لندن (هذا اليوم) – لم تكن التدوينة التي نشرها محمد الحلبوسي تعليقاً عابراً على المشهد السياسي العراقي، ولا مجرد استدعاء لغوي لماضٍ مضطرب. حين استخدم مصطلح “الأيام العجاف”، بدا وكأنه ينكأ جرحاً في الذاكرة السياسية العراقية، وفي الوقت ذاته يلمّح إلى فخّ سياسي يجري نصبه بعناية، هذه المرة لعرّاب الإطار التنسيقي نفسه، نوري المالكي.
في بغداد، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان المالكي سيعود إلى الواجهة، بل لماذا يُعاد طرح اسمه الآن، وفي هذا التوقيت تحديداً، ولصالح من تُدار هذه العودة. فالمشهد لا يوحي بتمكين سياسي بقدر ما يعكس عملية دفع محسوبة لرجل مثقل بالملفات نحو قلب عاصفة سياسية وأمنية وإقليمية متوقعة.
الحدث الأبرز في العاصمة العراقية اليوم هو عودة اسم نوري كامل المالكي، البالغ من العمر 76 عاماً، ليتصدر بورصة الترشيحات لرئاسة الوزراء. غير أن الزاوية الأخطر التي يجري تداولها في الغرف المغلقة لا تتعلق بقوة المالكي أو قدرته على الحشد، بل بما يسميه محللون “خدعة التوريط”، أي تحميله مسبقاً أعباء مرحلة يُتوقع أن تكون الأكثر تعقيداً منذ عام 2014.
ويصف الدكتور حسين الركابي، رئيس مركز أفق للدراسات الاستراتيجية في لندن، هذا المشهد بأنه “لعبة الشطرنج المعكوسة”، موضحاً أن الطريق لا يُفتح أمام المالكي حباً به، بل لأن رقعة الشطرنج نفسها تحترق. فخصومه، بحسب الركابي، يدركون أن أي رئيس وزراء قادم سيحترق بملفات المرحلة المقبلة، لذلك قرروا أن تُهدى هذه المحرقة لخصمهم اللدود كي يُنهي نفسه بنفسه سياسياً.
وُلد نوري المالكي في 20 حزيران 1950 في قضاء طويريج (الهندية)، لكن المفارقة التي يستحضرها خصومه الكرد اليوم تكمن في أن الرجل الذي يُوصَف بأنه عدو الفيدرالية الأول، حصل على شهادة الماجستير في اللغة العربية من جامعة صلاح الدين في أربيل. أربيل التي أصبحت لاحقاً مركز الثقل السياسي الساعي لتحجيمه، كانت ذات يوم محطة أكاديمية في مسيرته، وهو تناقض يختزل طبيعة التحالفات المتقلبة في العراق أكثر مما يعكس ثباتاً أيديولوجياً.
بعد حظر حزب الدعوة عام 1980، عاش المالكي سنوات طويلة في المنفى متنقلاً بين سوريا وإيران. هناك تبلورت شخصيته التنظيمية كمسؤول عن شبكات الداخل، ومشرف على صحيفة “الموقف” في دمشق، وهو ما أكسبه علاقات إقليمية معقّدة ستُعد لاحقاً رصيداً استراتيجياً في نظر أنصاره، أو تهمة سياسية في نظر خصومه.
ويكفي التذكير بالبرقية الدبلوماسية المسربة عام 2009، المنسوبة للعاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، والتي قال فيها: “لا أثق بهذا الرجل.. إنه عميل إيراني”.
تولى المالكي رئاسة الوزراء لولايتين بين عامي 2006 و2014، في واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ العراق الحديث. أنصاره يستحضرون توقيعه على قرار إعدام صدام حسين، وإطلاقه عملية صولة الفرسان عام 2008، وتوقيعه اتفاقية انسحاب القوات الأمريكية عام 2011، وهي خطوات منحتهم مبرراً لتلقيبه بـ“مختار العصر”.
في المقابل، يحمّله خصومه مسؤولية تعميق الانقسام الطائفي وتسييس مؤسسات الدولة، لتنتهي ولايته الثانية بكارثة سقوط الموصل بيد تنظيم داعش في حزيران 2014، وهو الحدث الذي أطاح به تحت ضغط المرجعية الدينية التي رفعت شعار “المجرب لا يُجرب”.
لفهم سبب قبول المالكي بالعودة اليوم، في توقيت إقليمي شديد الحساسية، لا يكفي التحليل السياسي وحده. فالعامل النفسي حاضر بقوة.
المالكي خرج من السلطة عام 2014 موصوماً بعبارة “ضياع ثلث العراق”، وعودته في 2026، وسط تهديدات حدودية وتحولات سورية وانسحابات أمريكية، تبدو محاولة لإعادة كتابة السطر الأخير في سيرته السياسية. هو يريد أن يقول إن الموصل لم تسقط بسببه، بل بسبب مؤامرة، وإنه حين عاد أنقذ بغداد من الطوفان.
في المقابل، يطرح سؤال آخر: لماذا تنازل محمد شياع السوداني بهذه السهولة؟ بعيداً عن التفسيرات السطحية، تشير قراءات أعمق إلى أن السوداني نفذ انسحاباً تكتيكياً محسوباً على طريقة مقتدى الصدر. فالرجل، الذي يُنظر إليه كسياسي تكنوقراط، أدرك أن قاموسه الهادئ لا يصلح لمرحلة 2026، وفضّل عدم الترشح بوصفها طوق نجاة، تاركاً للمالكي مهمة الاصطدام بالواقع القادم.
ما يُعرف بفخ المالكي لا يقوم على النوايا وحدها، بل على بيئة سياسية خانقة، تتداخل فيها أزمة مالية محتملة، وشارع قابل للاشتعال، وقضاء شديد الحساسية، وفصائل مسلحة خارج الانضباط، وتوقيت إقليمي بالغ السوء. تحميل رجل واحد مسؤولية إدارة هذه الملفات دفعة واحدة قد يكون كفيلاً بحرقه نهائياً داخل الإطار التنسيقي نفسه.
مع ذلك، لا يدخل المالكي المعركة أعزل. فخلال سنوات “الظل”، حافظ على نفوذه داخل مفاصل الدولة الحساسة، من وكلاء وزارات وقضاة المحكمة الاتحادية إلى قيادات عسكرية ورؤساء هيئات مستقلة. أنصاره يرون في هذه الشبكة ضمانة لكسر أي فخ سياسي يُنصب له، بينما يرى خصومه فيها سبباً إضافياً لتفجير الصدام.
في قراءته الإقليمية، يرى المالكي في صعود أحمد الشرع ونموذج الدولة المركزية في دمشق دليلاً على صحة نظريته القديمة بأن زمن المكونات انتهى، وأن زمن الدولة القابضة قد بدأ.
لكن منتقديه يحذرون من خطأ قاتل في هذه المقارنة، فالعراق ليس سوريا، وفي حين توجد في دمشق مؤسسة عسكرية واحدة (أو هكذا يريد أن يسوق له الشرع)، فإن بغداد محكومة بتعدد الجيوش والفصائل والعشائر وتوازنات دولية معقدة.
صمت النجف والحنانة لا يعني الرضا، بل يقرأه كثيرون بوصفه جزءاً من استراتيجية التوريط. فمقتدى الصدر، الذي يعرف المالكي جيداً، قد يفضّل تركه يتصدر المشهد في أسوأ توقيت ممكن، حيث تتراكم الأزمات وتصبح الحكومة القادمة حكومة أزمات بامتياز، وهو ما قد يمهد لاحقاً لعودة التيار الصدري كمنقذ على أنقاض دولة القانون.
المالكي في 2026 ليس نسخة 2014. هو أكثر خبرة، وأكثر شراسة، وربما أكثر يأساً. لكن السؤال الذي يطرح نفسه يبقى: هل تكفي الخبرة في نظام متعدد الرؤوس؟ أم أن محاولة ارتداء بدلة الجنرال مجدداً ستكون الرصاصة الأخيرة في جسد العملية السياسية العراقية؟
قد يكون الحلبوسي محقاً في استحضار “الأيام العجاف”، لكن المالكي يرى أن هذه الأيام تحتاج، من وجهة نظره، إلى “يوسف” قوي يخزن القمح ويحمي الأسوار.
السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان سيسقط في الفخ، بل ما إذا كان سيحرق الفخ ومن نصبه معاً. العراق اليوم أمام رهان مفتوح، إما دولة مركزية عنيفة، أو انهيار مزدوج للدولة العميقة والسطحية تحت وطأة العناد التاريخي لرجل يرفض أن يتقاعد.
فهل ينجو “المختار”، أم تكون هذه رقصته الأخيرة؟



