً وموحداً لإدارة ملفات الموازنة والنفط المعقدة؛ يُطرح خيار "حكومة الأغلبية الوطنية" أو ما يمكن وصفه بـ "حكومة الاستحقاق والعمل" كضرورة ملحة بل ضرورة وجودية، فاستمرار رهن مصير الإقليم بمزاجية شريك سياسي تتآكل قواعده الشعبية وتتضاءل مقاعده النيابية دورة تلو أخرى، يعد تعطيلاً لمسيرة التنمية، وخيانة للثقة التي منحها الناخب لبرنامجكم الطموح سيدي الرئيس.

إن اللحظة التاريخية الراهنة، يا سيادة الرئيس، تستدعي قراراً حازماً بوضع سقف زمني نهائي للمفاوضات، يعقبه المضي قدماً بتشكيل حكومة قوية بمن حضر من المؤمنين بمشروع البناء، لتكون "حكومة أمر واقع" بالمعنى الدستوري والشرعي، تفرض هيبتها عبر الإنجاز، وتخرس الألسن عبر الخدمات، وتكمل مسيرة الإيفاء بالوعود المتبقية في قطاعات الزراعة والصناعة والإسكان؛ فالوقت كالسيف، وشعب كردستان العراق الذي ذاق طعم الاستقرار والرفاهية في عهدكم، ينتظر منكم اليوم الإقدام على خطوة تليق بحجم التحديات، وتعيد ترتيب البيت الداخلي وفق منطق القوة والكفاءة، لا منطق الترضيات التي لم تجلب سوى التباطؤ في مسيرة النهوض الكبير الذي تقوده سيادتكم.