لم يعد النظام المروري قضية خدمية أو إدارية فحسب، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى احترام الدولة والمجتمع معًا لمفهوم الحقّ العام كما تقرّه الدساتير والقوانين. فالطريق، بوصفه مرفقًا عامًا، يخضع لمبدأ دستوري واضح يقوم على المساواة في الانتفاع، وحماية السلامة العامة، وعدم الإضرار بالآخرين، وهي مبادئ تشكّل جوهر العلاقة بين الفرد والدولة في الفضاء العام.
في السياق العراقي والعربي عمومًا، تنص القوانين المرورية على تنظيم استخدام الطرق بما يضمن الأمن والنظام العامين، إلا أن الفجوة بين النصّ القانوني والتطبيق العملي ما تزال واسعة. هذه الفجوة لا تُختزل في ضعف الرقابة أو نقص البنى التحتية فحسب، بل تمتد إلى خلل أعمق في الوعي القانوني والاجتماعي بدور الفرد ومسؤوليته الدستورية تجاه المرافق العامة.
إن تجاوز الإشارات المرورية، أو القيادة بعكس الاتجاه، أو احتلال الأرصفة والطرق العامة، لا يمثّل مخالفة إدارية فقط، بل يُعد اعتداءً مباشرًا على حقّ دستوري للآخرين في الاستخدام الآمن والمتكافئ للطريق. فالقانون لا يمنح الفرد حرية مطلقة في الفضاء العام، بل يقيّد هذه الحرية بمبدأ عدم الإضرار، وهو مبدأ راسخ في الفقه الدستوري والأنظمة القانونية الحديثة.
من الناحية الاجتماعية، تكشف الفوضى المرورية عن أزمة ثقافة مدنية، حيث يُنظر إلى الطريق أحيانًا باعتباره مساحة للمناورة الفردية لا ملكًا عامًا تحكمه قواعد مشتركة. ويتفاقم هذا السلوك في ظل ضعف الثقة بالمؤسسات، وانتشار فكرة الإفلات من العقاب، وتحويل القانون من إطار ناظم للجميع إلى أداة انتقائية تُطبّق على البعض دون غيرهم.
كما أن تسييس القانون أو تعطيله بفعل النفوذ الاجتماعي والعشائري في بعض البيئات، أسهم في تقويض هيبة النظام المروري، وأفرغ النصوص القانونية من مضمونها الردعي. وعندما يشعر الفرد أن الالتزام بالقانون خيار أخلاقي فردي لا واجبًا دستوريًا، يصبح الطريق ساحة صراع يومي بدل أن يكون فضاءً عامًا آمنًا.
ولا يمكن بناء نظام مروري فاعل دون إعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية المشتركة بين الدولة والمواطن. فالدولة مسؤولة عن تشريع واضح وعادل، وتطبيق متساوٍ للقانون، وتطوير البنية التحتية، بينما يتحمّل الفرد مسؤولية قانونية وأخلاقية في احترام النظام بوصفه جزءًا من العقد الاجتماعي الذي يضمن حقوق الجميع.
إن إصلاح الواقع المروري يبدأ من الاعتراف بأن احترام الطريق هو احترام للدستور نفسه، وأن انتهاك قواعد المرور ليس سلوكًا عابرًا، بل مؤشر على خلل في العلاقة بين الفرد والحقّ العام. فالدولة التي يسود فيها نظام مروري منضبط، هي دولة نجحت في تحويل القانون من نصوص جامدة إلى ثقافة يومية، ومن سلطة قسرية إلى وعي جمعي يحمي حياة الناس وكرامتهم في الفضاء العام.



